جابر بكر: “601 ــ المحاكمات الإلهية”

حجم الخط
0

تحمل رواية السوري جابر بكر التصدير التالي: “هذا النصّ نتاج عمل توثيقي استمر ثلاث سنوات، وهو ليس إلا يوماً واقعياً من حياة المعتقلين السوريين، بطله شابّ سوري عبر لأيام طويلة تلك الظلمة قبل أن يفرّ منها ويصل إلى أمستردام حيث يقيم ويعمل. قصة واقعية لسوريّ نجا من الموت عابراً الموت لأجل الحياة”.

الرواية توثيقية، إذن، والروائي معتقل سياسي سابق، ولكنّ النصّ لا يجافي السرد وبناء العمارة الروائية واقتراح الشخصيات وإحكام المخيّلة في ثنايا تجارب المارّين في الـ”601″، أو المستشفى العسكري في منطقة المزّة، في العاصمة السورية دمشق؛ خاصة ذلك الجناح الرهيب المكرّس للمعتقلين السياسيين الذين أصابتهم جولات التعذيب بعطب جسدي. وبين الملامح الفنية التي ينتهجها بكر، على سبيل تكريم الفنّ الروائي، أنه يقيم وقائع العمل على 24 ساعة، ويحشد سلسلة من العناصر المتواشجة ذات الصلة بالمكان والزمان، من أدوات التعذيب إلى استعادات الذاكرة؛ وكذلك يعتمد تجزئة الفصول إلى فقرات ومقاطع داخلية مصغرة، أقرب إلى الشذرات الكابوسية.

هنا فقرات من ختام الرواية:

أنا زيد، حمزة، أبو شادي، عمر، أبو فاضل، أبو حمّود، وصال، وسام، هيام، حكيم، جورج، أبو عبد الله، عزرائيل، شادي، أبو شاكوش، عابد، سوريا، لا تغيّر الأسماء شيئاً. لم تنلهم النار جميعهم ليلتها. لكنها أحرقت أرواحهم وإن كانوا قتلة، أيضاً.

أنا من يقول كل شيء بلسان الكل.

كانوا زنابقاً دفنها الثلج فاحترقت برداً. بنفسج أكلته نار أشعلها جلادان في تسعة معتقلين، وفي أنفسهم. أغرقوا التسعة بالنفط قبل أن يلقوا عليهم الشعلة. استعرت ألسنة اللهب في أجسادهم فباتوا يتقافزون من جدار إلى جدار يضربون رؤوسهم، يحاولون الانتحار. هاجموا قاتليهم من شدّة يأسهم. ردّوهم إلى ذاتهم.

تحترق الرموش والحواجب. يحترق شعر الرأس. تحترق أنفاسهم المتلاحقة. يصرخون، يتوسلون. لا تردّ السماء صدى. ينادون ولا مجيب. تتلاشى جغرافيا الوجوه. يذوب الجلد فيختلط الأنف بالفم، بالعين، بالوجنتين. يستسلم جسد مرهق لأزيز النار في خلاياه. ينتصر حسيس الحرائق في دمه وروحه وأعصابه المرتجفة. تخترق أصواتهم مسامات الجدران. تحفر عميقاً في السماء كما توغل في عمق الأرض”.

الأهلية، عمّان 2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية