ساهمت الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر بتخليص المجتمع من الامتيازات الاقطاعية للطبقة الاستقراطيه، لتنهي عقودا طويلة من استغلال النبلاء للفقراء والفلاحين، وفي بداية القرن العشرين كانت الثورة البلشفية تتويجاً للحراك الذي قاده العمال والفلاحون وبعض المثقفين لانهاء حكم العائلة (رومانوف) الذي استمر قرنين من الزمن وليتوج بمقتل القيصر نيقولا الثاني وكل أسرته.
قادت الشعوب نضالاتها من أجل صيرورة البقاء والانعتاق من العبودية بكل اشكالها اعتمادا على عواملها وقواها الداخليه، فالشعوب حية لا تموت ونحن العرب لسنا استثناء، فالربيع العربي جاء بعد فصول عجاف أكلت من لحمنا وشربت من دمنا حتى الثمالة، فأطيح ببعض الطغاة والبعض الاخر ينتظر.
أدرك الغرب ولا لوم عليه بأدراكه، فهو يعرف مصالحه أكثر من أي أحد، أن الحرية والديمقراطية في الشرق الاوسط نقيض للعنصرية والتطرف المتمثل بالكيان الصهيوني وأن خطرا حقيقيا يتهدد مشروعهم الاستعماري في فلسطين، فجندت كل أدواتها الداخلية والخارجية لتحد من هذه الثورات وتخرجها عن مسارها، كما هو واضح وجلي في الثورة السورية، حيث كانت الامتداد الطبيعي للحراك العربي لو لم تسطو عليها خلطة عجيبة غريبة من التحالفات التي لم تجتمع يوما الا على الدم السوري.
سلبوا الثورة نقاءها وعفتها وشوهوا انتفاضة شعبها من المطالبة بالحرية وثورة سلمية الى الحظر الجوي والتدخل الخارجي، واخيراً بوقف امداد حركات المقاومة بالسلاح، والتحالف مع الشيطان ليخلصهم من الديكتاتورية متجاهلين حقيقة أنها لا تفهم الا لغة الشيطنة التي يجيدها الشياطين أنفسهم فقط والشعب السوري ليس كذلك ولن يكون. لا مجال للسجالات والخوض في التفاصيل أكثر، فطبول الحرب قرعت واستهداف سورية أرضا وشعبا قد بدأ، والعقوبات العربية والغربية مقدمة من مقدمات حرب شعواء، والا كيف يفهم تهديد تركيا بقطع الكهرباء عن المنازل والمستشفيات، ام يريدون اقناعنا ان وجود الانارة تعيق تقدم الحرية وتمنع وصولها للناس، أم أن عائلة الأسد ستقضي ليلتها بالظلام وفي صباح اليوم التالي ستخلوا موائدهم من الطعام بسبب العقوبات الاقتصادية؟! هراء محض، فالمراد تركيع الشعب السوري والحض على فتنة داخلية أوسع وأشمل مما هو حاصل الآن ينتج عنها تفتيت المجتمع وشرذمة مكوناته، مما يسهل خضوعه وتركيعه، فالدفاع عن سورية ليس دعما عن النظام، فالنظم تأتي وتزول أما سورية الجغرافيا والتاريخ باقية، فالطائرات التي ستدق بيوت الآمنين وتحرق جلودهم لا تجيد لغتهم ولن تسألهم ان كانوا مع او ضد الاسد! الحكم على الحراك العربي لا ينطلق كون النظام ممانعاً أو معتدلاً، فكلاهما لم يمنع حرق الاطفال والنساء بالفسفور الابيض في غزة، ولم يوقفوا تهويد مدينة القدس ولا كانوا عائقا في احتلال العراق وتقسيم السودان. المطالبة بالناتو والتدخل الخارجي والمعطيات على الارض كلها تشير ان الأمور تسير باتجاه اعادة الاحتلال وتقسيم للمنطقة، فحصار العراق ومن ثم احتلاله وما خلف من دمار بالجسد العربي حاضر في الاذهان.
علي طلعت عرار