جابر عصفور الهلباوي

حجم الخط
0

سعد القرش كنت الأسعد بتوزير جابر عصفور. عاشق الكراسي أصبح أكثر قوة، سيزيد عدد حرسه، لخوف.. أو جوع إلى الزهو بأي شيء. قلت إنه الآن مسنود وقوي لدرجة يحتمل معها أن أنشر رسالة نصر أبو زيد عنه، حذرني سعيد الكفراوي أن أنشر الرسالة عقب رحيل أبو زيد: ‘وحياتك يا سعد، جابر يروح فيها، الرجل صاحب عيا’. ولكنه خذلني كما خذل الشهداء واستقال. مساء جمعة الغضب، 28 يناير، سمعته ينتقد الحكومة، الحكومة لا النظام، الحكومة لا الرئيس. رئيس الحكومة رجل طيب قال حين فوجئ بالمنصب، قبل ست سنوات، إنه لا علاقة له بالسياسة، ويعلم عصفور أن السياسة في مصر كانت بأيدي مبارك وابنه وزوجته التي عمل معها في المجلس القومي للمرأة. رأي عصفور النار تشتعل في أجسادنا، واكتفى بإسدال ستار، وتجاهل الدخان. قال في التلفزيون إن أداء الحكومة هو الذي جعلنا نصل إلى ما وصلنا إليه. لم يؤيد الثوار، ولم يتحدث عن عدالة مطالبهم، لم ينتقد وحشية جهاز الشرطة، والخيانة المتمثلة في سحب عناصرها، وترك البلد للبلطجية. كان كلاما عاما، على رأي طه حسين ‘كلام كالكلام’، أقرب إلى البلطجة الناعمة. هنا أعيد ما كتبته في الفيسبوك، وهو موجود في صفحتي يوما بيوم: كتبت عقب حديثه للتلفزيون مباشرة: جابر عصفور يمتلك جرأة بأثر رجعي، ويتحدث في التلفزيون المصري بشجاعة إمساك العصا من المنتصف، بما يليق بخادم سيدتين.. جيهان السادات وسوزان مبارك. ويوم الأحد 30 يناير كتبت: للأصدقاء العرب والمصريين الذين لا يستطيعون التواصل مع ذويهم، لأن المتآمرين من بقايا النظام البائد قطعوا الاتصالات: المتطوعون أحبطوا مؤامرات الشرطة في زعزعة الأمن، ويتولون تأمين الشوارع والمنشآت. سرت فجر اليوم الأحد 13 كيلومترا على قدمي، من ميدان رمسيس، مرورا بميدان التحرير والدقي والجيزة وشارع فيصل، لم يقابلني بطلجي أو لص، كانت لجان التأمين تحرس الشارع. اطمئنوا.. النصر قادم. وحين فوجئت باختيار جابر يوم الاثنين 31 يناير، أعدت تذكير الأصدقاء بما كتبه عنه مساء الجمعة، وأضفت: ها هو يصبح وزيرا للإرشاد في حكومة الخراب مع غيره من المماليك. في اليوم نفسه كتبت أيضا: لأصدقائي خارج مصر: البلد بخير، اختفت الميليشيات التي أمرها وزير الداخلية بالتخريب المنظم، خلال الاثنتي عشرة ساعة التالية لنجاح الثورة في الاستيلاء على ميدان التحرير، قوات الشرطة سحبت وهذا خيانة للوطن، وسيأتي وقت الحساب. الآن ‘الشارع لنا’، والشبان يؤمنون الميادين والشوارع والمنشآت، وينظمون المرور، في ظل الغياب التام لأي شرطي في مصر. رجعت مصرنا تاني، في انتظاركم. يوم الأربعاء، مجزرة موقعة الجمل 2 فبراير، أيقنت أنني ميت، وفي اليوم التالي كتبت: حتى صباح الثلاثاء (1 فبراير) كنت أتمنى لمبارك خروجا كريما يليق بمحارب قديم. وبعد معارك أمس الأربعاء واليوم الخميس لا أقل من محاكمته كمجرم وخائن للشعب. لا تقل جريمته عن جريمة حبيب العادلي حين سحب الشرطة وأشاع الفوضى. البلطجية بعد فشلهم في اقتحام ميدان التحرير سيتوجهون للمولات والمحال. حريق القاهرة الثاني ودماء الشهداء في رقبة مبارك: لا تصالح. يوم الأحد 6 فبراير كتبت: لا أذهب للعمل ولا أقرأ الصحف، والآن فقط قرأت مصادفة ما كتبه اللي اسمه أنيس منصور مضحك السادات عن خيانة، ولا يجرؤ على التصريح باسم الخائن. قلها يا شيخ وأنت في السادسة والثمانين. ثم يدعي أن من في الميدان ‘رأوا اليورو لأول مرة.. ويأتيهم الطعام ساخنا تحت الخيام’. ملعون أبو النفاق. وفي اليوم التالي (الاثنين 7 فبراير) كتبت: البتاع اللي اسمه أنيس منصور كتب النهار ده متسائلا: ‘من الذي أراد أن يضع نقطة سوداء على الثوب الأبيض لحسني مبارك؟ من الذي أراد أن تكون النقطة في حجم ميدان التحرير؟ من الذي جعل ميدان التحرير ميدان حرب؟ حرب ضد من؟ ضد مصر؟’ انتهى كلامه إخص. يوم الأحد 6 فبراير كتبت أيضا: للجميع في التحرير أو أي مدينة مصرية: قبل أن تتسرب الثورة من الذاكرة، نظرا لكثرة التفاصيل الإنسانية، وتلاحق الأحداث، أرجوكم سجلوا يومياتكم ومشاهداتكم منذ مغادرة باب المنزل، وكيفية الوصول والعودة، منذ اليوم الأول، سجلوا الآن ولو سطورا، ثم تأتي الكتابة لاحقا، واجمعوا ما تستطيعون من صور ولافتات، وسوف أتلقاها منكم لتصدر في كتاب أو أكثر من مجلد، توثيقا لحدث غير مسبوق، سيكون ملهما لأجيال لم تولد بعد. سأنتظر المواد بعد النصر. وبعد نجاح الثورة، كتبت يوم 13 فبراير هذا الإيضاح: هذه الدعوة موجهة للنبلاء فقط، لا مكان لمن يمسكون العصا من المنتصف، انتظارا لرؤية السفينة الغارقة، لينضموا لصفوف الشرفاء. لا مكان لمن عمل مستشارا أو تربح من وزارات: البترول أو الزراعة أو الإنتاج الحربي أو الإعلام أو الثقافة أو غيرها، أو استفاد من سفريات زاهي حواس أو فاروق حسني أو جابر عصفور، أو عمل براتب لدى جابر عصفور مقابل نقل أخبار المثقفين. لا مكان لشهود الزور: فوزي فهمي وصلاح عيسى ويوسف القعيد ومحمد سلماوي وعائشة أبو النور والسيد يسين وأنيس منصور وخيري شلبي وسامية الساعاتي وأحمد عبد المعطي حجازي وجابر عصفور (ترتيب الأسماء وفقا لصورتهم بعد مقابلة مبارك يوم 30 سبتمبر) ثم كتبوا في الأهرام مقالات يتغنون فيها بصحة الزعيم وشبابه الدائم. لا نقبل توبة التائبين. والآن يحاول عصفور أن يتوب، إنها التوبة بعد الموت. استمتع بموتك يا شيخ، وأرحنا من كلامك الشجاع عن فساد الحزب الوطني والرئيس وزوجته وابنه، لا يليق بأحد أن يتوب عصر يوم القيامة. من الشجاعة أن تصمت. في مقاله في الحياة (2 مارس)، يقول إنه فوجئ بأن الحكومة التي استخدمته استوزارا هي حكومة الحزب الوطني، فهل كان يظنها حكومة حزب العمال البريطاني مثلا؟ ثم ينتقد عصفور الهلباوي ‘الدولة البوليسية’ و’قمع المتظاهرين بوحشية’، ويدعي أنه كان مع ثورة الشباب. كنا نقبل منه هذا الهراء، لو أنه قدم استقالته، وطلب السماح، وتعاطى حبوب الشجاعة، وأعلن في إذاعة ميدان التحرير أنه خدع، وانضم للثوار، كما فعل عبد الفتاح يونس وزير الداخلية الليبي حين انضم لأحرار ليبيا. يا جابر، أنت اختيارك، وشاء تاريخك أن تنتهي نهاية تليق بك. وانتظر رسالة أبو زيد الذي شاركت في قتله، وليس هناك قتل أقسى من المشاركة في إبعاد نصر عن مصر.

روائي مصري[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية