تذكرت كلمة برنارد شو الساخرة، وأنا أتابع الضجيج السنوي الذي تثيره جائزة نوبل للأدب: «يمكنني أن أسامح نوبل على اختراعه الديناميت، لكن فقط شيطانٌ في هيئة بشرية كان بإمكانه اختراع جائزة نوبل»، إذ ينشغل المهتمون بالأدب بالتكهنات والنبش عن التسريبات لمعرفة سعيد الحظ -لا سعيدتِه إجمالا- الذي سيتوج بأرفع جائزة أدبية في كرتنا الأرضية المشغولة بحروبها، والمنشغلة عن مآسيها.
وإذا كان العالم مهتما بمعرفة اسم الفائز، ففي عالمنا العربي همّان إضافيان: هل تتذكرنا نوبل بعد 37 سنة من الغياب؟ وهل سينالها المرشح الأبدي أدونيس؟ وللإنصاف كثير من الدول تتساءل مثلنا متى ستشرق شمس نوبل عليها، وهي تساؤلات مُحقّة مشروعة، مبنية على شواهد من تحيز الجائزة لم تصل درجة أن تفقدها مصداقيتها، فرغم ادعاء الجائزة العالميةَ، إلا أنها تبقى غربية المنشأ والمسار والمآل، ويكفي أن أُورد رقمين فقط لتظهر الصورة واضحة، فالدنمارك البلد ذو الستة ملايين نسمة حصل عليها 3 مرات مثلا، الصين والهند مجتمعتين وفيهما 3 مليارات نسمة، لم تحصل عليها الصين أول مرة إلا سنة 2000، أي بعد قرن من انطلاق الجائزة، أما الهند فمنذ أن حصل عليها طاغور سنة 1913 لم تنظر إليها نوبل مرة أخرى. فمن السذاجة أن نعتبر أن المعيار الجمالي هو العامل الحاسم في نيلها، ونغضّ النظر عن معايير التاريخ والجغرافيا والسياسة، وإلا كيف تُغمض جائزة نوبل عينيها عن أيقونات أدبية مثل تولستوي (وقد رشح لها 10 مرات) وبروست وبورخيس وهنري جيمس، وينالها تشرشل السياسي الذي لم يكتب سوى مذكراته، أو المغنى بوب ديلان، حتى تخوّف الروائي ماريو فارغاس يوسا من أن تمنح للاعب كرة قدم، بعد أن منحت لمغنٍّ، إضافة إلى فضائح مختلفة كأن يمنح بعضُ أعضاء لجنة التحكيم الجائزة لأنفسهم. فأوروبا ما زالت مركز العالم الأدبي مثلما صرّح سكرتير الجائزة يوما.
ولكن.. لماذا بقي نصيب نصف مليار عربي من الجائزة ضحلا، هل المشكلة تكمن في تحيز الجائزة ضدنا، على طريقة نظرية المؤامرة ذات التفسيرِ السهل لما لا يوافقنا؟ أم نعيب زماننا والعيب فينا؟ والجواب يكمن في الوقائع وحدها، فلم يترشح أديب عربي للجائزة إلا بعد نصف قرن من تأسيسها، وما طَرحُ اسم الشاعر أحمد شوقي سنة 1921 في الصحافة سوى أمنية غير مبنية على أساس فيومذاك لم يكن قد تُرجم من شعره شيء ذو بال، وطريق نوبل الأساسي الترجمة إلى اللغات الغربية (الإنكليزية والفرنسية والسويدية تحديدا)، أما طه حسين وقد ترشح لها 15 مرة بين 1949 حتى وفاته سنة 1973 فقد حالت دون فوزه عوامل ثلاثة: سياسي: فقد تزامن ترشيحه مع بداية الصراع العربي الإسرائيلي، ومنحُها له استعداء للطرف الآخر الممسك بمفاصل الإعلام، وأدبي: فغالب كتابات طه حسين نقدية لا إبداعية، والجائزة أميَل إلى تفضيل الرواية أولا والشعر ثانيا ونصيب عميد الأدب منهما فقير. وإجرائي: فترجمة كتابات طه حسين إلى اللغات الغربية قليلة ونصيبها من التوزيع أقل، لذلك كان تلقّي القارئ الغربي لها ضعيفا. أما ترشح غيره من العرب فهو بلغة النحويين «شاذ يحفظ ولا يقاس عليه»، حيث يخبرنا أرشيف الأكاديمية السويدية، التي تمنح جائزة نوبل أنه إلى سنة 1975 أي بعد ثلاثة أرباع القرن من تأسيسها لم يترشح لها سوى ستة عرب (لا تكشف الأكاديمية الترشيحات إلا بعد مرور نصف قرن) هم إضافة إلى طه حسين توفيق الحكيم وميخائيل نعيمة وسعيد عقل وأديبان لبنانيان غير مشهورين: يوسف درة حداد وجواد بولس، وكلهم ـ ما عدا طه حسين ـ ترشح مرة واحدة في بداية سبعينيات القرن الماضي. وبعض هذه الترشيحات عبثيّ ولولا أرشيف الأكاديمية لما سعنا عنها شيئا، وبانتظار السنوات المقبلة ليتكشف لنا المزيد عن الذين راودهم حلم نوبل من العرب.
أوّل وأهمّ ما ينبغي تصحيحه، أنه لا توجد حركة ترجمة حقيقية للأدب العربي إلى اللغات الأجنبية، فأغلب الترجمات هي إما بطلب من الأدباء أنفسهم ابتغاء دعوى العالمية، أو تنجزها مؤسسات أكاديمية لا غاية تجارية لها بأقلام مستشرقين وأكاديميين، وكثير من هذه الترجمات يخون روح النص الأصلي، خاصة في ترجمة الشعر، علما أن الطامح في نوبل هو من يذهب إليها لا هي من تأتي إليه، فخماسي الشيوخ السويديين الذين يحكّمون نوبل للأدب لا علاقة لهم بلغة العرب وآدابها، وما وصلهم أدب نجيب محفوظ إلا عن طريق الترجمة الإنكليزية المبكرة لرواياته، والتي أنجزها أدباء لا أساتذة ترجمة في الجامعات. وإذا أضيف إلى ضعف حركة ترجمة الأدب العربي، غيابٌ تام للمؤسسات الرسمية والخاصة في دعم الترشيح، حتى إذا كان هناك دعم مؤسساتي أتوقع أن ينسحب عليه الانقسام العربي ككل مشروع يستدعي موقفا عربيا موحدا، وحتى لا نلقي اللوم على تقصير العرب في حق أدبهم، نتذكر أن معايير نوبل الخفية نفسها تصعّب عملية الفوز، إذ إضافة إلى تحيّز جائزة نوبل للأدب الغربي والأوروبي تحديدا (16 أديبا فرنسيا و13 بريطانيا و9 ألمان و8 سويديين مثلا) – وهو ليس التحيز الوحيد فهناك التحيز الجندري أيضا – إضافة إلى هذا نجد التحيزَ في الموضوعات نفسها تماشيا مع الرؤية الغربية في قضايا المرأة والسياسة والصراعات، فتهمة معاداة السامية عامل أساسي في صرف الجائزة عن روائيين وشعراء عرب ملتزمين بقضاياهم، وفي محاباة أمثال الكاتب الإسرائيلي المجهول غربيا شموئيل عجنون المناصر للصهيونية، لذلك يصح في نوبل الوصف الذي يصح في كثير من الجوائز (مفصل على قياس الجائزة) فمسوغات الفوز بنوبل لم تكن في يوم فنية خالصة، بل تقرأ بعض الأعمال كوثائق سياسية، وما مثال صاحب «أرخبيل الغولاغ» عنا ببعيد.
ولا يحتج أحد بفوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل عام 1988 على موضوعية الجائزة، فعلاوة على القيمة الفنية لإبداع نجيب محفوظ، التي لا يشكك فيها أحد، تظافرت عوامل أخرى ذاتية وموضوعية صنعت تلك اللحظة/الاستثناء، أهمها الترجمة الإنكليزية الجيدة لروايات وقصص محفوظ التي بدأت بالظهور منذ سنة 1966 عن طريق مترجمين أكفاء مثل، تريفور لو جاسيك والمبدع دينيس جونسون ديفيز، التي عرف العالم الغربي من خلالها أدب القاهرة الشعبية، ومشروع نجيب محفوظ الروائي المجدِّد في سرده الواقعي والرمزي. كما لا يمكن إغفال اللحظة السياسية المواتية فقد تغيّرت صورة مصر في الإعلام الغربي بعد كامب ديفيد وتحولت من الأيديولوجية الناصرية إلى الانفتاح الساداتي، ما رفع الحرج عن الجائزة، وجعل من فوز نجيب محفوظ الاستثناء، الذي يؤكد القاعدة، فكأن هذا الفوز أراح الجائزة من ضغط العرب طويلا، أتمنى ألا يمتد أكثر من قرن كما حصل مع الأدب الهندي.
ورغم أن الآمال بعد نجيب محفوظ انعقدت على بعض الأسماء المكرسة مثل محمود درويش والروائيَّيْن الكاتبيْن باللغة الفرنسية المغربي الطاهر بن جلون والجزائرية آسيا جبار، إلا أن أدونيس يُتداول اسمه منذ أربعة عقود سنويا، فقد ورد في كتاب دينيس جونسون ديفيز «ذكريات في الترجمة» أن لجنة جائزة نوبل استشارته فيمن يستحقها من بين أربعة كتاب هم، يوسف إدريس والطيب صالح وأدونيس ومحفوظ. ومن يومها اقترن اسم أدونيس بنوبل، ولو جمعت المقالات التي كتبت حول الموضوع لشكّلت مجلدا ضخما، انقسم فيه الكتاب والصحافيون بين مؤيد للفوز مبالغ في تأييده، ومعترض وصل إلى حدود الوشاية كما ذكر ذلك المنصف الوهايبي في مقال له. وأرى كما يرى كثيرون أن حظوظ أدونيس في نيلها أصبحت مستحيلة، رغم استحقاقه المؤكد لها لأسباب كثيرة، أهمها أنه شخصية إشكالية جدلية سياسيا وأدبيا، وستفتح صندوق باندورا على اللجنة فموقفه من الثورة السورية، أو عملية ميونيخ (1972) يصعّب على محكمي نوبل بلعَها، وسيف معاداة السامية مصلت فوق رقبتها، وكذلك كثرة خصومه الذين ذهبوا إلى حد اتهامه بالانتحال والسرقة الأدبية، إضافة إلى أن أشعاره شديدة التجريد نخبوية، والشعر نفسه أقل حضورا في المشهد النوبلي من الرواية، فكيف إذا كان مستغلقا حتى على أبناء اللغة نفسها بإيغاله في التجريب والحداثة. كما أن حضوره الشعري بدأ يتضاءل بحكم السن الكبيرة وندرة ترجمات شعره في العقدين الأخيرين، ما باعد بينه وبين حلمٍ وجودي دأبَ على التنصل منه، وإن كان جديرا به.
وحتى نستفيق من أحلام اليقظة لن يسمع الشيوخ الخمسة القابعون تحت ثلوج إسكندنافيا إلا إذا خاطبناهم بالسويدية، أو على الأقل بالإنكليزية من خلال ترجمات أدبية ناجحة جماهيريا تصرخ في آذانهم: لماذا تركتم نجيب محفوظ وحيدا؟
بروين حبيب
شاعرة وإعلامية من البحرين