جاهل بالخطّ عارف بالكتابة

أحبّ أن أعود في هذا المقال، إلى ناحية أشرت إليها غير مرّة؛ لكن لم أستوفها حقها. وهي تخص إعادة ترتيب العلاقة بالشعر العربي الأقدم، خاصة القصائد الطوال مثل المعلقات: أهو شفوي حقا أم هو مكتوب؟ ولعل خير مهاد لذلك إعادة النظر في العلاقة العجيبة بين الخط والكتابة. أما الكتابة، وهذا ما نغفله عادة؛ فتنهض على نظام خليط، بل «هجين» مداره على سجل الكلام وسجل الخط. وهما سجلان متغايران عميقا، خواص وعناصر، فلا طرائق تعبيرهما تقع في الحقل الفيزيقي ذاته، بما أن الأول سماعي والثاني مرئي؛ ولا هي تجري في السياق ذاته سياق العلائق «التذاوتية» بين متكلم وكاتب. فالأول أي الكلام يستوجب وحدة حضور المتخاطبين، فيما لا يستوجب الثاني سوى حضور القارئ الفرد.
والحال أننا لا نقف في اللغة على أي أثر لتباين أو تنافر في خواصها وأمشاجها، لأن ذلك يتعارض وطبيعة اللغة نفسها. ومع ذلك فإن الشكل الخطي هو الذي مهد لنشأة الكتابة مصادر ودوافع؛ على الرغم من أن هذا الشكل كان وما يزال وسيطا مركبا متعدد العناصر، إذ يجمع إلى حامل فضائي له هيئته ومادته المخصوصتان، صورا تتقيد فيه وبه؛ لكنها تظل غريبة عنه من حيث طبيعتها أو كنهها.
ويذهب أهل الذكر من الباحثين المعاصرين في نشأة الكتابة وأنظمتها، إلى أن تاريخ البشرية شهد في مرحلة لاحقة أعقبت «الأساطيرية» قطيعة لا تخلو من غرابة، حيث استبدل وضع بوضع. والأرجح أن هذه القطيعة تجلت أولا في هيئة توزيع الإشارات على الحامل الكتابي: فمن تنظيم فضائي ساذج سائب منساح إلى صارم متوالية خطية مطردة. وربما كانت هذه الخطية أمارة على استيعاب الشكل الخطي المسلمتين الاجتماعية والثقافية كلتيهما، وهما اللتان جعلتا منه نظاما وأسبغتا عليه مزية النافع الاجتماعي الصريح: صوتية اللغة ومنطق التفكير المحسوب.

وها هنا لا نملك إلا أن نشاطر لوروا غوران قوله في إن الرمزية الخطية تتمتع نسبة إلى اللغة الصوتية باستقلال ما: فمحتواها يفصح في أبعاد الفضاء الثلاثة، عما تفصح عنه اللغة الصوتية في بعد الزمن الوحيد. وهو يضيف أن أظهر فتوحات الكتابة تمثل صراحة في جعل العبارة المكتوبة تتبع، بوساطة استعمال الجهاز الخطي، العبارة الصوتية اتباعا مطلقا. نقول هذا آخذين بالاعتبار أنها فرضية ليس إلا، بل قد تعوزها الأدلة، ولا يقوم لها سند نظري أو أثري (أركيولوجي). ويعترض عليها البعض، آن ماري كريستان، على أساس أنها تفضي إلى الخلط ذاته أو اللبس عند سائر منظري الكتابة، فليس في تقديرهم من كتابة ممكنة من غير كلام؛ أو بمعزل عن أي تدابير حسابية مضبوطة.

وبنية القرآن بنية كتابية محكمة، وفي هذا ما يؤكد أن الجهل بالخط لا يعني ضرورة الجهل بالكتابة. وكان النبي يمليه على كتبة الوحي، على نحو ما كان الشاعر القديم يملي شعره على رواته؛ والإملاء عملية كتابية، وليس ارتجالا.

وإذا كان من الثابت أن المرحلة المحددة لنشأة الكتابة تمثلت في الانتقال من رمز الفكرة، أو رسم الشيء أو الصوت الذي يتمثل الكلمة الدالة على الفكرة، إلى الكتابة الصوتية الرمزية التي جعلت من الكتابة نظاما مستقلا، فإن هذا النظام هو الذي أفضى فيما بعد إلى ذيوع الكتابة الصوتية وانتشارها، باعتماد الحدس والافتراض والاستنباط معا. وعليه فما الذي جعل هذه البديهة منيعة متعذرة على الفكر «الأساطيري» ؟ ألم يكن هذا الفكر قد تسامى بالواقع في الرمز؟ وإذا كان ذلك كذلك، فكيف لم يكن بميسوره أن يتسامى بالمرئي في الصوتي؟ سؤال نطرحه، ولا نملك له جوابا؛ لسبب قد لا يخفى وهو أننا إزاء مسألة الكتابة، أشبه بمن يتخبط في متاهة، أو من يبحث عن باب للخروج؛ وهو في كبد الصحراء.
ومع ذلك فإن في ثقافتنا مثالين يمكن أن يوضحا ما نحن فيه، هما القرآن وشعر ما قبل الإسلام. والقرآن له في المعتقد الديني وجه الوحي أي الكلام، ووجه المصحف أي الخط أو الكتابة. وبنية القرآن بنية كتابية محكمة، وفي هذا ما يؤكد أن الجهل بالخط لا يعني ضرورة الجهل بالكتابة. وكان النبي يمليه على كتبة الوحي، على نحو ما كان الشاعر القديم يملي شعره على رواته؛ والإملاء عملية كتابية، وليس ارتجالا. فالوحي «كتاب» أو هو نص «كتابي» شأنه شأن الشعر؛ أي مكتوب «ما أخذنا بالاعتبار مفهوم الكتابة عند أسلافنا، من حيث هي تجميع وتأليف أي جمع أشياء بعضها إلى بعض، وترتيب جمل بعضها مع بعض، وربط أحداث بعضها إلى بعض، لإخراج معنى مفيد. بيْد أن نص الوحي يقارب القصيدة طالما كان المرسل هو المتكلم، وينحو باتجاه المكتوب طالما كان المتكلم ممايزا من المنشئ (الذات الإلهية/ الذات الشعرية). وهو من ثمة مثل القصيدة، نص محكوم بهيئة من التأليف شبه شفوية وهيئة من التأليف كتابية أو شبه كتابية. ومن هذا الجانب فإن «التأليف الشفهي» في ثقافة كتابية أو هي عرفت الكتابة بنسبة أو بأخرى، لا يمكن إلا أن يختلف عن «قرينة» في ثقافة شفهية خالصة.
ونعرف من هذين المثالين، أن الكتابة على قدر ما تثبت الكلام وتقيده، فإنها تسمح أيضا، لسبب ما أو ذريعة ما، بإعادة ترتيبه أو بتصحيفه وتغيير معناه. وخير مثال لذلك روايات الشعر الجاهلي المتدافعة. ناهيك من القرآن وهو في المعتقد الديني الكلام الإلهي المنزل الذي لا يتغير ولا يتبدل؛ لكنه وقد كتب، فإن المسلمين لم يجدوا غضاضة في إعادة ترتيبه في المصحف. وعليه يكون من السائغ أن نتحدث عن نصين اثنين: «نص» الوحي المحكوم بأسباب التنزيل ونص المصحف المحكوم بأسباب الكتابة، فضلا عن اختلاف القراءات. ولم يسلم الشعر الجاهلي ولا شعر المحدثين، وقد كتب ودوّن؛ من هذا التبديل. وسواء علينا أحملنا هذه الروايات المتدافعة وهي أشبه بروايات ناسخة وأخرى منسوخة، على أنها مظهر من مظاهر التقليد الشفهي في رواية الشعر، أو مظهر من « كتابيته» فلا مناص من الإقرار بأن سلطة الكتابة نسبية وليست مطلقة، كما قد يتبادر إلى الذهن، بل ربما سوغنا الرأي القائل بهشاشة الكتابة وبعدم الإفراط في تقدير حقيقة الكلمة المكتوبة، وذهبنا مذهب الذين يرون أن السلطة، كلما تعلق الأمر بالكتابة، سلطتان مشتقتان من نبعين مختلفين لكنهما متجاورتان في النص الواحد، أو هما لازمتان وكل منهما مكملة للأخرى. وقد تتصدر تغلب إحداهما على قرينتها. والسلطتان هما: سلطة الكلمة مكتوبة وسلطة الكلام منطوقا. وعسى أن يكون من الواضح أننا نستخدم اصطلاح «كلمة» للتشديد على السمة الكتابية في النص، واصطلاح «كلام» للتشديد على السمة الشفهية فيه.

أما الكلام ملفوظا فهو ذو وفرة وغنى من حيث مكوناته الصوتية. وهو لا يستدعي الأسماع وحسب، وإنما «المرئي» أيضا ويستخدمه لتوضيح فرق أو لإبراز معنى، إذ غالبا ما تلابسه حوامل أخرى إضافية ليست من طبيعته مثل، الإيمائية التعبيرية وحركة الذات المتكلمة؛ وما إلى ذلك مما هو أمس بالإيقاع /الإنشاد.

واللغة إنما تتأدى بطريقتين هما الكلام الشفهي والكلام المكتوب. وهما نظامان ينهضان على حامل مادي أو نفسي ويتوزعان على مجالين، صوتي وخطي. والأول غامض ملتبس، أو هو مبهم ما دام يدل على أي أداء للغة، ولذلك نستخدمه بمعنى «وحدة دلالية شفهية» تتأدى بوساطة حوامل التخاطب المسموع. وأما الثاني فنستخدمه بمعنى «وحدة دلالية مكتوبة» تتكون من حروف هي حوامل التخاطب المرئي. ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى عناية المسلمين باصطلاحات الضبط في القرآن وعلامات الوقف وهي علامات مرئية أي كتابية أشبه ما تكون بعلامات التنقيط من فواصل وأقواس ونقاط استفهام وعلامات تعجب… مثل وضع الصفر فوق حرف العلة للدلالة على زيادة ذلك الحرف فلا ينطق به في الوصل، ووضع خاء صغيرة دون نقطة فوق أي حرف للدلالة على سكونه. أما الوقفات والسكنات فتشير إليها بعض المصاحف بعلامة صغيرة فوقها (س) حتى يراعيها القارئ، وتحدث عنها نغمة مختلفة عن النغمات السابقة. وهو ما أهملوه عند تدوين الشعر، ولو فعلوا لأنشدنا الشعر كما كانوا ينشدونه.
أما الكلام ملفوظا فهو ذو وفرة وغنى من حيث مكوناته الصوتية. وهو لا يستدعي الأسماع وحسب، وإنما «المرئي» أيضا ويستخدمه لتوضيح فرق أو لإبراز معنى، إذ غالبا ما تلابسه حوامل أخرى إضافية ليست من طبيعته مثل، الإيمائية التعبيرية وحركة الذات المتكلمة؛ وما إلى ذلك مما هو أمس بالإيقاع /الإنشاد.
ولعل هذا ما يجعل الكلمة المكتوبة، وقد استفرغت من غناها الصوتي، تنقاد بسرعة أكثر من الكلام إلى نوع من الاستعمال المتواطئ أو المشترك، الذي يحافظ على المعنى نفسه في مختلف صيغه: فهي وقد ضاعت منها خصائص الكلام الصوتية، أو هي تلفت لحظة الكتابة ـ تتثبت في الكلام المكرور وتترتب في صيغ متعاودة متواترة. وربما أمكن بناء على هذا، أن نعيد النظر في «شفوية « الشعر الجاهلي، وأن نفسر ظاهرة تكرير المعاني والموضوعات والصيغ في الشعر العربي قديمه ومحدثه، على أنه شعر مكتوب، يؤديه شاعر قد يكون جاهلا بالخط؛ لكنه عارف بالكتابة، ما دام يحكم بناء قصيدته معجما وتركيبا وصورة كما هو الشأن في كل كتابة.

كاتب وشاعر تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية