محمد بنعزيز حصل الفيلم الكرواتي ‘المظلة’ للمخرج جير بافلوفيتش Jure Pavlovi على جائزة الإخراج في ختام الدورة العاشرة لمهرجان الفيلم القصير المتوسطي، والمنعقد بين الاول والسادس من أكتوبر 2012.فيلم ‘المظلة’ تحفة كرواتية. هو من الأفلام النادرة، في المهرجان، التي لم يكتبها مخرجها. فيلم فيه جهد في الكتابة رفع السرد لمرتبة الشعر. سرد بدون حشو وفلاش باك ولا كوابيس وأحلام وحيل مونتاج كسولة من مخرجين يريدون اختراع قانون السرد من فيلمهم الأول. وهذه ظاهرة مست الكثير من الأفلام التي عرضت في الدورة، وجعلت الجمهور يشعر بالضجر.تنبيه: لا داعي لاختراع الطاحونة. فهي موجودة. لا داعي لاختراع السرد. فهو موجود. أين؟ في التوراة والإنجيل والقرآن والإليادة وكليلة ودمنة… وحلقة جامع الفنا.يحكي الفيلم الكرواتي عن شابة تمر ببيت لتأخذ مظلة نسيتها… مع الزمن يتكشف الأمر عن موعد مفبرك، لكن بارد، يفتح الرجل باب الشقة، يستقبلها وهو خارج العتبة، يدخلان، لا نرى وجهه، يبقى بعيدا عن الكادر، لكن نشعر بتوترها هي، نعرف أنها جاءت لتسترد مظلتها، استردتها… تنتظر، تسترخي، تتوتر، تقف لتنصرف، يقول لها اجلسي، تجلس تشرب، تقوم لتنصرف، يقول لها اجلسي، تجلس تدخن… ببطء… ماذا بقي؟ في العلاقة بين الرجل والمرأة كان هناك شيء مفقود، وهي معه تجده باردا… جف الحب وجفت الرغبة… وهكذا تحولت الخلوة اللذيذة إلى عذاب… كانت النظرات معبرة، واضح أن المخرج شرح الدور للممثلة حتى استبطنته لتجسد الدور بصمت مؤثر وبكبرياء مجروح… هذا الصمت الذي ترك فراغات للمتلقي ليملأها… فكل عاشق برَد حبه عاش تلك اللحظة المشؤومة. ويمكن أن يساعده الفيلم على فهم تجربته.على مراحل يتضح أن المظلة مجرد ذريعة للزيارة، للقاء، لاستعادة مجد علاقة انتهت… وهكذا نتعمق في آلام امرأة لم تعد مرغوبة…. تشي نظراتها بحزن عميق… قلة الحب تقتل النساء… هذا يستكشف من السياق، فهذا فيلم بلمسة شعرية، أدى فيه صقل الكتابة إلى جعل المعنى مسكوتا عنه، لا يمنح نفسه كاملا من المشاهدة الأولى… والمؤشرات تساعد المتفرج… لقد تحدثت للمخرج عن الفيلم وعن جدار الحكاية كما وصفه أمبيرتو إيكو في ‘القارئ في الحكاية’. جدار من آجور به خواءات يقوم المتفرج بملئها… المظلة حماية، الحب حماية، لكن البطلة فقدته وجاءت تبحث عنه… هذا هو الشوق. ما كان ساخنا سيبرد يوما. من لم يعش هذا؟ في دردشة بعد العرض لمحت للمخرج لتشابه بين بطلته وجولسومينا في ‘لاسترادا’ لفيليني، حيث تموت الشابة، لأن زامبانو (أنطونيو كوين) الذي يرافقها لا يعرف الحب.ليس المطر ما يزعج النساء بل غياب الحماية بعد أن انتصرت الحداثة على القبيلة. فقدت النساء المظلة التي تحمي أيامهن… في الفيلم فقدت الشابة الحب الذي كان يجعلها تحضر وتجد حبيبها يستقبلها بلهفة… الآن صارت الزيارة عبئا.في المناقشة الصباحية بفندق شالة حظي الفيلم بإطراء المتدخلين، في رده قال المخرج: هذه قصة تركز على أحاسيس الشخصية… عملنا كثيرا على السيناريو… الفيلم الجيد لا يعطي حلا. يجب أن يعرض وضعيات تحرض، تمس المشاعر… تدفع المتفرج للتفكير… فيلم سحرني بتماسك السرد وروعة أداء البطلة. سألت المخرج:هل بكت بطلتك أثناء التصوير؟ قال نعم.التفت الكثير من الحضور ليروا وجه طارح السؤال. [email protected]