ثورتنا… وتاريخهم !

حجم الخط
0

يونس أبو أيوبوأخيرا نطق الرئيس أوباما ليخيب آمال من كانت له آمال في هذا الرجل، وليؤكد توقعات من لا يأمل خيرا في الإدراة الأمريكية ديمقراطية كانت أو جمهورية. هناك مثل إنكليزي يقول ‘من الأفضل أن تظل صامتا وقد تبدو غبيا على أن تفتح فاك وتثبت أنك غبي فعلا’. الرئيس أوباما حتما ليس غبيا، بل مجرد سياسي لا يختلف عمّـن سبقه، يخدم مصالح نظام رأسمالي عالمي شرس لا يبالي بمصائر البشر، وهذا بالفعل ما أكده ضمنا في خطابه. تحدث الرئيس أوباما مطالبا بالانتقال السلمي واستعمل كلمات دبلوماسية فضفاضة وغامضة، قابلة للتأويل الإيجابي والسلبي، لكنها حتما لا ترقى إلى مستوى الشعارات والكلمات التي استعملها إبان المظاهرات في إيران بعد الانتخابات الرئاسية، وقبلها إزاء الثورات البرتقالية وما تلاها من ألوان أخرى في الدول الشيوعية السابقة، إذ أن الأمر يختلف هذه المرة، فتلك الدول تعتبر عدوا للمصالح الأمريكية في حين أن النظام المصري حليف أساسي في منطقة الشرق الأوسط بعد إسرائيل. فالرجل الذي خرج علينا خطيبا مفوها في القاهرة قبل سنتين، يجد نفسه اليوم في مأزق حقيقي لا يحسد عليه. من جهة فهو لا يريد أن يظهر وهو يناقض الشعارات التي لطالما تشدق بها كالحرية والديمقراطية، لكن في الوقت ذاته لا يمكنه التخلي عن حليف أساسي في الاستراتيجية الأمريكية ما لم يتأكد من أن خلفه سيكون أداة طيعة في اليد الأمريكية. فالسياسة لا تعرف أصدقاء ولا أعداء دائمين بل مصالح دائمة. ومصلحة الولايات المتحدة الأمريكية تقتضي مع النظام الفرعوني القمعي، وعلى غرار أنظمة كثيرة من الخليج إلى المحيط، خدمة مصالحها على حساب مصالح شعوبها.

كثيرون بيننا من يقولون بنظرية المؤامرة عندما ينظرون إلى تصرفات الدول الغربية إزاء التطلعات الشرعية للشعوب العربية التي تتوق إلى الانعتاق من نير الظلم والاستبداد وما يخلفانه من فقر وتخلف. لكن المسألة في الواقع ليست مسألة مؤامرة بل سياسة متسقة وعقلانية واضحة تقوم على شبكة من المصالح الاقتصادية ‘لديمقراطيات’ بورجوازية رأسمالية رسمت استراتيجية جيوسياسية لحماية مصالحها في بلادها أولا، على حساب الطبقة الكادحة في مجتمعاتها، ثم عبر العالم وليس فقط في منطقتنا العربية وحدها. هذه القوى العظمى لم تتورع عن جر العالم إلى حربين سميتا جورا بالعالميتين في حين لم تكونا إلا حربين بين قوى رأسمالية أُقحمت فيها مكرهة شعوب المستعمرات آنذاك. إن ما يجري الآن في أرض الكنانة من محاولات للانقضاض على الثورة الشعبية وتكميم أفواه الشرفاء لا يختلف كثيرا عمّـا جرى في باريس سنة 1871 بعد الانتفاضة الشعبية التي قلبت نظام نابليون الثالث، ووضعت الأسس الأولى لديمقراطية شعبية حقيقية محورها الإنسان وليس الرأسمال (كوميونة باريس La Commune). فبعد انهزام جيش نابوليون الثالث أمام جيش بيسمارك ووقوع الأول أسيرا، حاصرت قوات بروسيا مدينة باريس في حين هربت حكومة نابليون الثالث إلى مدينة فيرساي في الضواحي. واستغلت القوى التقدمية في باريس الوضع لإعلان سقوط الإمبراطورية والانتقال إلى النظام الجمهوري، وسنت عددا من القوانين التقدمية التي لا تزال سارية المفعول في النظام الجمهوري الفرنسي إلى اليوم. لكن هذه الهبة الديمقراطية أخافت الدول الرأسمالية الأوروبية المجاورة التي قررت الانقضاض عليها. وهكذا قرر بيسمارك إطلاق سراح الجنود الفرنسيين والتعاون مع الحكومة المخلوعة في فيرساي لتدمير هذا النموذج الديمقراطي الوليد… وهكذا كان بالفعل. علينا أن نتذكر أيضا كيف انقضت القوات الفرنسية على الثورة في هايتي، أول ثورة ناجحة للعبيد الزنوج التي أسست أول دولة زنجية حديثة سنة1791، علما بأن هذه الثورة استلهمت مبادئها من قيم الثورة الفرنسية ذاتها معلنة الأخوة والتضامن بين الشعوب مبادئ دستورية. لكن القوى الاستعمارية لم ترض بذلك وفرنسا خاصة ففرضت على الدولة الفتية أن تدفع لها تعويضات باهظة لما ‘خسره’ مُلاك الرقيق الفرنسيون عندما تحرر العبيد من قبضتهم. وبقيت هايتي هكذا تمول ميزانية الدولة الفرنسية على حساب شعبها الذي ظل يتضور جوعا إلى أن طالبها الرئيس جان بيير آريستيد، المنتخب ديمقراطيا، بتسديد هذه الأموال التي سرقتها. فردت فرنسا بتنظيم انقلاب عسكري بمشاركة حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية للإطاحة به مرتين… وكان الأمر كذلك. ولكي نرجع إلى منطقتنا، فلنتذكر أيضا الانقلاب الذي دبرته المخابرات الأمريكية في عملية ‘آجاكس’، بتخطيط كرميت روزفلت حفيد الرئيس تيودور روزفلت، للإطاحة بالرئيس الإيراني المنتخب ديمقراطيا محمد مصدق، لا لذنب اقترفه سوى أنه أعلن نيته في خدمة شعبه وتسخير موارد إيران لأبنائها عندما قرر تأميم النفط. وأخيرا وليس آخرا، لنتذكر جميعا الانقلاب الذي أعده وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسينجر ضد رئيس الشيلي المنتخب ديمقراطيا، سلفادور آيندي، في 11 ايلول (سبتمبر) 1973، مسلما بذلك السلطة للسفاح العسكري بينوشيه الذي ذبح شعبه خدمة للمصالح الرأسمالية العالمية. إن ما سردناه من أحداث تاريخية ليست إلا أمثلة قليلة من تاريخ دموي حافل للدول الغربية التي تنادي بالحرية علنا وتحاربها باطنا، خاصة عندما يتعلق الأمر بحرية دول العالم الثالث وحقها في تقرير مصيرها. لا نعتقد بأن التاريخ يعيد نفسه بل نرى أنه يحوي في ثناياه عبرا لمن يعتبر وإلا فسيكرر الأخطاء نفسها. ما يجري الآن في مصر هو محاولة شرسة من القوى العظمى والأنظمة العربية الموالية لها للإبقاء على الوضع القائم في منطقتنا، سواء مع بقاء الوجوه القبيحة التي عهدناها أو من خلال استبدالها بوجوه بديلة لا تقل قبحا لإطفاء شرعية مزيفة على تغيير زائف. فالرئيس المخلوع مبارك ليس إلا دمية تخدم مصالح نظام عالمي أكبر وأكثر شراسة وقبحا من خلال مجموعة من المنتفعين والعملاء المحليين راكموا ثروات هائلة على حساب شعبهم وهم الآن يدافعون عنها في محاولة يائسة لإنقاذ مصادر ثرائهم. فلا تستغربوا عندما سيطلع علينا الرئيس الأمريكي (أو المسؤولون الأمريكيون) عاجلا وليس آجلا، مطالبين بتنحي حسني مبارك عندما يتضح أن هذا الحليف الوفي أصبح عبئا على الولايات المتحدة وعليه أن يرحل كما رحل زين الدين بن علي قبله. لكن، على الشعب المصري أن يبقى يقظاً، فتغيير الوجوه لا يعني تغيير النظام… والسيد عمر سليمان لا يقل قبحا عن رئيسه مبارك.

على الشعوب العربية أن تعي جيدا أن الشعب المصري اليوم لا يدافع عن حقوقه فقط بل عن حقوقنا جميعا ومصيرنا المشترك، وهو مشترك فعلا شئنا أم أبينا. إن تركنا الشرفاء المصريين يواجهون مصيرهم لوحدهم ولا قدر الله انهزمت هذه الثورة، ولن تنهزم، فستكون كارثة على الشعوب العربية. على كل شرفاء العالم، وبخاصة في البلاد العربية أن يساندوا هذه الثورة الشعبية وينزلوا إلى الشارع الآن، فورا، وليس غدا… إنهم يحاولون سرقة ثورتنا، فلا تتركوهم!

باحث في علم الاجتماع السياسي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية