جائزة الفيلم القصير لكوميديا روميو وجولييت علي الطريقة الفلسطينية الاوسكار الـ 79 يحتضن سينما العالم ويتوجها
د. عماد عبد الرازقجائزة الفيلم القصير لكوميديا روميو وجولييت علي الطريقة الفلسطينية الاوسكار الـ 79 يحتضن سينما العالم ويتوجها اكتسب حفل توزيع جوائز الاوسكار التاسع والسبعين في لوس انجليس طابعا دوليا اجمع عليه العديد من النجوم الذين شاركوا بالحضور، وذهب بعضهم ان ذلك الانجاز تأخر كثيرا، وان اختلفت التفسيرات لهذا التطور الذي طرأ علي جوائز الاوسكار، وان لم يكن بالضرورة مفاجئا. خارطة توزع الترشيحات الي جانب تلك التي فازت من بينها، كلاهما تؤكدان هذا المزيج العالمي من الثقافات والدول وبالتأكيد التقاليد والحساسيات السينمائية. لم يقتصر هذا التمثيل العالمي علي تنوع الدول المرشحة بل انعكس ايضا في نوعية الموضوعات حتي في بعض الافلام امريكية الانتاج.في قائمة افضل ممثل في دور رئيسي تنافس كل من ليوناردو دي كابريو في الالماس الدموي وتدور احداثه في خضم الحرب الاهلية الطاحنة في سيراليون، حيث يضطر صياد فقير لفراق اسرته والعمل في مناجم الالماس حيث يعثر علي ماسة ثمينة وتجمعه الصدف بمهرب من جنوب افريقيا (دي كابريو)، ينصحه ببيعها لانتشال اسرته من وهدة الفقر. والفيلم يستكشف الاستغلال الذي تتعرض له شريحة من افقر فقراء العالم من كبار محتكري هذه الصناعة/ التجارة السمينة والثمينة. وفي القائمة ذاتها كل من بيتر اوتول، النجم العالمي الايرلندي الاصل عن دور ممثل عجوز يقع في غرام ابن اعز اصدقائه، وهذه هي المرة الثامنة التي يرشح فيها اوتول للاوسكار ويجانبه التوفيق، علما بانه فاز بجائزة شرفية في عام الفين واثنين. ورايان غوسلنغ عن دور مدرس ومدرب بيسبول يكابد معاناة الادمان علي المخدرات ويحاول تبني طفلة مجتهدة، وموهوبة كوسيلة تساعده للتغلب علي معاناته. ورشح ايضا الامريكي ويل سميث عن دوره في بحثا عن السعادة . اما المرشح الخامس فكان سعيد الحظ الذي انتزع الجائزة عن جدارة وهو الامريكي فورست ويتكر عن فيلم آخر ملوك اسكتلندا وجسد فيه ببراعة دور دكتاتور اوغندا السابق عيدي امين. (حتي لو لم يكن لديك ادني اهتمام باوغندا وتاريخها او بالقضايا الافريقية عموما، ننصحك بمشاهدة الفيلم فقط للاستمتاع باداء خارق للعادة من فطحل التمثيل ويتكر، الذي لمع لأول مرة في دور جندي بريطاني اختطف بواسطة الجيش الجمهوري الايرلندي في فيلم لعبة الصراخ The Crying Game ).في قائمة افضل ممثلة انتزعت هيلين ميرين البريطانية الجائزة ـ كما كان متوقعا ـ عن تجسيدها الملكة اليزابيث الثانية ملكة بريطانيا خاصة في الفترة التي اعقبت مصرع اميرة ويلز ديانا سبنسر، والعاصفة التي هزت العائلة المالكة البريطانية في وجه الانتقادات التي ووجهت بها من الرأي العام البريطاني، فضلا عن ان ديانا كانت شخصية عالمية بكل المقاييس وكذا كان مصرعها كحادث له ابعاد دولية من باريس الي لندن ومصر، موطن خطيبها. ولم تفوت هيلين الفرصة لتغدق الثناء علي الملكة التي حافظت علي رباطة جأشها، وثباتها، وقبعتها وتسريحة شعرها وحقيبة يدها لاكثر من نصف قرن، واجهت فيها عواصف عديدة، ولولاها لما كنت هنا الليلة اتسلم هذه الجائزة ، علي حد قولها. تنافس علي الجائزة ايضا كل من الاسبانية بنيلوبي كرووز عن دورها في الفيلم الاسباني فولفر ، والبريطانية كيت وينسليت عن دور امرأة توشك علاقة عاطفية مع رجل آخر ان تدمر حياتها الزوجية في فيلم اطفال صغار Lile Children ، وهذه هي المرة الخامسة التي ترشح فيها كيت للاوسكار دون ان يحالفها الحظ. وهناك ايضا البريطانية المخضرمة جودي دنش عن دورها في ملاحظات علي فضيحة Notes On a Scandal ، وقد رشحت ست مرات من قبل. واخيرا الامريكية ميريل ستريب عن دورها كرئيسة تحرير مجلة موضة متسلطة وهي التي رشحت اربع عشرة مرة وفازت مرتين، كممثلة في دور رئيسي في خيار صوفي وفي دور مساعد في كرامر ضد كرامر .في قائمة افضل ممثل مساعد رشح الممثل الافريقي ديجمون هونوسو عن دوره في الألماس الدموي ، وايدي ميرفي عن دوره في الدراما الموسيقية فتيات الحلم ، وجاكي ايرل هالي عن دوره في اطفال صغار ، ومارك والبيرغ عن دوره في الراحلون ، الا ان الجائزة ذهبت للامريكي الان اركن عن دوره في الآنسة الصغيرة صن شاين ، وقد حصد الفيلم ذاته اربع جوائز اخري يستحقها خاصة لجدة موضوعه وطرافة المعالجة المشوقة جدا وبساطة القصة والصدق الفني الذي تحفل به، فضلا عن نقدها الساخر لهوس المسابقات في المجتمع الامريكي، وهوس الكبار الهستيري بالمنافسة الذي ينقلونه الي اطفالهم علي نحو يتناقض مع ابسط معاني الطفولة (فيلم جدير بالمشاهدة حقا). في قائمة افضل ممثلة في دور مساعد تنافست ادريانا بارازا عن دورها في فيلم بابل ، والاسترالية كيت بلانشيت عن دورها في ملاحظات علي فضيحة ، والطفلة ابيغيل بريزلين بطلة فيلم الآنسة الصغيرة صن شاين ، واليابانية رينكو كيكوتشي عن دورها في بابل .هذا التنوع الثري في مشارب المرشحين وثقافاتهم الي جانب تنوع التقاليد السينمائية التي ينتمون اليها، لم يفت العديد من النجوم والنجمات من بين الذين فازوا او الذين لم يحالفهم الحظ، حيث راحو الواحد تلو الآخر يعبرون عن امتنانهم للطابع العالمي الذي تجلي في ليلة الاوسكار التاسعة والسبعين. هيلين ميرين صاحبة جائزة افضل ممثلة قالت ان جوائز الاوسكار تتحول تدريجيا الي طابع عالمي Global وهو أمر جد عظيم. المغنية ميليسا ايثريدج، الفائزة بجائزة افضل اغنية (I need to wake up) في فيلم حقيقة غير ملائمة (الذي انتجه آل غور، نائب الرئيس الامريكي السابق عن المخاطر التي تحيق بكوكبنا الارض وفاز بجائزة افضل فيلم وثائقي)، عبرت بدورها عن بهجتها لاكتساب الاوسكار طابعا عالميا طال انتظاره، لان السينما ينبغي ان تكون هكذا، تمثل العالم اجمع، وكم هو جميل انها تتمدد علي هذا النحو . اما المغنية والممثلة اللاتينية الاصل جنيفر لوبيز فقالت ان الاوسكار التاسعة والسبعين تبين ان هوليوود لم تعد مركز صناعة السينما بل صارت الصناعة عالمية تتغذي من روافد وثقافات عديدة حول العالم، وعبرت لوبيز عن فخرها بأن هناك ما لا يقل عن تسعة عشر اسما لاتينيا من بين قوائم المرشحين للاوسكار هذا العام. اما فورست ويتكر فعبر عن هذه الفكرة علي نحو بليغ في كلمته التي القاها عند تسلمه جائزة افضل ممثل حين قال ان ليلة الاوسكار هذه كرمت اناسا من حول العالم، واحتفت بحكايات تعكس تنوع الانسانية، وهذا هو ما نحتاجه الآن بالفعل، يجب ان ننتبه ونتفهم حقيقة انني اؤثر عليك وعليهم، وانك تؤثر علي وعليهم . بابل يختصر العالم ويبرز تناقضات الحالة الانسانيةومن بين الافلام التي عبرت عن هذا المفهوم العولمي لتلاقح الثقافات وتأثيراتها المتبادلة علي نحو غير مسبوق في اي عصر من عصور التاريخ بفعل قفزات التكنولوجيا التي حولت العالم الي قرية كونية بالفعل، كان فيلم بابل BABEL والذي نعتقد انه كان جديرا بأكثر من الجائزة اليتيمة التي فاز بها من بين عدة جوائز رشح لها (فاز الفليم بجائزة افضل موسيقي تصويرية اصلية من تأليف غوستاف سانتاولالا). الفيلم يجمع بين ممثلين من الولايات المتحدة والمكسيك والمغرب واليابان فضلا عن مخرجه المكسيكي اليخاندرو غونزاليس اناريتو، وتمتد احداثه عبر اربع قارات من خلال حبكة مشوقة يتابع الفيلم نسجها امامنا في بناء درامي ينمو علي نحو متواز عبر هذه المحاور المتباعدة في الزمان والمكان، لكنها مترابطة علي نحو خفي لا يتراءي لنا الا مع تطور الاحداث وما يحمله من مفاجآت، تبقي المشاهد مشدوها ومتحفزا حتي اللحظات الأخيرة. في قرية نائية في صحراء المغرب تنطلق سلسلة الاحداث التي تتداعي من بعضها البعض مع انطلاق رصاصة طائشة من بندقية يحملها صبي راعي غنم، اراد ان يثبت لاخيه الاكبر المدي الحقيقي للبندقية ويستعرض مهارته في التصويب فيوجه البندقية من قمة التل الذي اعتلوه علي حافلة في بطن الوادي تقل وفدا من السياح الامريكيين، فتصيب الرصاصة سوزان (كيت بلانشيت) قبل ثوان من استسلامها للنعاس بعد حديث مقتضب بينها وبين زوجها ريتشارد (براد بيت)، حول عثرات حياتهما الزوجية، التي تبدو هينة جدا حين يكتشف الزوج لهلعه انها تنزف بشدة دون ان تكون لديه اي فكرة كيف اصيبت؟ تنتاب الزوج هستيريا حقيقية ويهرع للصراخ في السائق ليوقف الحافلة ويتوجه الي اقرب مستشفي، وهو حلم يبدو مستحيلا دونه بضع ساعات طوال تفصلهما عنها، يمكن ان تكون فاصلة بين الحياة والموت. حين يكتشف بقية ركاب الحافلة من السياح ان الاصابة نتجت عن رصاصة طائشة تسيطر عليهم مخاوف الارهاب الذي لا بد وان يكون متربصا بهم في هذه المجاهل الصحراوية من بلد عربي لا يعرفون عنه سوي التصنيفات النمطية يمدهم بها الاعلام الامريكي و تقسم العالم الي اخيار واشرار. الزوج نفسه هو اول هؤلاء المتعصبين ضيقي الافق، الذي لا يجد سوي السائق المغربي الخلوق ليصب عليه جام غضبه. بعد انطلاق الرصاصة الطائشة، يعود بنا السيناريو قليلا للوراء ليروي لنا قصة البندقية وكيف وصلت للاخوين احمــــــد ويوسف، عن طريق والدهما المزارع العجـــوز الذي ابتاعها بدوره من صديق له نظير بضع مئات من الدراهم فسلمها للولدين لدرء خطر الذئاب الذي يترصد قطيع الاغنام الذي تتعايش الاسرة الفقيرة منه. وفي اول يوم لتسلمهما البندقية تقع الحادثة المحظورة. في غضون دقائق تتطاير الانباء عن اصابة سائحة امريكية في هجوم ارهابي في المغرب، فهكذا تناقلت وسائل الاعلام الامريكية الحادث، رغم احتجاجات السلطات المغربية ونفيها الشديد، في اصرارها علي حماية الموسم السياحي كي لا يتأثر من هكذا حادثة. وكما هو متوقع تجرد السلطات المغربية حملة عسكرية معتبرة لتعقب هؤلاء القتلة الذين خرقوا ناموس الامن والامان الذي يخيم علي المغرب. عودة الي محنة الزوجين اللذين يقودهما السائق المغربي الي قريته القريبة، الي كوخ لعجوز مغربية تتولي تطبيب سوزان بمعرفتها المتوارثة ابا عن جد، وتنجح بداية في وقف النزيف وتخفيف الام المصابة. حكاية الزوجين تأخذنا ايضا في اتجاه آخر نحو الوطن، في سانت دييغو بولاية كاليفورنيا، حيث يهاتف الاب طفليه ليطمئن عليهما، ويطلب من المربية المكسيكية ان تقضي الليل معهما لأن ظرفا اضطرهما لتأجيل عودتهما، وتوافق المربية عن طيب خاطر. في الوقت ذاته يكابد الزوج محنة انقاذ زوجته، وبعد جهد جهيد ينجح في الاتصال بالسفارة الامريكية التي تعد بالنجدة دون ان نراها تتحقق، اذ يطلب الزوج ارسال مروحية لنقل زوجته علي وجه السرعة لان حالتها خطرة، لكن السفارة تتلكأ، ذلك ان فرضية العمل الارهابي التي قفز اليها المسؤولون الامريكيون تحول دون ارسال مروحية طوارئ خشية ان يكون الارهابيون متربصين بها. وبين السلطات المغربية الرافضة لتجاوز رغبات واوامر الجانب الامريكي في التعامل مع الازمة، ورفضها فرضية الارهاب التي تصر عليها واشنطن، يكاد الزوج ان يجن، خاصة حين يصر بقية ركاب الحافلة علي ان يتركوه وحيدا في القرية النائية لينجوا بأنفسهم من خطر الارهاب المحدق بهم في هذه البلاد. وعودة الي اسرة راعي الغنم، التي تفاجأ بوصول تجريدة الامن في هجوم مفاجئ بحثا عن المجرمين الذين اصابوا السائحة، وترتعد فرائص الاب المسكين وهم يسائلونه عن ولديه اللذين يسارعان بالهرب لدي اكتشافهما الشرطة وبعد معركة غير متكافئة يسقط فيها الاخ الأكبر البريء الذي لم يطلق الرصاصة، فيسارع الاخ الاصغر لتسليم نفسه والبندقية علي امل ان ينقذ اخاه لكن بعد فوات الأوان. لا تتوقف التحقيقات عند هذا الحد، فلا بد للسلطات المغربية من معرفة مصدر البندقية، فلا احد في هذه النواحي مسموح له بحمل السلاح سوي الحكومة وجلاوزتها. بعد الترهيب والضرب يكشف الأب عن مصدر البندقية، ويؤتي بصديقه الذي ينال بدوره قسطه الوافر من الضرب، ليروي لهم حقيقة البندقية التي تلقاها هدية من سائح ياباني قدمها له عرفانا بخدمته له كمرافق منذ بضع سنوات. تتناقل الاجهزة هذه المعلومات عن طراز البندقية والرصاص المستخدم ومكان صنعها وبيعها وتاريخه، فتبدأ السلطات الامريكية بدورها تحقيقها حول العالم من واشنطن الي طوكيو. في العاصمة اليابانية نتابع الطرف القصي لقصة البندقية فلا يقودنا الفيلم مباشرة الي صاحبها ـ بل الي منزله حيث ابنته الوحيدة تشيكو (رينكو كوكوتشي) التي تعاني ازمة حادة بسبب انتحار والدتها حديثا ولا تزال تحاول ان تتصالح مع الحقيقة التي داهمتها، في الوقت الذي تفاقم مشاعر التمرد وليدة عنفوان سن المراهقة من معاناتها، وينعكس ذلك جزئيا علي مشاعرها تجاه والدها، وعلاوة علي كل هذا تبدو تشيكو حبيسة عجزها عن النطق، تكابد الاحساس بالعزلة وافتقادها الاهتمام من الجنس الآخر، وتلجأ الفتاة من شدة يأسها وتوقها الي الاهتمام والحب والحنان الي طرق غير مألوفة وفجة لاجتذاب اي شاب يعبر طريقها. من بين هؤلاء تبعث الصدفة لها بضابط المباحث الذي يطرق باب شقتها بحثا عن والدها ليسأله عن حكاية البندقية التي اهداها منذ سنوات لفلاح مغربي. حتي هذا الضابط يشيح وجهه عنها رأفة بها وادراكا لمحنتها فيربأ بنفسه عن ان ينصاع لاغوائها حين تخرج فجأة من غرفتها عارية امامه. هذه الفتاة الجميلة البكماء تشيكو هي بدورها تنويع علي تيمة عالم برج بابل المكتظ بأناس من مختلف الملل والنحل كلهم يتحدثون ولا احد ينصت للآخر. ان مجرد فقدانها النطق يجعلها كما مهملا لا تسترعي اهتمام اي من رفاقها الشبان في الجامعة الا للسخرية منها ورفاقها، فلا تجد وسيلة للفت انظارهم سوي الاغواء الفج (كأن تذهب الي الكافيتريا دون ان ترتدي ملابس تحتية فتكشف عن عمد عن عورتها). في هذه الاثناء يطير بنا الحدث الي الولايات المتحدة لنتابع الطرف القصي لحكاية الزوجين، فالمربية المكسيكية اميليا (ادريانا بارازا، رشحت لجائزة افضل ممثلة في دور مساعد عن دورها هذا) التي وعدت الزوجين بالبقاء مع طفليهما تريد في الوقت ذاته ان تحضر عرس ابنها فتنصاع لابن اخيها الشاب الخبير بدهاليز وأروقة المنطقة الحدودية بين المكسيك والولايات المتحدة، فتقرر ان ترافقه في سيارته عبر الحدود لحضور العرس، وتصطحب معها الطفلين في هذه المغامرة التي لا تخلو من مخاطر لانها لا تستطيع ان تتركهما وحدهما. تذهب المربية وقد وضعت كل ثقتها في ابن اخيها وبانه سيجنبها خطر انكشاف امرها، كمهاجرة غير شرعية تعيش في امريكا منذ اكثر من عشرين عاما وليس لديها اوراق ولا اقامة قانونية، مثلها في ذلك مثل اثني عشر مليون مهاجر غير شرعي (يتصارع الحزبان الديموقراطي والجمهوري بشأن افضل الطرق للتعامل معهم مع اقتراب أي موسم انتخابي كل عام). وقائع هذه المغامرة الحدودية تدور في نفس الوقت تقريبا الذي تتداعي فيه المغامرة الجارية علي بعد آلاف الاميال في القرية المغربية النائية، بالتوازي مع مغامرة مطاردة الشرطة المغربية للقتلة الصغار، ورجل المباحث الياباني الذي ما انفك في انتظار لقائه مع السائح الياباني صاحب البندقية. علي هذا النحو تطوف بنا الكاميرا عبر قارات اربع، من افراح المكسيك الي اتراح فقراء المغرب الذين هبط عليهم بطش السلطات من حيث لا يعلمون، الي ضوضاء طوكيو وايقاع حياتها اللاهث الذي لا يبالي بالمهمشين والذين يتساقطون علي قارعة الحداثة فتصم اذانها عن معاناتهم الصامتة. هذا التلاقح بين اجزاء الحبكة الكونية يستمر حتي النهاية. ففي اللحظة التي تبدأ فيها دراما صراع ما بين الحياة والموت الذي تخوضه الزوجه والي جوارها زوجها المحموم قلقا، مع وصول المروحية الامريكية ـ اخيرا ـ لتقلها، يكون طرف الحكاية المكسيكية آخذاً في التعقد في ذروة درامية جديدة، بعد ان بلغ ذروته الأولي المفعمة بأنوار ورقصات العرس المكسيكي. في طريق العودة يشاء سوء حظ السائق المكسيكي ان يستوقفه ضابط حدود امريكي مستفز بعض الشيء (كي لا نقول عنصرياً)، وبدوره يتبجح السائق في ردوده بفعل الخمر التي لعبت برأسه واطلقت مشاعره الدفينة نحو السيد الابيض خاصة في حضور قريبته التي طالما فاخر بألمعيته وخبرته في عبور الحدود امامها. يتفاقم الموقف سريعا وفي لحظة غضب مجنون يقرر السائق الفرار بالسيارة وسط صرخات الاطفال والمربية، ويأمر قريبته بمغادرة السيارة مع الطفلين حفاظا علي حياتهم، لتجد نفسها وسط مغامرة مهلكة اخري وسط العطش والجوع والتعب الذي استبد بثلاثتهم ويوشك ان يفتك بهم، ولا ينقذهم من الموت سوي عثور الشرطة عليهم اخيرا. وكما هو متوقع يكون مصير المربية القبض عليها ومحاكمتها بتهمة تعريض حياة الطفلين للخطر، ولا تجدي كل توسلاتها وحقيقة انها رعت الطفلين منذ مولدهما وحتي هذه اللحظة. وحين يخبر الزوجان الشرطة تنازلهما عن توجيه الاتهام لها، تتمسك السلطات الامريكية بحقها في ترحيل المربية لانها مهاجرة غير شرعية.انه حقا عالم مترابط، متشابك بأفعال افراده البسيطة ومصائرهم التي قد تبدو للوهلة الأولي منبتة الصلة ببعضها البعض. السائق المغربي الذي كان طوال الوقت موضع شك وغضب السائح الامريكي ومع ذلك تحمل كل بذاءاته وقاده الي قريته، والعجوز التي لولا خبرتها في الطبابة لما كتبت النجاة للزوجة المصابة، في الوقت الذي تقاعست فيه سفارة بلدها عن ارسال الاسعاف العاجل بذريعة مخاوف الارهاب. هذا السائق، رفض في ترفع واباء، وهو يودع الزوج قبل صعوده المروحية في اللحظة الأخيرة ان يقبل حزمة من الدولارات حاول ان يدسه في يده، وقد بدت علامات الدهشة علي الامريكي من هذا الاباء، ليثبت مرة اخري حمق التصنيفات النمطية ومجافاتها للحقيقة، بل وتعبيرها عن ميول عنصرية واحكام مسبقة وهي بدورها لا تنتج الا عن جهل وضيق أفق. المربية المكسيكية التي افنت عمرها في خدمة العائلة الامريكية دفعت ثمن حماقة لم ترتكبها وتهمة الصقت بها نتيجة ملابسات وسوء فهم تعس اوقعها سوء حظها فيها، وهي بريئة تماما منها. بابل ينفض امامنا كتعليق مفعم بالاسي علي الحالة الانسانية، مستلهما تيمته الرئيسية من اسطورة برج بابل التوراتية التي ورد ذكرها في سفر التكوين. الفيلم بهذا المعني يصور هذا التناقض الكامن في عالم البشرية المعاصر، فهم في اعتماد دائم علي بعضهم البعض، وافعال بعضهم في اقصي الارض لا بد وانها ستؤثر علي آخرين في طرفها القصي الآخر. ورغم ذلك فان البشر وعلي الرغم من التقدم الهائل الذي حققوه في وسائل الاتصال وتبادل المعلومات، لا يزالون يعانون آفات جمة من فقدان التواصل او نقصانه واحيانا كثيرة تعمد صم الآذان وتنويعاته من فقدان الاهتمام بمعاناة الآخرين، او تجاهلهم او الجهل بحقيقتهم وغيرها. وبين هذين الحدين تتكاثر مآسي البشرية وتتناسل معاناتهم ويعيدون انتاج ذات الاخطاء والخطايا. اسطورة برج بابل تذهب اسطورة بابل كما وردت في سفر التكوين الي ان البرج شيدته انسانية كانت متجانسة وموحدة تتحدث لغة واحدة ليكون بمثابة بوابة الي السماء (الكلمة بابليون مشتقة من بابيلو وتعني باللغـــة الاكادية بوابة الرب )، لكن الرب لم يعجبه هذا الصرح وقرر تدميره وخلــــــط وتبديد (الكلمة المستخدمة Confuse، وقد تطور استخدام كلمة بابل لاحقا فصارت تعني اضطراب Confusion )، تلك اللغة الموحدة التي تتحدثها البشرية، حتي يحول دون تشييد بناء كهذا مرة ثانية. المغزي الكامن في الحكاية يفترض انه يشير الي محدودية البشر وعدم اكتمالهم بذاتهم بالمقارنة مع الرب، وكيف ان الانسان مخلوق غير كامل بصميم طبيعته التي جبله الرب عليها، ومن ثم مقدر عليه ابدا الاعتماد في حياته علي الكامل الوحيد، اي الرب.قصة بابل ترد ايضا في القرآن ولكن منسوبة الي فرعون مصر الذي طلب من وزيره هامان ان يبني له برجا شاهقا من الطين حتي يعتليه الي السماء ليواجه رب النبي موسي. اما الطبري في مؤلفه تاريخ الانباء والملوك فيروي حكاية اقرب الي النسخة التوراتية فيقول ان الملك نمرود امر ببناء برج بابل، لكن الله دمره. ثم شوش لغة البشر الموحدة (وكانت السوريالية) واستولد منها 72 لغة. وفي لسان العرب يرد امام مدخل بابل : ان الانسانية اكتسحتها ريح عاتية والقت بها الي سهل فسيح صار اسمه بعد ذلك بابل ، وخصص الله لغة لكل قوم ثم قام ببعثرتهم في انحاء الارض من جديد.قصة حب من الضفة الغربية في نفس السياق العولمي الذي ميز حفل جوائز الاوسكار هذا العام، لم يكن مفاجئا ان يفوز فيلم بعنوان قصة من الضفة الغربية بجائزة افضل فيلم قصير. هذا الفيلم ايضا يجسد فكرة التلاقح الثقافي والتواصل بين مراكز صناعة السينما حول العالم، علي صعيد الانتاج والمضمون في الوقت ذاته. الفيلم من اخراج الامريكي آري ساندل، الذي ساهم ايضا في كتابة القصة والسيناريو مع كيم ري، ومن انتاج الفرنسي باسكال فاغليسي، اما التصوير فتم في ولاية كاليفورنيا، هذا علي الرغم من ان موضوعه من صميم الشرق الاوسط وصراعاته التاريخية المزمنة. اول ما يلفت النظر في الفيلم ليس في اختيار موضوعه غير الامريكي، بل في المعالجة التي اختارها المخرج/ المؤلف. فعلي الرغم من انه استوحي قصة فيلمه، وكما يوحي عنوانه، من قصة الحي الغربي فيلم هوليوود الشهير، وهو معالجة سينمائية لمأساة شكسبير الرومانسية الاشهر بين قصص الحب روميو وجولييت . وخلافا للفيلم والمسرحية اختار المخرج قالب الكوميديا الموسيقية وهو ما يمنح المعالجة بعدا انسانيا متميزا عما سبق من معالجات مثقلة بالارث السياسي للصراع. يروي لنا الفيلم قصة الحب التي تتبرعم بين دافيد (بن نيومارك)، الجندي الاسرائيلي، والفتاة الفلسطينية فاطمة (نورين دي وولف). خلافا للصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني وابعاده التاريخية والحاضرة التي تلقي بظلالها علي العلاقة في مهدها، وتجعلنا ندركها في سياق تيمة علاقات الحب المجهض او الحب المستحيل، اختار المخرج ان يمنح الصراع بعدا انسانيا اقل حدة من الصراع السياسي المحتد، فجعل عائلــتي الحبيبين تتنافسان في مجال آخر علي الصعيد الاجتماعي. فكل عائلة تمتلك مطعما للحمص والفلافل، في نفس المنطقة في الضفة الغربية، المطعم الذي يملكه اخو دافيد اسمه كوخ الحمص واخو فاطمة يمتلك ملك الحلال ، والمنافسة بينهما علي اشدها لاجتذاب الزبائن، اما الهدف الابعد لكل منهما فهو احتكار سوق الحمص والفلافل في الشرق الاوسط. (وهكذا فلا مفر من ان يأخذ الفيلم بعدا شرق أوسطيا). في كلمته التي القاها لدي تسلمه الجائزة اشاد المخرج بصناع الافلام القصيرة الذين يبذلون جهودا كبيرة من اجل لفت الانظار الي اعمالهم في غياب امكانيات الاستوديوهات الكبيرة، وغياب اسماء النجوم الكبار او حتي الممثلين المعروفين، بل انهم احيانا ما يعملون بدون ميزانية تذكر ويعتمدون علي تفاني المشاركين واخلاصهم للفكرة او للمشروع دون عائد مادي ينتظر. ورغم ذلك فقد تميز قصة من الحي الغربي بقيم انتاجية ملفتة للنظر من اختيار الممثلين لاستخدام موسيقي تصويرية بأوركسترا كامل، الي جانب اكتمال عناصر الانتاج الاخري من الديكورات جيدة التصميم والتنفيذ الي تصميم الملابس والازياء. اشار المخرج ايضا الي ان فوز فيلمه بالجائزة يعني ان الغالبية (في الاكاديمية الامريكية) تؤيد رسالته التي حملها الفيلم، وهو سعيه لابراز ما يجمع بين الفرقاء المتصارعين اكثر من تناول ما يفرق بينهم، وان هذا وحده كفيل بابقاء الامل حيا بامكانية حل الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، يوما ما. ناقد من مصر0