يعد الفيلسوف الفرنسي جاك رونسيير (1940) من الوجوه الفلسفية الفرنسية والعالمية البارزة، سواء من خلال كتاباته الفلسفية الكثيرة، أو مواقفه السياسية التي ميزت مسيرته الفكرية الغنية بأعمال فلسفية، أسهمت بوجه خاص في مجال الفلسفة السياسية والجمالية، ومنها: «على ضفاف السياسة، المعلم الجاهل، زمن المشهد: العودة إلى بدايات الثورة الجمالية، سياسة الأدب، كراهية الديمقراطية». وفي هذه المقالة التي يناقش فيها مسألة حرية التعبير في فرنسا، يقدم تحليلا نقديا كاشفا لهذه القيمة وللقيمة الملازمة لها، ألا وهي العلمانية، وللتحولات التي عرفتها في الخطاب الجمهوري الفرنسي الجديد، وآثارها المدمرة على النسيج الاجتماعي للمجتمع الفرنسي وعلى غيره من المجتمعات العالمية، وبخاصة المجتمعات المسلمة.
حادث الاغتيال الفظيع الذي اقترفه مجرم متعصب ضد صماويل باتي(Samuel Paty) أثار موجة استنكار مساوية لمستوى رعبه. وأفرز جُملة من التعليقات والاقــــتراحات التي تدل على لبــــس مريع، خاصة في ما يتعلق بمفهومي: العلمانية وحرية الرأي وتجلياتهما.
حدَث هذا، لأنه منذ سنوات خلت، تطور خطاب يُقال عنه إنه خطاب جمهوري، حوّل بشكل قطعي مفاهيم قانونية تحدد العلاقات بين الدولة والمواطنين إلى فضائل أخلاقية يتوجب على هؤلاء المواطنين أن يتسموا بها، وبالتالي تحولت إلى معايير تسمح بوسم كل من لا يتصف بها. بدأت هذه العملية مع مفهوم العلمانية. إن العلمانية المدونة في مبادئ دستورنا، تعني أن الدولة لا تعلم أي دين، ولا تسمح لأي دين بالتدخل في تنظيم التعليم العام. لم يدون هذا المفهوم في جوهر جمهورية لا نعرفها. لقد فرضت الجمهورية الثالثة العلمانية بغرض وضع حد لرقابة التعليم العام الذي كان يُمارس من قبل الكنيسة الكاثوليكية والذي أسسه قانون الجمهورية الثانية. لقد فرضت الجمهورية الثالثة العلمانية وطالبت المعلمين أيضا أن لا يقوموا بأي فعل يتسبب في إيذاء معتقدات تلامذتهم.
ومن البين أن العلمانية التي تحدد حيادية الدولة في موضوع الدين، لا تكفي لحل العلاقات بين المؤمنين وغير المؤمنين، وكذلك بين أعضاء الديانات المختلفة. وأن كل ما قدم هو فضيلة خاصة ألا وهي التسامح من أجل سلوك الأفراد، التي لا يمكن أن يكون لها معنى ما لم تكن متبادلة.
لقد أفسد الأيديولوجيون الجُدد مفهوم العلمانية كلية. لقد جعلوه قاعدة للتصرف والسلوك يجب على الدولة أن تفرضه على التلاميذ، وعلى أمهاتهم، وأخيرا على النساء في المجتمع كله. وهكذا فقد تماهى الإلزام العلماني مع منع طريقة معينة في اللباس، ومن ثمة تحول إلى منع تمييزي، بما أنه لا يتعلق إلا بنساء وبنات جماعة معينة من المؤمنين، وبذلك أقام تقابلا حادا بين فضيلة العلمانية، التي أقرها القانون الجمهوري، وأسلوب ونمط حياة معينة.
وهكذا، فإن التعبير الأعلى لحرية التعبير قد أصبح أخيرا يتماثل مع حق التعبير في الاحتقار تجاه ديانة وجماعة من المؤمنين، الذين اعتبروا أجانب بالنسبة لهذه الفضيلة الفرنسية. وهكذا أصبح تمجيد الرسومات الكاريكاتيرية واجبا وطنيا.
ويحدث اليوم الشيء نفسه لمفهوم حرية التعبير. لقد حدد هذه الحرية قانون 29 تموز/يوليو1881 الذي أقر حرية الصحافيين بالنسبة لسُلطة الدولة، هذه السلطة التي تعبر عن نفسها بالرقابة أو الإلزام بالموافقة المسبقة. ويكشف القانون أن الصحافيين والفاعلين الآخرين في الرأي العام، يمكنهم أن ينشروا كتاباتهم من دون رقابة من قبل سُلطة عليا، وأن عليهم أن يمتثلوا أمام العدالة في حالة الجرائم، أو التجاوزات التي من الممكن أن يقترفوها باستعمالهم لهذه الحرية، خاصة تلك المتعلقة بالقذف والتشهير. وتقر هذه الحرية أن الكتابات يمكن أن توزع من غير إذن مسبق من قبل الدولة، وأن الدولة لا تعطي لأي كتابة من هذه الكتابات فضيلة تمثيل أو تجسيد حرية التعبير، ولا تجعل أيضا من هذه الحرية مبدأ يسمح بتحكيمها. ولهذا فإن الكتابات ومن ضمنها بالطبع الرسومات، التي تنتشر بحرية، لا تكشف عن حرية التعبير. وإنما تكشف عن أفكار وأمزجة مؤلفيها، وهذه هي التي يتم الحكم عليها من قبل قرائها، حسب أفكارهم وأمزجتهم أيضا. وإذا نظرنا إلى مثال الرسومات الكاريكاتيرية المتعلقة بالنبي محمد، فإنه إذا ما تركنا جانبا طابعها التشهيري التي رآها البعض فيها، فإنها لا تعبر عن أي فضيلة ملازمة للحرية. إنها رسومات ليست موجهة لإثارة حب هذه الحرية نفسها. إنها تعبر، من بين ما تعبر عنه، عن الاحتقار الذي تُكنه نخبة (مستنيرة) تريد أن تتقاسمها مع ديانة جماعة تعتبرها متخلفة.
وقد قام مجرمون متعصبون يزعمون الانتقام من هذا الاحتقار بفعل شنيع، تمثل في قتل صحافيي «شارلي إيبدو»(Charlie-Hebdo) لكن انطلاقا من هذه الحادثة، تأسست آلية أيديولوجية منحرفة. ولأن الرعب الذي لحق بهؤلاء الصحافيين، حولهم إلى شهداء حرية التعبير، فإن الرسومات الكاريكاتيرية نفسها، أصبحت تمثل تجسيدا لهذه الحرية.
إن الرسومات الكاريكاتيرية عموما، التي خدمت تاريخيا قضايا مختلفة، بما فيها تلك القضايا الأكثر سفالة ونذالة، قد أصبحت التعبير الأمثل لهذه الحرية التي هي نفسها أصبحت تتماثل مع فضيلة حرية الكلمة والسخرية والهزء المسند والممنوح باسم حق الولادة(droit de naissance) للشعب الفرنسي.
وهكذا، فإن التعبير الأعلى لحرية التعبير قد أصبح أخيرا يتماثل مع حق التعبير في الاحتقار تجاه ديانة وجماعة من المؤمنين، الذين اعتبروا أجانب بالنسبة لهذه الفضيلة الفرنسية. وهكذا أصبح تمجيد الرسومات الكاريكاتيرية واجبا وطنيا.
إن سياسيين غير واعيين أو محرضين واستفزازيين عن قصد وتصميم، لم يترددوا في المطالبة بضرورة استظهار هذه الرسومات في كل المدارس. وهذا يعني أن نقوم بتوسيع الهوة التي تفصل بين الجماعات، وأن نساعد في نشر اللاتسامح والتعصب، ونقدم بذلك فرصا للقتلة، بأن نضمن لهم مساندة كبيرة لجرائمهم داخل جماعة أصبحت حساسة جدا تجاه كل ما هومسيء ومهين.
ولعله آن الأوان لنقول، إن رسما كاريكاتيريا ما هو إلا رسم كاريكاتيري، وأن هذه الرسومات الكاريكاتيرية المعنية رسومات منحطة ورديئة، وتعبر عن أحاسيس دنيئة، وأن لا واحدة من تلك الرسومات تستحق حياة الصحافيين والمعلمين وكل أولئك الذين يستعملون الكلمة في المجال العام، لأن يكونوا عرضة لجنون القتلة. لقد حان الوقت أن نعيد للحرية التي ضحى، ولا يزال يضحي من أجلها كثير من الرجال والنساء في كل أنحاء العالم، رموزها التي تستحقها أكثر.
٭ نُشر جاك رانسيير هذا المقال
في موقعي Médiapart وContretemps يوم 21/11/20020.
ووافق المؤلف على ترجمته ونشره
٭ كاتب جزائري