جاذبية الصياغة الواقعية المعاصرة في أعمال القطري يوسف الساده

يقدم الفنان التشكيلي القطري يوسف الساده البعد الجمالي في صيغ واقعية متعددة الرؤى والمضامين، إذ يتفاعل مع المعطيات التشكيلية المعاصرة برصيد معرفي وثقافي ينبثق جله من مجاله الواقعي على نحو من الإبداع المعاصر، ومن الرؤى الفكرية التي تمتح مقوماتها من النسيج الثقافي القطري. فللواقع بعد حقيقي في تراسيمه التشكيلية، وهو يوظف تجربته في الفن الواقعي وفن البورتريه بتحويل أبجدية الشخوصات بحسية وأسلوب تعبيري متنوع المضامين، إلى معنى فني وجمالي، فيتخذ من مختلف الأشكال، ومن مضامين الواقع مكونات يتحكم بها في الفضاء، عبر مجال لوني دقيق، وعبر تمثلات أيقونية للتعبير عن مواد الطبيعة بإلهام ورؤى جمالية، وبسحر فني عميق الدلالات، ويُسخّر لذلك رصيدا من الأشكال والألوان المعاصرة، والتقنيات العالية، باعتبارها أدوات للتعبير وفق صور فنية معاصرة، تؤهل المبدع إلى صياغة الاتجاه الواقعي في التشكيل عبر عالم فني متطور، يتميز بالمقومات الجمالية المتنوعة، خصوصا على مستوى الاستعمالات الشكلية بمختلف مفرداتها الفنية، وعلى مستوى الجهاز المفاهيمي بكل عناصره. كما أن المادة التشكيلية في سياقها الفني تتسم بقوة العلاقات التحاورية، وبسط واقع تعبيري متجاوز للجاهز، يتم توظيفه وفق أبعاد جمالية وقيم فنية، بأسلوب واقعي وبُعد فني عميق الدلالات، يتقصد به الرؤية البصرية لما تكتسيه في النقد الفني المعاصر من أهمية، ولذلك؛ فواقعية أعماله التشكيلية تتسم بنوع من الجمال التعبيري الذي يضمر أبعادا فلسفية وقيمية، تتجانس مع مقومات المادة الفنية، ومع ما أنتجته خبرته العالمة من تطور بائن.

وتشكل الشخوصات، ومواد الطبيعة من رمال وسماء وصقور وخيل.. أحد أهم الأساليب التشكيلية الواقعية التي تفصح في عمقها الفني والدلالي عن السحر التشكيلي المتعدد المعاني، حيث إن العلامات اللونية، والأشكال التعبيرية الفصيحة تتوقف على مناحي تراثية وحضارية وجمالية وفنية، فالطبيعة الساحرة التي تتخذ من حركة الصقور والخيل ومختلف الشخوصات مادة تحمل الواقع بتعبيرات حتمية ينسجها إلهامه واجتهاداته وفق مسالك تعبيرية رائقة تستهدف الصياغة الجمالية للواقع. وبذلك فإن الأعمال الإبداعية للفنان يوسف الساده تتبدى فيها الواقعية بكل جُزَيْئاتها، وبكل تفاصيلها الدقيقة؛ وفي الوقت نفسه يقارب ماهية المادة البصرية التي تشكلها عين القارئ بالمادة التشكيلية المعاصرة التي تنقل ذاك الواقع بطرائق فنية ليصنع مساحة إبداعية مثقلة بالإيحاءات والإشارات التي توصل إلى المعنى. إن هذا التوافر يجعل من لوحاته سياقا مختلفا، لا يصب في تشخيص صور الواقع فحسب، وإنما يُحرك معالم الواقعية المعاصرة بحس فني بديع، من خلال مجموعة من التحولات المرتبطة بالظواهر الواقعية، وهو أمر ينتهي إلى إدراك الحقيقة المعرفية التي يتوخاها من خلال الخطاب الفني المباشر الذي يحتوي خزانا من المعاني، يجعل القارئ والناقد المتخصص يتفاعل معه بجدية وصرامة. وإن لجوء المبدع إلى هذا الأسلوب الثري؛ يحيل على فلسفته الفنية والجمالية وعلى ثقافته وما يكتنزه من معرفة علمية حصيفة، وما يتوفر عليه من مؤهلات كبيرة وقدرات فائقة، خاصة أن منجزاته التشكيلية تعتمد التقنيات المعاصرة، سواء على مستوى الخامات المستعملة، أو ما يتعلق بصناعة الضوء، وتوظيف الألوان، واختزال المساحة، والاعتناء بقيم السطح، ونعومة الملمس، وتوالي الحركة بسمفونياتها؛ وغير ذلك من العناصر التي تُفضي إلى تأليف عوالم تشكيلية للواقعية المعاصرة. فأعماله تجيب عن كل التساؤلات الغامضة في الفن الواقعي بشكل مباشر، ما حملته تجربته الرائدة. إن تفاعله الصريح في المنظومة التشكيلية العالمية مع مختلف المواد الواقعية يمنح أعماله وهجا فنيا وتعبيرا معاصرا مُبهجا ومغايرا للمألوف، ولونا تشكيليا ينبني على قاعدة فنية عربية أصيلة، مليئة بالاختيارات والتوجهات المعرفية الصريحة؛ ينجزها بأسلوب واقعي قوي.إن أعمال الفنان يوسف الساده تحمل خصائص تشكيلية متفردة جديرة بالفحص والمتابعة النقدية والدراسات الجادة، لأنه يستلهم من الفن التشكيلي المعاصر مختلف عناصره الفنية ومراميه الإبداعية المتطورة، بلمسات فنية تفاعلية حمالة لأوجه من الحقائق الملموسة من الواقع. فعملية بناء الفضاء على أسّ واقعي مقرون بالتصور؛ يجعل المبدع يبرز المادة التشكيلية في نطاق شكلي ووجودي، يتقصد من خلاله إشراك الحس الشعوري بمعية العنصر البصري للقارئ، ما يُثبت الكثير من الدقة والمهارة والتوظيف التقني البديع. ولعل مهاراته الكبيرة وتقنياته العالية تساعدانه في معالجة مختلف المواضيع الواقعية على نحو من الجدة والإتقان والحسابات الفنية الدقيقة، لإبراز العمل التشكيلي في رونق وبداعة، مقتنصا مختلف الإشكاليات الفلسفية التي تصب في القيم الفنية والجمالية وقيم الحياة والطبيعة والتراث والثقافة، فهو يتجه فنيا وجماليا إلى تعميق حقيقة الصور الواقعية بحيادية فنية ومنطق تشكيلي، ينم عن أفكاره المتجددة، وخياله المنفتح على عوالم تقنية جديدة، وهو ما يضع القارئ أمام أعمال تنطق بمعاني ودلالات متعددة، غنية بالإشارات في سياق وشائج قائمة بين ما تحمله المضامين والمادة الجمالية في علاقة فنية ترسخ جانبا من التداخل بين العناصر التشكيلية كافة بكل ما تحمله الإشارات من تشعبات دلالية وتأويلات تميز في عمقها الخطاب الواقعي، وما تكتسيه أعماله من وظائف بنائية ودلالية تحيل على مجال فني جديد لوضع تمظهرات فنون الواقع والتراث والطبيعة، والمواد كافة بعمق وفرادة في تصورات الفنان يوسف الساده، التي تكتنز القيم المتنوعة للتعبير عن العالم البديل. وهذا يُبين حتما الاتجاه الجاذب في هذا المنجز القطري الذي يحتوي فلسفات أخرى جديدة.

إنه دور فني فعال، يروم التعبير الصادق بأشكال واقعية وشخوصية متنوعة، تجعل تشكيلاته الفنية وأسلوبه المعاصرة في قمة الفن التشكيلي العالمي؛ وكذلك لأن أعماله تتسم بجماليات فنية غير محدودة وبشمولية هادفة، وتنطق بلغة شكلية مائزة؛ تتعدد فيها التتابعات اللونية والصيغ الشكلية بتعدد عناصرها الجمالية وتنوع مفرداتها الفنية، وهي توحي بالعديد من المعاني والدلالات في سياق واقعي إبداعي.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية