لا تستقيم الكتابة عن الراستفاريا، إن لم نُعرج على بلد المنشأ لهذه الظاهرة -جامايكا- ولمزيد من التوضيح لا بُدَّ من إلقاء الضوء على بوب مارلي، صاحب الفضل الأول والرئيسي لانتشار هذه الظاهرة في أوساط الشباب في العقد السادس والسابع من القرن العشرين.
جامايكا: بلغتها القديمة، أرض الينابيع، تضاريسها جبلية، تحتل مكاناً مميزاً في بحر الكاريبي، مساحتها 10991كم2، عدد سكانها حسب إحصاء عام 2022 (2.850.000 ) نسمة. يشكل ذوو البشرة السوداء 92% من مجموع السكان. جامايكا مهد موسيقى الريغا. اللغة الرسمية في البلاد: اللغة الإنكليزية إلى جانب لغة محلية محدودة الانتشار. يعود الفضل لعالمية اللغة الإنكليزية لرواج وتبوء موسيقى الريغا مكانة عالية في تلك الحقبة في دول أمريكا الشمالية وسائر المعمورة.
يعتمد اقتصاد جامايكا على تصدير السكر والكاكاو، ويُعتبر قطاع السياحة فرعاً مهماً في نشاط البلاد الساعية نحو النمو والازدهار. تناوبَ على حكمها الاستعمار الإسباني أولاً، ثُمَّ الإنكليزي، استمر احتلال جامايكا ثلاثة قرون ونالت استقلالها عام 1962. وهي عضو في دول الكومنولث، نظام الحكم فيها: ديمقراطي برلماني، يتناوب على الحكم حزبان رئيسيان ، الحزب القومي الشعبي الديمقراطي وحزب العمل الجامايكي.
التعريف بجامايكا يفتح شهيتنا للحديث عن أشهر مُغن ومؤلف موسيقي وعازف غيتار ويعود الفضل لبوب مارلي باكتشاف موسيقى الريغا في العقد السادس من القرن المنصرم.
بوب مارلي: اسمه الحقيقي، روبرت نيستا مارلي من مواليد 1945 توفي في الواحدة والأربعين من عمره بمرض السرطان، وأثارت وفاته في ذروة عطائه الفني شكوكاً عن تصفية سياسية بتدبير من الدولة العميقة في واشنطن، هذا الاغتيال يذكرنا باغتيال داعية الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ (1929-1968)، وكذلك يذكرنا باغتيال مالكولم إكس المثقف والمجتهد الراديكالي (1925- 1968) الذي ناضل من أجل ترسيخ مبادئ المساواة الدينية بين الأعراق والأقليات المختلفة في أمريكا. وفق هوفر زعيم الاستخبارات المركزية، خشيت الحكومة المركزية أن يتحول مالكولم إكس إلى مُخلص للمهمشين والسود. أُثيرت شكوك حول اغتيال مارلي كونه كان ذا فكر تحرري يدعو للحد من تسلط ذوي البشرة البيضاء، ولاحترام الأقليات والعمل على نبذ العنف، كانت مبادئ هؤلاء الثلاثة وثقافتهم (مالكولم ولوثر ومارلي) تشكل منعطفاً غير مرحب به في ثقافة السلطة المركزية في أمريكا آنذاك.
تمتاز مسيرة بوب مارلي الفنية بالدعوة للحرية والمساواة والسلام والتآخي بين الشعوب والطبقات، وهي ذات مبادئ الراستفاريا، لذا لاقت انتشاراً في أوساط الشباب البيض، كما لدى ذوي البشرة السمراء، على حد سواء. كانت شخصية بوب مارلي جذابة ومحببة من الجميع وذات كاريزما تتسم بالبراءة والكرم والتواضع. ينطبق قول مولانا جلال الدين الرومي على بوب مارلي «كنت فجاً فنضجتْ فاحترقتْ».
الراستفاريا: فلسفة وجودية تؤمن بوحدانية الله، مرجعها الرئيسي العهدين: القديم والجديد تتبنى النضال السلبي واللاعنف. في الوهلة الأولى تبدو للمُتتبع فرقة طائفية مميزة عن سائر الطوائف، لكن سرعان ما يكتشف الباحث تناقضات وتضارب الآراء والأفكار في ثنايا هذه الفلسفة. يُعتبر المفكر الجامايكي ماركوس جارفي مؤسس الحركة (تأثر جارفي بأفكار دوس محمد علي (1866- 1945)، مفكرا وناشطا سياسيا وصحافيا مصريا- سودانيا من أوائل الذين دعوا لوحدة افريقيا ونضالاتها ضد الاستعمار الغربي. اعتمد جارفي -حسب زعمه – على نبوءة دينية عام 1920، بأن افريقيا» سيُتوج عليها ملك من إثيوبيا ذلك اليوم، سيكون يوم الخلاص في متناول اليد». كما اعتبرت الحركة هيلاسيلاسي (1892- 1975) امبراطور إثيوبيا السابق» المسيح الثاني» المنتظر ولاقت الحركة انتشاراً واسعاً في أوساط المهمشين والعمال والفلاحين والمزارعين في عموم البلاد. في عام 1930 ولمصادفات القدر وكي تتحقق نبوءة جارفي، اعتلى هيلاسيلاسي سدة الحكم في أديس أبابا، وبذلك تحققت مقولة جارفي» لقد تحررت أرض الميعاد، لا للعبودية بعد اليوم». يمتاز أنصار الحركة بجدائلهم الطويلة ويتباهون بشعرهم الأسود المُجعد، على النقيض من الشعر الأملس والأشقر للشعوب الأوروبية.
تتلخص مبادئ الراستفاريا بجملة من المعتقدات مُثيرة للاهتمام والفضول بالنسبة لنا نحن شعوب الشرق وأصحاب الديانات التوحيدية:
1 ـ إثيوبيا هي الوطن الأم لشعب جامايكا، وهي أرض الخلاص والنعيم، بينما جامايكا هي أرض العبودية والشقاء.
2 ـ وألوان علم الراستفاريا هي ألوان علم إثيوبيا، الأحمر يرمز لدم الشهداء، الأصفر رمز الثروة والشمس، أما الأخضر فهو رمز الطبيعة، ويضيف أنصار الحركة اللون الأسود في وسط رايتهم كرمز للجذور والأرض.
3- الإنسان الأبيض أدنى مرتبة من نظيره ذي الأصول الافريقية.
4- هيلاسيلاسي يجسد الثالوث: الحق، العدالة والمحبة، ويعتقد أنصار الحركة بأنه ما زال حياً ويعيش في السماء. يُطلق أنصار الدالاي لاما (مواليد 1935، حائز جائزة نوبل للسلام) من سكان التيبت صفة القداسة على مُرشدهم، بل البعض من أنصار الدالاي لاما يُؤلهه، وهذا يتقاطع مع ظاهرة هيلاسيلاسي ومريديه.
4- تحريم أكل لحم الخنزير وتحريم احتساء الخمر.
كما أن الأكل المفضل لدى الحركة هي: الخضروات ولحم السمك، وتنصح الحركة أنصارَها بالإكثار من شرب العصائر.
من الغريب بأن الحركة تُجيز تعاطي الماريوانا كونها تساعد على التأمل وتحرر الفكر من قيود الجسد.
يؤمن أنصار الراستفاريا بأن هيلاسيلاسي من نسل الملك سُليمان وملكة سبأ. جدير بالذكر هُنا، بأن هيلاسيلاسي من نسل غارق في القِدم، حسب المؤرخين الإثيوبيين يعود للقرن الثاني عشر الميلادي. ليس للراستفاريا دور عبادة كبقية الطوائف والمذاهب الدينية. يلتقي أنصار الحركة في بيت من البيوت لقراءة فصل من العهدين القديم أو الجديد. لقد انحسرت الراستفاريا اليوم، وباتت تشكل 5% من تعداد السكان في جامايكا، مع الأخذ بعين الاعتبار بوجود أنصار للحركة في جنوب السودان وفي إثيوبيا بالطبع. ما زالت أغاني بوب مارلي محفوظة في قلوب الملايين من مُعجبيه وتصدح بها الحناجر ليلا نهار، لتذكرنا بمجد تليد انقضى لحركة الراستفاريا دون رجعة. من المستحسن قراءة بوب مارلي على ضوء الثقافة التي كانت سائدة في آسيا وافريقيا في الستينيات وعلى ضوء حركات التمرد التي سادت الأمريكتين.
كاتب سوري