متابعة وترجمة: فادي الطويلفيما تنشغل الصحافة بالجوائز الكبرى، ورغم كونها ليست من جوائز الدرجة الأولى، إلا أن جائزة ‘الغارديان’ للكتاب الأول تظل ذات قيمة معنوية كبيرة (تبلغ قيمتها المادية عشرة آلاف جنيه استرليني). أسماء هامة مرت عبرها لعلّ أكثرها بروزاً في السنوات الأخيرة ‘زادي سميث’ التي نالت الجائزة عام 2000 عن روايتها البديعة ‘أسنان بيضاء’ وما يميزها هو تنوعها إذ لا تختص في مجال محدد أدبيّ أو بحثيّ، في العام الماضي 2011 كانت الجائزة من نصييب الطبيب والكاتب الأمريكي الهندي ‘سدهارتا موخريجي’ عن عمله: ‘امبراطور كل الأمراض: سيرة ذاتية لمرض السرطان’. هذا العام، كانت الجائزة من نصيب عمل أدبي، تفوّق بهامش ضئيل على عمل بحثيّ لـ ‘كاثلين بو’ التي درست أحوال أحياء الفقراء في مومباي في عملها ‘خلف الأبديّات الجميلة’. العمل الفائز هو ‘العصافير الصفراء’، رواية يكشف فيها كاتبها وقائع تتعلق بالحياة والموت والمصير. ‘كيفن باورز’ (1980) شاعر وكاتب أمريكي من فرجينيا. ابن عائلة متوسطة الحال لم تستطع إعانته في الدخول إلى الجامعة، كان يعتقد أن لا مكان له بين الكتاب الذين اعتقد ‘أنهم جميعاً من نيو يورك’ فاستجاب لإغراء الانضمام للجيش الأمريكي للخدمة فيه والحصول بعد عدة سنوات على منحة دراسية. انضمّ إلى الجيش في السابعة عشرة من عمره، ثم في عام 2004 توجه إلى العراق ليعمل ضمن وحدة هندسية مقاتلة. خدم في العراق بين عامي 2004 و2005 في الموصل وتلعفر. عاد إلى وطنه ليحصل على منحة في دراسة الكتابة الإبداعية من جامعت تكساس. حسب ‘ليزا ألارديس’ رئيسة لجنة التحكيم – التي ضمّت الكاتبة أهداف سويف- فإن ‘كيفن باورز’ قد استطاع تقديم عمل حقق فيه كل مقومات نجاح الكتاب الأول من موهبة وأصالة وكونه عملاً واعداً بامتياز ووصفته كـعملٍ ‘فيه استكشاف حساس لكن موضوعي جداً لمسائل الحرب، الصداقة والموت. إنه عمل يفصّل الزمن الذي قضاه ‘باورز’ في العراق وعودته المفجعة إلى الوطن ومن ثمّ تبعات ما حدث معه هناك. عمل فيه شيء من السيرة الذاتية التي استطاع صاحبها وضعها ضمن إطار تخيّلي وفنيّ قويّ’. في الأصل، ‘باورز’ هو شاعر يهتم بالتفاصيل الشعورية واللغوية والفنية الصغيرة. لكن تجربته التي قادته إلى العراق دفعته لتسجيل هذه الرحلة ضمن قالب روائي. ربما لم تكن تجربته الشخصية متطرفة مثل تجربة شخصياته الرئيسية في الرواية لكنه كان في ‘صراع. إنني أعي بقوّة ما يشعر به جون بارتل (بطل الرواية) واضطراباته عند عودته إلى الوطن’. بارتل الذي يتعهّد لأمّ صديقه أن يعيده إليها من العراق حيّاً. لكنه يفشل في الإيفاء بهذا الوعد. يقول ‘باورز’ إن وجوده في العراق قد حرره من الخوف الذي لازمه طويلاً. خوف من الفشل في الكتابة ومن التوقعات بشأن الدرب الذي كان عليه اختياره. ويعبر أن الكتاب قد أعطاه طريقة ليشرح بها بعض القضايا التي أثارتها ظروف تواجده في ‘الحرب’ وليس أقلّها: ‘كيف تُبقي على إنسانيتك عندما تكون التضحية بها هي الحل الوحيد للنجاة’. استقى عنوان روايته ‘العصافير الصفراء’ من أغنية عسكرية تعلمها في الجيش، أغنية يؤديها الجنود خلال مسيرهم عن طيور صفراء تقترب من النافذة فيستدرجونها بكسرة خبز صغيرة ثم يحطمون رؤوسها. ‘إنني أتعاطف مع بارتل، لقد أحسست بما يحسّ، وطرحت الأسئلة ذاتها. ثمة نوع من التماهي بين حياتَينا العاطفية والذهنية’. ما يميّز الرواية، كونها رواية عن الحرب هو أن أكثر من نصفها يدور بعيداً عن ساحة المعركة. نشاهد الأحداث اليومية والتفاصيل العادية من خلال عينَي ‘بارتل’ الذي يبدو شارداً ويراقب العالم من خلف غشاوة. ‘كانت هناك قصص كثيرة تتحدث عن انتحار جنود سابقين، قصص يفوق عددها من يسقطون في الحرب نفسها. أردت أن أُظهر الصورة كاملة. أنت تنزل من الطائرة عائداً إلى وطنك. كل شيء على ما برام. ربما تكون قد تجاوزت الخطر الجسدي، لكن الجنود يظلون في خطر أن يصابوا بطريقة مختلفة. كنت أعتقد أن الكتابة هواية سرية. لكن الحرب حررتني من خوفي من الفشل’.يعرف ‘كيفن باورز’ مدى تأثير هذه الجائزة على مستقبله الأدبي، ويقول ‘إن هذا الاعتراف بالعمل هو شيء لا يصدّق. إنني أستعيد الساعات التي قضيتها في الكتابة متسائلاً إن كان يمكن أن يهتم أحد بما أكتب’.مع احتفاء الصحافة الأدبية بالرواية وكاتبها، يبدو من الموضوعي السؤال إن كان يمكن بالفعل تصنيف الرواية مع الروايات الكبيرة التي تحدثت عن الحرب -‘لمن تقرع الأجراس’ مثلاً- أو حتى عن وضع كيفن باورز مهما تبدّت موهبته في عمله الأول مع أسماء مثل ‘كورماك مكارثي’ أو ‘نورمان مايلر’ أو ‘إرنست همنغواي’. إن مقارنة كهذه من شأنها على الأغلب- أن تربك ‘باورز’ وتؤثر على تركيزه في مسيرته التي لا زالت في بدايتها، لا تخلو هذه التصنيفات من مبالغة أراد كاتبوها تسليط الضوء على ‘ كيفن باورز’أكثر من العمل نفسه والبحث فيه عن أسئلة يجب مقاربتها والبحث عن إجابات وافية لها. أسئلة عن أخلاقيات الوجود الأمريكي في العراق وتأويله بين ‘حرب’ و’احتلال’، وعن أخلاقيات التعامل مع العراقيين وفهمها كـ’واجب عسكري’ أم ‘جرائم’، ثم ما هو موقف ‘الآخر’ الذي تخوض حربك ضده. أسئلة تغيب أمام الفكرة المسيطرة في الرواية وهي ‘النجاة’. كيف تنجو جسدياً ونفسياً من الحرب. فكرة تبدو عصيّة على التحقق، نفسياً على الأقل حتى بعد الخروج من ‘ساحة المعركة’ والابتعاد عنها. من الرواية: ‘لم يكن مقدراً لنا النجاة. للحقّ أنها لم تكن مقدّرةً لنا أبداً. كانت الحرب تأخذ كل ما تستطيع أخذه. كانت الحرب صبورة. لم تكن تهتم بالأهداف أو الحدود أو فيما إذا كان المرء محبوباً أم غير محبوب على الإطلاق. كنت، ذلك الصيف، نائماً عندما جاءتني الحرب في أحلامي. أرتني غايتها الوحيدة: أن تحدث. أن تحدث فقط’.