جان ـ بيار بارنيس: ‘بورخيس أو الشيخ الفوضوي المسالم’

حجم الخط
0

ترجمة : الحسن علاجقام جان ـ بيار بارنيسJean- Pierre Bern’s بإنجاز الأعمال الكاملة للمعلم الأرجنتيني لصالح La Pl’iade، والتي ظهر الجزء الثاني والأخير منها هذا الشهر. يتذكر جان ـ بيار بارنيس هنا بورخيس معيدا قراءة عمله. حوار من إعداد جيراردو كورتانزي إن الصداقة التي ربطت جان ـ بيار بارنيس بخورخي لويس بورخيس (Jorge Luis Borges)، منذ سنة 1975، قادته إلى أن ينجز في سنة 1984 طبعة للأعمال الكاملة لهذا الأخير لصالح سلسلة الثريا. ظهر الجزء الأول لتلك الطبعة، مع النجاح المعروف، في أبريل 1993. ذلك المجلد ، الذي أنجز بمعية المؤلف، ووفقا لأمنياته، قد سبق الطبعة الإسبانية، مشكلا بذلك عملا مرجعيا. فقد عمل على ضم العديد من نصوص الشباب و توقف في سنة 1952، وهي سنة نشر( Otras Inquisiciones) . بعد ست سنوات، يظهر إذا الجزء الثاني و الأخير للأعمال الكاملة (1) لخورخي لويس بورخيس، الذي يبتدئ بـ (EL Hacedor) (1960) و ينتهي بذاكرة شكسبير، العمل الأخير للمعلم الأرجنتيني و الذي ظهر بعد وفاته. شأنه في ذلك شأن الجزء الأول، فقد تم إغناء هذا الجزء الثاني بالعديد من التوطئات، ملاحظات وقراءات والتي هي ثمرة عمل بحث متمهل، تدقيقي وصبور. فقد ضم جان ـ بيار بارنيس إلى النصوص الكبرى، و التي هي تقرير برودي، ذهب النمور، كتاب الرمل، إلخ.، تحت الإملاء الودي لبورخيس، خطابات، محاضرات، مقدمات متفرقة، كما [ضم كذلك] مراسلة مثيرة للعاطفة و الإهتمام ، و التي لم تقدم سوى رؤية جديدة تماما للعمل و الإنسان ؛ و الشيء ذاته [بالنسبة لألبوم (LAlbum) خورخي لويس بورخيس ، الذي تم اختيار أيقنته (iconographie) والتعليق عليها بواسطة جان بيار بارنيس ذاته. و بمناسبة الصدور المتزامن لذينك الكتابين، فقد قمنا بطرح أسئلة على الشارح المفتون. فقد كشف لنا هنا عن بعض أهداب الحجاب، رسم بورتريها (Portrait) مطابقا و مضحكا لكاتب غير معروف بشكل جيد، عاملا على تعديل الصورة المتجانسة و المختزلة التي تعطى بانتظام لعمل بورخيس. وأثناء صدور الجزء الأول للأعمال الكاملة ، جزم هكتور بيانشيوتي (Hector Biancioi) بأن جان بيار بارنيس شكل بالنسبة لبورخيس ما يشكل جيمس بوصويل (James Boswell) بالنسبة لسامويل جونسون (Samuel Jhonson) : فبدونه لم يكن بورخيس ليوجد أبدا في كليته. بورخيس نفسه لم يقل شيئا خر حينما أسر يوما لشارحه و صديقه : ‘جان بيار بارنيس أجبرك على ن تكون ذاكرة بورخيس…’ – جيرار دو كور تانزي (G’rard de Cartanze) : ما هي الظروف التي جمعتك بخورخي لويس بورخيس ؟- جان ـ بيار بارنيس : كنت قد وصلت إلى بوينس إيرس (Buenos Aires) كي أشغل فيها مهام المندوب الثقافي بسفارة فرنسا. وكان ذلك في سبتمبر 1975. لم أكن اعرف أن بورخيس فقد أمه في يوليو.وكان يبدو حزينا بشكل مخيف.استضافتني صديقة مشتركة في محل إقامتها بالمارتينيز (Martinez)، كي تحتفي فيها، ككل سنة، بعيد ميلاد أختها الصغرى. ذهب بورخيس إلى تلك السهرة الشعائرية بالتقليد، مثل الكثير من كتاب زمرته وأصدقائه في مجلة (Sur). انتهت السهرة بمواجهة بين الأختين اللتين قامتا بغناء تانغوات (Tangos) بطريقة حقيرة.أعدت بورخيس إلى منزله. قلما تكلمنا أثناء الطريق بالسيارة لكن، قبل النزول بقليل، قال لي : ‘ هل تتذكر هذه القافية الغريبة، ‘ حتى فاسكو’ ؟ اهتد إلى من يكون مؤلفها ثم عد لمقابلتي’. فقد كانت لملارميه (Mallarm’)، الشاعر الذي لم يكن يستسيغه إلا قليلا. بناء على ذلك كان ذلك اللقاء يتموقع تحت علامة الاحتفاء، الصداقة، التانغو والأدب. -عاشرته طويلا منذ ذلك الوقت…ـ منذ سنتين، تعشيت مع بورخيس، مرات عديدة أسبوعيا، في ضيافة بيوي كساريس (Bioy Casares) وسلفينا أوكامبو (Silvina Ocampo). كانت قائمة الطعام ذاتها لا تتغير ولكل مدعو مكانه المخصص على نحو شعائري. كان بيوي مديرا بظهره للمدفأة، و كان بورخيس على يمينه، سلفينا عن يساره و أنا أمامه. في غضون تلك العشاءات، الطريفة إلى حد أنها كانت لا تنتهي، كان من المستحيل أن يتحدث أربعة أشخاص في وقت واحد. لا يفقه بورخيس الكلام بأصوات متعددة، نحسن الحديث بشكل ثنائي. كنت جاره المباشر، و بما أنه قد يكون متعبا قليلا من الآخرين اللذين عاشرهما منذ أربعين سنة، غالبا ما كنا نتكلم جماعة. ثمة لعبة من اللعب كانت ترتكز في النطق بصوت خافت (Mezza Voce)، البيت الأول من القصيدة التي كان ينشدها قطاع الطرق الأربعة في وقت واحد، في شكل مسابقة يظفر بها من كان ينهي الأول. كانت حواراتنا تدور في النهاية حول الأدب، بل كذلك، في نفس الوقت،[ حول ] ثرثرات بخصوص التاريخ الأدبي وأبطاله. لم تتم الإشارة إلى الكتاب بأسمائهم الحقيقية أبدا. فقد كان الـ’بيروني خائب الظن ‘، الـ’ بعر القليل ‘، ‘ دافيد س ‘. كان لدي انطباع أنه قذف بي، بضربة عصا سحرية غير معروفة، عند كهول عزاب مرعبين و منحرفين. و كانوا يطلقون على فيكتوريا أو كامبو (Victoria Ocampo)، أخت سلفينا وأخت زوجة (La belle Sur) بيوي، ‘ الثالوث الجهنمي ‘ ! – هل تتذكر آخر لقاء لك ببورخيس ؟ ـ بدقة كبيرة جدا. لقد كان ذلك في 4 من شهر يونيو 1986، بجنيف. وكان بورخيس لا يزال موجودا في غرفة فندق لارباليت (LArbal’te). مات بعد ذلك بعشرة أيام. ففي 4 من يونيو ذاك، اشتغلنا بطريقة شاقة وكنا نحس بتعب كبير.أعدنا قراءة ترجمات أعماله. اختار بورخيس الترجمات التي اقترحها إبارا (Ibarra) وكايوا ( Caillois). أحيانا، كان يطلب مني إتمامها أو إعادة البعض الآخر بدون قيد أو شرط. جانس قراءته للملاحظات الشفوية التي كنت أدونها بغضب شديد في كتب الطبعات الأولى التي كانت توجد في حوزتي و التي كان ينتهي بإهدائها لي على الدوام. و لم يكن بحوزتي، ذلك اليوم، سوى قلم مداد أحمر : ‘ لا أهمية لذلك، قال لي، سيغدو توقيعا بالدم’. في نهاية ذلك النهار المتعب، فقد أعاد مجمل تاريخ الأدب الكوني، دارسا إياه من خلال القارة ثم من خلال البلد.آثر بالأفضلية ثلاثة مؤلفين، موضحا أسباب تصنيفه، مبرهنا أكثر الغياب بقدر الحضور. و بكل تواضع، فقد كان لدي انطباع المثول في يوم الحساب ! يوم حساب متسلط، و ضمن تهييج النهاية.بالنسبة لفرنسا، فقد وضع مونتانييه (Montaign) في المرتبة الأولى، ‘ كرمبا (caramba) ! لأجل فهمه للصداقة. ‘وفي المركز الثاني فرلين (Verlaine) ، ‘ لأجل الموسيقى ‘. أما فيما يخص الثالث، شارعا في التلهي و التظاهر بالخرف،وكان يبدو عليه التردد بين بوالو (Boilean)، ‘ الذي قدم مباشرة ملارميه (Mallarm’) ‘، و بول جان توليت (Paul Jean Toulet) الذي و ضعه في مستوى الكبار. من ذلك الوقت دخلنا في الالتباس، تلك اللعبة التي كان يتقنها على الدوام. – هل كانت تلك الرغبة في الغش طريقته في البحث عن الحقيقة ؟ ـ بدون أي شك. فكل سحر تلك العلاقة الخاصة يكمن في حاجته العجيبة والدائمة للعب. ثمة بشاشة كبيرة، كان بورخيس ينفجر ضاحكا، يقهقه، باحثا، بصفة دائمة، عن كلمات مناسبة.أوقف دورته حول عالم الآداب بجملة لم أفهم معناها على وجه السرعة : ‘ لقد انتهى، الآن نعم، لقد انتهى. ‘ لم أفهم كيف أنه كان يكرر جملة تم التلفظ بها أكثر من اثني عشر قرنا بواسطة بيد (B’de) الجليل إلى ناسخه، لما كان ينتهي بأن يملي عليه ترجمته باللغة السكسونية لانجيل يوحنا.فقد قام بورخيس برواية تلك الحادثة في (كتاب) دراسة في الآداب القروسطية الجرمانية، مرددا على مسامعي ما كان يقوله الراهب الشهير إلى ناسخه كلمة كلمة قبل الموت بالضبط، كان بورخيس يتأهب لموته الخاص. بعد فوات الأوان و حينما كنت أرمم جزءا جزءا الأعمال التي طلب مني أن أقرأها عليه طيلة تلك الأشهر الأخيرة، لاحظت أنها تروي كلها عن أدباء موتى. كان يرغب في أن أقرأ له الفصل الأخير لدون كيخوتيه، مضيفا : ‘ يتوجب علي أن أعيد كتابة هذا الفصل الأخير. ‘ ربما كان يظن حينئذ، ببعثه لدون كيخوتيه من جديد، أنه يمدد حياته الخاصة… جعلني أعيد قراءة أيام إمانويل كانط الأخيرة لدي كوينسي (De quincey) في ترجمة مارسيل شوب (Marcel Schwob). لدي اليوم اليقين أنه كان يتهيأ لموته في صيغة لمحاكاة الأموات الأدباء الذين سبقوه. زد على ذلك، فإن انشغاله الكبير باللحظة كان يمكن إيجازه في تلك الكلمات التي غالبا ما كان يرددها : ‘ لا أدري في أي لغة سأموت’. – نشرت في الوقت الراهن الجزء II من الأعمال الكاملة لبورخيس، و الحال أن تصور الـ’ الأعمال الكاملة ‘ ظهر في السابق في سنة 1954… – لن يكون هناك جزء ثالث و لو أن عبارة الأعمال الكاملة كانت تستوجب جزءا واحدا. أنجزت الأعمال الكاملة الأولى بواسطة بورخيس نفسه بهدف القضاء على كومات من النصوص حرقا وبالخصوص أعمال الشباب التي يرغب في التخلص منها، و كذلك العمل على نسيان بداياته. و في وقت لاحق نشر أنطولوجيا شخصية متبوعا بشكل سريع بكتاب أو انطولوجيا شخصية أخرى. كان يرغب حينئذ في أن يجمع ثانية ضمن مجموعة منسجمة ما يطمح إلى صونه. ففي سنة 1974 قرر أخيرا، نشر أعمال كاملة جديدة، في مجلد ضخم، لأنه يؤكد ذلك، ‘ فشل في ألا يكتب العمل الذي كان سيطابقه ‘، العمل الفذ. فهو لم يكتب دون كيخوتيه، لم يكتب الكوميديا الإلهية، بل كتبا تشكل عملا. فذلك الكتاب الضخم يعتبر حجة على كونه ألف كتابا. لن يكون له مستقبل، باسبانية، مثل طبعة 1974. أهداه إلى أمه، يمكنه أن يعرضه لها قائلا : ‘ تلك هي الحجة، هوذاك كتابي’. – ولابلياد، إذا ؟- لما اقترح عليه نشر أعماله الكاملة في هذه السلسلة، اندهش لأنه كان يعرف أنه سيعمل على تحديد، للمرة الأولى، ما كان يطمح إلى أن تتم صيانته كأعمال بورخيس الكاملة. فحتى الطبعة الإسبانية سيكون عليها انطلاق من تلك الطبعة الفرنسية. فلماذا الثريا ؟ فلأنها، قبل كل شيء، ستمنحه الفرصة، كما يقول، ‘ محاذاة مونتينييه ‘. ثم لأنه تم التعامل معه ضمن سياق الكتاب في مطابقة تامة مع رؤيته للأدب الكوني. فضمن تلك الأونطولوجيا النهائية تم نشر الأعمال التي عثر فيها على هويته، والتي تماهى معها، والتي انطلاقا منها يتوجب الحكم عليه. فهو يطمح إلى طبعة كرونولوجية.إنه يرتبط بعمق إلى ذلك المشروع، إنه يحدد ملامحه، يسن نظاما، فهو يضع في هوامش النصوص المناسبة الأعمال الدنيا التي يضيئها، يتممها، يمددها.- من بين ثوابته، النص وهامشه.- قطعا. تشكل النصوص وهوامشها التي يعتبرها نظيرا لأعماله الكاملة. ففي الجزء الأول، على سبيل المثال، قبل باستعادة العديد من نصوص شبابه لأنه أدرك أن انكاراته مبالغ فيها، ويمكنها بالرغم من ذلك أن تساعد على فهم العمل. غالبا ما قال لي في ذلك العهد : ‘ أستسلم للنشر لكن إلى القراءة لا. ‘ ففي الجزء II، تمنى بورخيس أن يضيف ثانية العديد من الفروع : خطابات، محاضرات، شهادات. كذلك بالإمكان الإطلاع على نصوص شكر آسرة يبرئ فيها نفسه و، ضمن نطاق معين هو الذي كان كثير انشغال بألا يفسر شيئا ، ألا يقول شيئا و ألا يتذمر أبدا -، يمكنه أن يتكلم عن نفسه.كذلك أبقى في تلك النصوص’ الهامشية’ على أشياء شخصية جدا و الذي هو سعيد بتقاسمها [ مع الغير ]. مسجلا في دهشة بأن الأعمال الكاملة لكافكا المنشورة بالثريا تضمنت صفحات خصصت للمراسلة، و تمنى أن يتم إدراج مختارات من رسائله، المكتوبة بين 1919 و 1926، في الجزء II. تكشف لنا عن بورخيس مختلف جدا عن الصورة التي ألفناها عنه : نادرة الدفء، إشكالية دائما صورة مثقف جامد. مبديا عن هذه الحاجة كان بورخيس يود أن يبين لنا ضمن أي سياق أدبي نشأ، إذ كان بمقدورها (الحاجة) تشكيل تكوين رسائلي (Epistolaire) لعمل ما.- في هذا الجزء الثاني يبرز بورخيس مقولبا أقل، إنسانيا أكثر…- كذلك كان مشروعي. ففي نهاية الخمسينات، كان في أوج نضجه. فقد عاش حياة صعبة، حزينة، لقد مر بظروف عصيبة. فقد بصره ابتداء من 1955. مع العمى، اكتشف كتابة أخرى، سبيلا أخر، لاسيما الشفهية. أصبح تلك الشخصية التي تكتسح المحاضرات والحوارات.كثيرا ما ألح بورخيس كي تدرج في الجزء الثاني هذا، دورة المحاضرات التي ألقيت في نهاية السبعينات في بوينس إيرس تحت عنوان سبع ليال. ليست موضوعاتها (Th’mes) جديدة غير أن الشفهية تمنحها لونا جديدا : دفء الحياة.أضيف بأن هذا المسلك يكشف عن لغة سليمة أكثر فأكثر، عارية شيئا فشيئا من كل الإيحاءات الباروكية (Baroques) ذات البدايات المتطرفة، من كل تلك الأقنعة الأدبية، لبلاغة يعتقد أنها جامدة من الآن فصاعدا. ما يسمع في تلك المحاضرات، هو صوت أكثر حميمية و أكثر تأثيرا.لاحظ القصائد الشعرية الأخيرة، العدد، المتآمرون، فهي تمنحنا اليقين بإنسانية وألفة متناميتين.- ألا تعتبر تلك البساطة المتنامية عنصرا جوهريا في تطور العمل ؟ – بالتأكيد. لكنها ليست سوى [ بساطة] ظاهرية. إنها تركيبية و معجمية، غير أن كل كلمة موظفة تكون محملة بكل تلك الحوادث السابقة التي هي ذاتها تردد جوانب شاملة من الأدب الكوني.- يبتدئ ذلك الجزء الثاني بالمؤلف ونصوص أخرى، إنها عودة بورخيس الكبرى إلى الشعر ؟ – فعلا، فقد مرت ثلاثون سنة دون ان يكتب شعرا.كاتب شاب، تحت تأثير ماسودونيو فرنانديز (Macedonio Fernandez)، فقد اهتم بالفلسفة، بالميتافزيقا، بالبحث النقدي ؛ كان يرغب في الإزعاج، كان مثقفا كبيرا، تجريديا. فمع مرور الوقت، اكتشف العالم العجائبي وفيما يبدو أنه عثر على الرغبة في العودة إلى عفوية الأصول. ذلك ما يدخل في تكوين شعره.- ألا يعتبر ذلك الأدب الشفهي جنسا أدبيا جديدا ؟ – انطلاقا من تلك الحقبة، كان بورخيس يتكلم طوال الوقت. بيد أن موضوعاته ظلت هي هي. بقي وفيا، إلى النهاية، إلى الحكاية العجائبية بما أن عمله الأخير، الذي ظهر بعد وفاته، والموجود بالجزء II، ذاكرة شكسبير، يضم أربعة نصوص عجائبية.و بالتأكيد فقد جرب المحكي الواقعي، مستقلا تماما عن تاريخ الأرجنتين (تقرير برودي)، غير أنه في كتاب الرمل، عاد ثانية إلى المحكي العجائبي. ففي تلك النصوص الأخيرة، مرة أخرى، على شاكلة شعره : مشروع كبير، مسيرة تتجه دائما نحو بساطة أكثر. في آخر حياته، كان يرغب، فيما يبدو، بإعادة كتابة النصوص الأساسية للأدب الكوني. كان يتمنى كتابة نهاية للكوميديا الإلهية ، موضحا مع ذلك : ‘سيكون ذلك صعبا جدا، سأكتفي إذا بتخيل حجة الحجة التي كان بمقدور دانتي اكتشافها. كما كان يرغب في إعادة كتابة نهاية ل دون كيخوتيه، التي، سوف لن تكون متمحورة، هذه المرة حول صورة دون كيخوتيه بل نموذجه الإنساني ألونسو كيخانو (Alonso quijano). مرة أخرى، يجتهد بورخيس في أنسنة المثال الأصلي (arch’type)، أن يجعل من رجل المانتشا هذا، لبداية القرن السابع عشر.- بورخيس أشد ارتباطا بعائلته، ألا تعمل على تبنينه ؟ – يرتبط بورخيس بعائلته حيث يتماهى التاريخ مع تاريخ الأرجنتين الناشئ : استقلال، الحروب المدنية، غزو الصحراء ضد الهنود الحمر. أضف إلى ذلك فقد كان محظوظا كي يعد من بين أسلافه شخصيتين أصبحتا موضوعا لدراسات [ متعددة ]. كتابان، أسراه خاصة : (Siluetas militares)، و هو [ الكتاب ] الذي برز فيه جده سواريز (Suares) ؛ و آخر [ كتاب ] جعل من جده بورخيس بطلا وطنيا. و مع افتقاده [ لأي ] نسب فقد تماهى بالأحرى مع تلك السلالة. فقد اكتشف نسبه خلفه. يعتبر آل بورخيس أنفسهم مولدين بيض قدماء، أرجنتينيين ذوي جذور ضاربة في التاريخ. يوجد لدى بورخيس، ولع شديد بسلسة النسب (g’n’alogie). فقد نشر الألبوم غاليمار (LAlbum Gallimard) شجرة نسب انجزتها أخت بورخيس. فإذا لم نوقفه، فقد كان بورخيس قادرا على أن يكشف لنا عن سلسلة نسب عائلية ترتقي عمود النسب إلى ملوك إسبانيا الأوائل و إلى الإله ثور (Thor). كان بورخيس يبحث عن جدوره. كذلك، فحين يتماهى مع الأدب الأنجلوساكسوني، فلأنه يجد فيه آثار جدته الإنجليزية إذ كانت أصول عائلتها تنحدر من بلدان الشمال. يلاحظ قيام بورخيس بإيحالات ثابتة إلى آدم الشاب، الذي يطلق عليه اسم ‘ آدم الأحمر، آدم من طين ‘. تنهض تلك الطريقة في الارتقاء بدون توقف إلى الجنة المفقودة، عن حاجة جنيالوجية هوياتية.- كذلك فقد قيل الكثير بخصوص أمه…- لقد كانت امرأة متسلطة ذات أهمية كبرى في حياة بورخيس، و في رأيي فقد قيل كلام أقل بكثير، في حق شخص لعب دورا جوهريا : أبيه. رجل كتوم جدا إذ كانت أمنيته آن يبقى مجهولا. كان رجلا فوضويا، وقد احتفظ بورخيس بالكثير من الفوضوية الأبوية. كما انه كان متأثرا بجدته لامه التي كانت امرأة جريئة شيئاما. فقد حلت مع والده بالأرجنتين حيث أقامت هناك. كانت شخصية أتت من أوربا و في إثرها، أدب جديد جم. فبفضلها، تلقى بورخيس التوراة الكالفاني (Presbyt’rienne)، اللغة الأم، قراءات خاصة، وباختصار، [تلقى] متخيلا آخر. لم تكن عائلته الأرجنتينية المولدة ((cr’ole مثقفة،سيتماهي بورخيس على الفور مع والده وجدته.- تستحضر في نصك لتقديم الإخلاص في الصداقة، عند بورخيس، و’ قلب الخرشوف’ لديه، لماذا؟- يعتبر الإخلاص في الصداقة شيئا ذا أهمية قصوى عند بورخيس. فجذور ذلك الإيمان ترقى في رأيي إلى اكتشاف بورخيس لكتاب- مهدى من طرف أمه بمناسبة عيد ميلاده الثاني عشر- وفيه نتعرف الكولونيل سواريز وصديقه المخلص يقاتل جنبا إلى جنب، في الحياة في الموت، في غمار حروب استقلال. فبورخيس، الذي اعتقد العثور بإسبانيا، في شخص سوريدا(sureda)، على صديق حقيقي، سوف لن يتوقف في البحث عن صديق موثوق، أعني مع من كان بإمكانه أن يكنب عملا ما. بطبيعة الحال، البعض يفكر في بيوكساريس((Bioy Casares. واعتقد أن العلاقة كانت من نوع آخر. أما فيما يخص ‘ قلب الخرشوف’، فهو تعبير تستعمله سلفينا أوكامبو لوصف بورخيس. قضى بورخيس حياته مغرما، وأظن كذلك أنه كثيرا ما كان مغرما بالحب. في شيخوخته، كان محاطا بزمرة من نساء شابات، كنب بمعيتها [الزمرة]، كن يشكلن بالنسبة إليه معاونات عابرات، واللواتي ربما اكتشفن في أثره صدى لمجده. بقي بورخيس مغرما دائما وتعيسا دائما في الحب.- ألا يوجد في الجزأين نص تحتفظ به بوجه خاص ؟ – ربما توجد الأمثولتان الأوليان اللتان كتبهما بورخيس في سنة 1919، مخفيتين بشكل أقل، في ثنايا الآلة النقدية. فقد كان للقارئ شرف اكتشاف القصتين القصيرتين الموسومتين بمغالاة التعبيرية و الذكريات التوراتية. من المعروف أن والد بورخيس قام بتلقينه دروسا في الفلسفة عبر أثناءها بالأمثولات. يقوم بورخيس هناك بنوع من التدنيس (Sacril’ge) مستعملا ترسيمات للكتابة المقدسة. بشكل جلي، لم يتردد في الكتابة كالمبدع (Cr’ateur). ذلك المبدع الذي ألقى إلينا بعنوان (El Hacedor)، الذي ينبغي ترجمته حتما بالمبدع، مبدع السماوات و الأرض الله ذاته. بدون شك يتعلق الأمر هناك بجرأة كبيرة لبورخيس الذي أدرك بأن تلك الكتابة هي عكس للكلمة (Verbe) التي أصبحت جسدا (Chair) : الجسد الذي أصبح كلمة. فقد وضعت عتبة (‘pigraphe) لتقديمي لهذا الجزء الثاني في شكل نص ينتمي إلى أوج الشباب. ‘ أنا إله، أنا قادر على إبداع الحياة. ‘ فحينما يكتب ذلك نحو 19-20 سنة، إن ثمة إحساس سابق برسالة، بنداء باطني، بكتابة تلقي بثقل معناها. فقد يكون لهذا علاقة كون أن تعلمه القراءة تم عبر التوراة الكالفاني لجدته التي بواسطتها لقن مبادئ القراءة… وربما قد يظن أنه يوجد هناك نموذج عصي على التجاوز يكون بالإمكان محاولة تجاوزه على الدوام. – هل تعتقد أن بورخيس كان يغالي في تقدير عمله و تقدير نفسه ؟ – ثمة طرفة منحتني عنصر إجابة. ذات يوم طرحت عليه السؤال التالي : ‘ بما أننا نتكلم عن الأدب الإسباني، فبين سرفانتيس وأنت من كنت ستفضل ؟ ‘ جواب بورخيس : ‘ أخشى ألا يكون ذلك مزعجا. ‘ إن امتلاك القدرة على الصدح و إن كنت مازحا بهذا النوع من القول، أعتقد كان يملك الحس بمكانه الحقيقي.- فإذا ما طلبت منك تعريف بورخيس بجملة ؟ – لقد أفضى إلي بورخيس بالتعريف الوحيد المناسب. فقد كان يعرف نفسه بنفسه، أثناء آخر حوار من حواراتنا، في نهاية مسيرته، تلك هي الصورة التي كنت أتمنى أن أتركها عنه : فهو قبل كل شيء شاعر، دائما في ثورة ضد كل شيء لكنه مسالم. ترجمة : الحسن علاج(1) أعمال كاملة، خورخي لويس بورخيس. ج.II طبعة من تقديم و تعليق جان بيار بارنيس.دار نشر غاليمار، مكتبة الثريا، ظهرت في 14 من شهر مايو. يضم الجزء II: المؤلف. الآخر، نفسه. من أجل الحبال الستة. مديح الظل. تقرير برودي. ذهب النمور. مقدمات. مع مقدمة للمقدمات. كتاب الرمل. الوردة العميقة. عملة الحديد. قصة الليل. ليالي سبع. العدد. تسع دراسات حول دانتي. أطلس. المتآمرون. ذاكرة شكسبير. ‘مراسلة ‘، ‘ خطابات و محاضرات ‘.(2) [email protected](3) عن المجلة الأدبية الفرنسية : Le Magazine Li’raire Jorge Luis Borges N 376 Mai 1999ترجمة : الحسن علاج qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية