جبال صلعاء

حجم الخط
0

جبال صلعاء

سعيد بوكراميجبال صلعاءغإلي المبدع إلياس فركوحف لن يفك طوق الجبال الصلعاء إلا صعودي إلي قلعة تمنوغالت، ربما هناك قد تبدو الأشياء بصورة مختلفة. ماذا سيحدث لو تماديت في الغوص بين هسيس وهواء؟الطريق ملتو كأفعي استوائية، حافة مسكونة بأدغال النخيل ومنازل ضائعة في الطين. بدورها تبتلع أجسادا وأرواحا في عتمة النسيان. طريق ضيقة كتنفسي المضغوط بجفاف الهواء. يظهر بين الفينة والأخري أطفال مصبوغون بالشكولاتة، يقفزون أمامي ثم يقدمون لي هداياهم رمانا أو تمرا. عطاء بريء وسخاء لامتناه. قد يتقدم أحدهم ويدس يده في يدي، أحسها خشنة تكبره بعشر سنوات.روحي المرتعدة المعدومة لا تستجيب لأحاسيسي الخادعة لأني عكسهم أستنشق عرق الاسترقاق الصاعد من لحاء النخيل وأخاديد الطين. من طابور المجروحين المجرجرين من أعماق الصحراء إلي بلاطات مراكش ومكناس ثم إلي سواحل الجديدة وآسفي ومنها إلي سفن البرتغال والقراصنة.ثمة قناصون للأجساد، يسقطون أوراق الشمس، ويوزعون الفاجعة ذاكرة للشتات. بلا فزع تخترق هذه الأرواح السرمدية عتمة المساء مثل حداد لمئات السنين الضائعة.كلاب تنبح. أعمدة غبار. وفي مطلق البيداء تتثاءب الآلهة المتحجرة البعيدة عن البشر داخل مستنقعاتها الموحلة، وقفت متسمرا لا أريد الالتفات إلي كل الاغراءات. لأن من تخنه حواسه يفقد صلته بالأشياء.لن أنظر إلي الخلف، لأني أخشي التحجر أو الاحتراق. سأنظر بتطرف إلي الأمام، إلي هؤلاء الملتهمين بالغبار والجوع والذباب، وأنتظر صحبتهم هدير الطوفان.نزلت منحدرا صلبا وأملس، غير عابئ باجتياحات الليل، لم أفكر في الموت المشع من مقبرة اليهود المبعثرة، التي جاؤوها ذات صباح في السبعينيات وسحبوا رفات أجدادهم سرا وانطلقوا لتأكيد خرافتهم الشبحية، شعب يعيش في مقبرة، يحبون الموت والقتل وصناعة الخرافات والأعداء الأبديين. أخذت التربة الملساء تنسحب من تحتي، وتنزلق إلي حافة قلعة تمنوغالت…صمت رهيب قادم من القلعة المضمّخة بأشعة الغروب. كف حناء هائلة تهصر الأفق والقلب.لا أدري لم تذكرت الشيخ يعقوب الذي ودع العالم فجر أربعاء معلقا بين المدخل والممر. كانت جثته الضئيلة تتأرجح كفانوس حارس ليلي. كنت قد كتبت عنه منذ أسبوع ما يلي:(تقلصت جثته حتي بدا وهو يعبر من الملاح إلي بيته كمصران جاف. هزلت رجلاه وأخذت مشيته تفقد رشاقتها تحت الجلباب. يشخص في الأشياء وكأنها لم تعد كما كانت، أبناؤه يلحون عليه أن يأتي إلي مستوطنتهم في فلسطين وهو يرفض بقوة، يقولون له بع ما لديك واحضر إلي المستقبل وهو يتشبث بالماضي وحانة فردان ولعبة الشطرنج صحبة آخر اليهود المغاربة الرافضين للهجرة. اللعنة لم تزوج؟ هذا سؤال لا يطرح علي رجل لا يستطيع إعداد كأس قهوة، خادمة تكفي وتكفي، لكن لم الزواج؟ اللعنة علي هذه الصبية التي لعبت بعقله وتزوجها فقلبت حياته رأسا علي عقب).بدأت أمطار خفيفة تنقر جبهتي ونظارتي، فتشظت الرؤية وتضببت. قد تكون الأمطار ذات أهمية قصوي في مناطق كثيرة لكن هنا الأمطار تهطل وكأن ثقبا يحدث في السماء وهي بذلك ستفسد عناقيد التمر وتعلك الطرق الطينية بوحل لن يقوي علي اختراقه أحد.هذا الصعود ليس مضمون النتائج، فتوقع المخاطر لا يمنح القوة أو العزم أو مادة الأدرينالين كما يدعي بعض الأطباء. بل تصب في العروق ضعف التركيز وهشاشة الخطو وهلوسة الأفكار، فكم من المشاريع والأحلام ضاعت بالخوف اللعين. لا أريد سوي الوصول إلي البوابة، فكرت قليلا: هل أقتحم القلعة ليلا أم أترك الأمر للصباح؟ لكن البوابة بعيدة والوصول إليها لن يمر إلا عبر ممرات المقبرة وأنا أخاف سبات هؤلاء الأموات المجردين من الحياة مرتين، قد يغيرون رأيهم وينهضون فجأة عندها لن تخلصني معارفي الدنيوية من جحيم عوالمهم السفلية.عندما نستطلع الأمرنجد شمسا خامدةأرامل تأجج بحيرة آسنةبجعات سوداء تراقص عويل المأتمخفافيشتحب طقوس الأذي لا سماء لا فيء لا ماءمصارع وحيد فقطتدهسه ثيران الظهيرة.كنت سأبدأ كتابة اليوميات حين انفتح الباب وهجمت ثيران لا تحتمل اللون الأحمر خيام سوداءتيوس تقلد النسور في ضجعة الظهيرةتتفيأ سراب الظلوتحلم بأفق أخضر ونجدة من هزال. في تلك الأقاصيلوحت بمنديلي راوغت الموتوامتطيت آخر منطاديمرّ إلي الهاويةرأيتهم في الأسفليتهافتون بمخالب مستعارةهاهو تراب الغرس الأهوج يتناثر من تراب الأصل من يوصل رسائلهم المدموغة بالدمإلي سلالة الانتظار؟ من…؟كاتب من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية