أخيراً، في 18 أيلول/سبتمبر 2018، أعلنت أسماء الفائزين بجائزة فوروارد للشعر في بريطانيا (الشعر المكتوب باللغة الانكليزيّة)، وكان الفائز بالجائزة هو الشاعر الأمريكي من أصل افريقي دانيس سميث البالغ من العمر 29 عاماً كأصغر شاعر يفوز بالجائزة إذ فازت مجموعته الشعرية «لا تسمنا موتي» في فئة المجموعات الشعرية. وتتناول مجموعة سميث الشعرية، ثيمات العرق ووحشية الشرطة والجندر.
وقالت، رئيسة قُضاة الجائزة بيديشا، عن مجموعة سميث الشعرية التي فازت بالجائزة أن المجموعة تمثل «تحذيراً قوياً: هذا ما يحدث، كونوا حذرين، انتبهوا». وأضافت بيديشا ان المجموعة ذات نسيج شعري صارم دقته، وأن قصائدها الغنائية تظهر تنوّعاً مذهلاً من حيث الشكل والعواطف، واتقاناً في الوزن واللغة الموسيقية». وأشادت بيديشا بـ»الشجاعة والتحدي كما بمشاعر الشوق والغضب، إلى اجتماع عنصري الرغبة والهشاشة. وبالنسبة لنا فإن هذه المجموعة كانت مجموعة ملتهبة من حيث إحتدام انفعالها العاطفي ومن حيث معاصرتها في وجوه عديدة. انها ليست فقط مجرد اختزال لشاعر ولقوله الشعري في انه تعبير عن وحشية للشرطة في أمريكا، وإنما هي عن الظلم وعن مكافحة عدم المساواة وهو ما نجده في موقفها إذ يقول شاعرها: «سأنهض وأعبّر عمّا في نفسي. سأفصح عن حقيقتي. لقد أحببنا ذلك. أحببنا الثقة التي تأتي منه».
وهكذا، فازت مجموعة سميث، الذي كان قد أختير ضمن قائمة صغيرة بينها الشاعرة الأمريكية الشهيرة تريسي ك. سميث، بالجائزة ونال صاحب المجموعة 10 ألف جنيه سترليني.
يبدو أن نتيجة جائزة فوروارد هذا العام قد تأثرت أو انها جاءت معدّلة لنتائج دراسة أجريت في شهر أيار/مايو من هذا العام عن ظهور القائمة القصيرة لجائزة فوروارد. تقول تلك الدراسة أن المشهد الشعري البريطاني قد فشل في اختبار التنوّع، وأن الشعراء والشاعرات الملونين لا يحظون بالتمثيل الحقيقي لهم في المملكة المتحدة. ووفقاً لتلك الدراسة فإن عالم الشعر البريطاني «فشل في تلبية معظم المقاييس الأساسية للشمول» وسلّطت الدراسة الضوء على «الاستبعاد المؤسسي» لشعراء ونُقّاد ملونين من مجلات المملكة المتحدة وايرلندا.
وكانت الدراسة (التي صدرت في أيار/مايو) قد شملت بيانات من 29 مجلة وموقعا على شبكة الانترنت، بما في ذلك «بي إن ريفيو»، و»بويتري ريفيو»، والجزء الخاص بالشعر في ملحق «الغارديان الأسبوعي». ووجدت الدراسة أنه خلال الفترة 2012 – 2018 كان نصيب الشعراء والشاعرات الملونين في النشر 9 في المئة من بين 20 ألف قصيدة. وأن من بين 1819 قصيدة تم نشر 502 (قصيدة) في مجلة واحدة هي «الشعر الحديث في الترجمة».
وعندما حلّلت الدراسة الاصول العرقية لنقاد الشعر وجدت انقساما أكثر حدة: فمن نحو 3 ألف مقالة كُتبت خلال تلك الفترة (2012 – 2018) فإن 5 في المئة فقط كتبها نُقّاد ملونين. وقد وجدت الدراسة أنه كان هناك تفضيل للنُقّاد الذكور بمقدار الضِعف لاستعراض أعمال ذكور أكثر من استعراض أعمال إناث. وارتفع هذا الرقم إلى 3 أضعاف في صحيفة «الغارديان» وأربع أضعاف في «بي إن ريفيو» (PN Review) وخمس أضعاف في إصدارة (الشعر الحديث في الترجمة).
وقالت الشاعرة والأكاديمية سانديب بارمر التي نظّمت الدراسة «لأجل ان يُحظى الشعراء بقدر من الاهتمام يجب أن يتم استعراض أعمالهم ويجب أن يكون هناك تقييم لأعمالهم في اللحظة الحاضرة التي يعيشون فيها – وبدون ذلك فلن تكون هناك سوى صورة شائهة للمدى أهميتهم».
وأضافت بارمر «يمكن أن نرى ذلك في القرن العشرين، ويمكن أن نراه يحدث الآن. يجب أن يتم منح اهتمام نقدي كافٍ وأن يُمنح النوع الصائب من الاهتمام النقدي – من نُقّاد لهم إطّلاع أفضل بموضوعات مثل العرق والثقافة والهوية والانتماء». وأشارت بارمر إلى ان التقرير أحدث سلفاً تأثيره إذ أقدم ملحق «الغارديان الأسبوعي» (Review) وملحق صحيفة «التايمز الأدبي» (TLS) على تكليف المزيد من النُقاد الملونين بالكتابة فيهما. وتحدثت بارمر عن تأثيرٍ لتقرير سابق كان قد صدر عام 2005 حيث كان قد وجد أن نسبة النشر لشعراء سود أو آسيويين كانت أقل من 1 في المئة لكنها ارتفعت الان إلى 10 في المئة.
هناك حضور ملحوظ لتقاليد إعداد الاستطلاعات والدراسات التي تؤثر على مجرى الحياة الثقافية والفنية في بريطانيا. ففي ملحق سابق لصحيفة «الغارديان» يعود إلى يوم السبت 16 ابريل /نيسان عام 1994 قدمت الناقدة جيتي ثيرنر استطلاعاً هاماً عن ظاهرة صعود نجم الشعر في بريطانيا وتقدم مبيعات دواوين الشعر على غيرها من المطبوعات في الأسواق. ورصد الاستطلاع انعكاسات ذلك الصعود على أصعدة مختلفة إلى أن تتوّج بإقامة «اليوم الوطني للشعر» في بريطانيا في تشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام حيث عُلقت القصائد على لوحات الإعلانات ليقرأها الناس في الصباح. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتم فيها حدث كهذا في بريطانيا. وأشارت الصحف حينذاك إلى أن وليام سيغهارت صاحب دار فوروارد للنشر، هو الذي يقف وراء فكرة «اليوم الوطني للشعر» وتنظيم جائزة سنوية للشعر تبلغ قيمتها عشرة آلاف جنيه استرليني وهي الجائزة التي تناولها صدر تقريرنا هذا والتي صارت تقليداً متبعاَ منذ ذلك الحين.
كان الإعلام قد بدأ بالفعل خلال النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين في توجيه اهتمام خاص بالشعر لا يضاهيه أي اهتمام سابق بالشعر في الماضي. فقد صارت الصحف، على غير عادتها، تنشر نصوصاً شعرية وتزايدت معدلات قراءة الشعر عبر برامج الإذاعة البريطانية وخصوصاً «راديو فوور». وظهرت قصائد الشعر على عربات قطارات الانفاق في مدينة لندن. بل أن الأمر بلغ درجة أن صارت مجلة «G & Q» المتخصصة في أناقة الرجال تبرز ديوان الشعر كمكمل للأناقة. وكانت حملة التسعينات للترويج للشعر قد جعلت جمعية الشعر «Poetry Society» ودورية الشعر «Poetry Review» تقومان بدور هام في الترويج للشعر عن طريق التركيز والترويج لعشرين شاعراً وشاعرة من شعراء الجيل الجديد الأقل شهرة في ذلك الوقت. وتركز مشروع الترويج لأِشعار أولئك الشعراء العشرين منذ أول عام 1994 عبر الصحف والمجلات. وعلى رأس تلك الكوكبة من الشعراء الشاعرة كارول آن ديفي والشاعر سايمون آرميتج. وعلى مستوى التنوع الاثني كان هناك، من بين هؤلاء الشعراء والشاعرات 8 شاعرات و6 اسكتلنديين. وكانت إحدى الشاعرات مونيزا ألفي، من مواليد باكستان كما ينحدر أحدهم من اصول ايرلندية.
وكان الناقد تيري ايغلتون قد وصف حينذاك صعود تلك المجموعة من الشعراء بأنها عملية تحول فيها الهامش إلى مركز كما جاء رأي الناقدة جيني تيريزا قريباً من رأي ايغلتون إذ اعتبرت أن الحساسية الشعرية للتيار الرئيسي للمجتمع البريطاني كانت تخضع لرحمة مجموعة صغيرة من المنحدرين من اكسفورد من الذين يحملون أفكاراً عقيمة.
الاستطلاعات تشير إلى ان دور النشر يمكن أن تساهم في إذكاء حيوية الشعر عبر الجوائز المادية التي تقدمها فقد دفعت كل دار نشر عام 1994 مبلغ 500 جنيه عن كل شاعر رشحته لقائمة العشرين شاعراً. كما أن التدخل الإيجابي ودعم الدولة والمؤسسات يفتح طرقاً أوسع أمام الشعر.
هناك من يعتقد أن الحديث عن الأجيال الشعرية حديث عن تسويق الشعر أكثر مما هو حديث عن قدرة الشعر التعبيرية أو عن جوهره. لكن الذي لا شك فيه أن الاهتمام بالشعر يؤدي إلى توسيع دائرة الاهتمام به وبجمهوره وبوسائطه.