سامي مهدينشرت جريدة القدس العربي قبل مدة وجيزة تقريراً موسعاً عن ورشة عمل أقامها (منتدى الرواد الكبار) في عمان وخصصها للأديب الراحل (جبرا إبراهيم جبرا). وذكر التقرير أن الدكتور محمد المجالي قدم للورشة ورقة بعنوان (قراءة جديدة لريادة الشعر) رأى فيها أن رائد الشعر العربي الحديث هو جبرا إبراهيم جبرا، وليس نازك الملائكة أو بدر شاكر السياب أو عبد الوهاب البياتي. ومما جاء في هذه الورقة (أن مفهوم ريادة الشعر الحر لا يرتبط بزمن كتابة القصيدة الأولى في هذا الشعر، بل بالتغيير الذي دفع بالشعر الحر إلى أن يصبح ظاهرة مستقلة). وجاء أيضاً (أن بغداد هي المدينة العربية التي احتضنت الثقافة والمثقفين وشهدت انبعاث قصيدة التفعيلة (الحر) في منتصف القرن العشرين) ولكنها ذكرت (أن ظهور الشعر الحر لا يرتبط بشاعر بعينه، بل أنه عمل جماعي شارك فيه مجموعة من الأدباء العرب، لا العراق وحده).وذهبت إلى القول (على الرغم من الشهرة التي نالها بدر شاكر السياب ونازك الاملائكة بخصوص ريادة الشعر الحر، فإن الواقع يشير إلى أن ثمة أسماء أخرى مهمة قد قدمت دوراً مهما في هذا المجال أبرزها جبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صائغ وبلند الحيدري. ذلك أن الثقافة العالية التي تمتع بها جبرا لاسيما الأجنبية، إذ قد درس في فترة مبكرة في هارفرد وكامبردج تؤكد أنه الرائد الأول في التأسيس لحركة الشعر الحر، وفي دفع عجلة التغيير إلى الأمام)(1). إن فكرة هذه الورقة ليست جديدة، فهي تعود إلى ثمانينيات القرن العشرين، وكان جبرا نفسه هو صاحبها وهو من حاول ترويجها، فتصديت لها والرجل على قيد الحياة ، وناقشتها بهدوء وإسهاب، وفندتها بدراسة نشرت في مجلة (الأقلام) العراقية المعروفة، ثم أعدت نشرها في كتابي (وعي التجديد والريادة الشعرية في العراق) الصادر عن دار الشؤون الثقافية في بغداد عام 1993. ولم يرد علي أحد في حينها، لا جبرا، ولا غيره. وبذلك دخلت في سبات طويل، وخاصة بعد وفاة الرجل عام 1994، لتبعث اليوم من جديد، على يدي الدكتور محمد المجالي. الراحل جبرا كان واحداً من أكثر الأدباء العرب شهرة في جيلنا، ومن أرفعهم مكانة، وليس هذا بكثير عليه. فهو مثقف كبير عالي الثقافة، ومترجم من طراز رفيع، وناقد مرموق، ولكنه، والحق يقال، كان روائياً ثانوياً، وشاعرا ثانوياً. ومع ذلك لم يرد الاكتفاء بما أوتي من مكانة وشهرة، فراح يوحي لنا في أكثر من مرة بأنه (رائد الشعر العربي الحديث) وبأن الشعراء العراقيين المحدثين قد تعلموا منه قواعد التجديد قبل أن يتعلموها من أي مصدر آخر. صحيح أنه لم يكن يقول هذا بعبارات صريحة ومحددة، إلا انه بدأ يسرب إلى الصحافة، منذ أواسط ستينيات القرن الماضي، معلومة هنا وأخرى هناك، ليدفعنا في النهاية إلى استنتاج من هذا النوع. وأحسب أنه ما كان ليتردد في الجهر بـ (ريادته) الشعرية (المفترضة) لو أنه امتلك حيثيات قوية لإثباتها، ولكنه، وهو لم يمتلك مثل هذه الحيثيات، لم يجد غير السعي إلى ما يريد بطريقة ذكية غير مباشرة، وخاصة بعد أن يئس من احتفال الآخرين بشعره ومن إقرارهم برياديته.قد يبدو هذا الكلام قاسياً على رجل من طراز جبرا وفي مكانته الأدبية، ولكن هذه هي الحقيقة التي لم يقلها أحد جهاراً حباً به واحتراماً له، وهي أيضاً الحقيقة التي تركت في نفسه مرارة يمكن أن يفسر بها الكثير من مواقفه النقدية، والكثير من جوانب علاقاته بالشعراء.إن ما قاله جبرا يومئذ عن دوره كان يقوله للمستقبل، لباحث يأتي في ما بعد ليراجع ويحاول إعادة رسم الخارطة بناء على أقواله وما تتركه من أثر. فقد كان يثير شبهات حول البدايات التي جعلت من هذا وذاك من الشعراء رائداً، وكان يفعل ذلك بطريقة ذكية جداً، تقوم على تسريب معلومات معينة، في فترات متباعدة، ما يلبث دارسه أن يكتشفها، ويعيد ترتيبها ليستنتج في النهاية، أنه هو، جبرا، وليس غيره : الرائد الحقيقي لحركة الشعر الحر التي ظهرت في العراق في أواخر أربعينيات القرن الماضي. وقد كدت أنا شخصياً أن أقع في هذا الوهم، إذ تحول القول بريادته إلى (شائعة) يتهامس بها مريدوه القليلون من حين إلى آخر، ولولا التريث والمراجعة والتدقيق، لما توصلت إلى النتيجة التي توصلت إليها. لذلك رأيت أن أناقش أقواله في حينه، خشية أن يتعامل الدارسون بعد حين مع هذه (الشائعة) وكأنها حقيقة تاريخية، كما يفعل الدكتور محمد المجالي اليوم.والآن ما هي أقوال جبرا التي أثارت الشبهات حول ريادة الشعر الحديث ؟كان جبرا يقول، صراحة أو إيماء، بأنه فكر بالتجديد قبل رواد حركة الشعر الحر التي ظهرت في العراق أواخر أربعينيات القرن العشرين، كلما جرى الحديث عن هذه الحركة. ففي مقالة له بعنوان (زحزحة الباب العملاق)(2) ذكر بوضوح أنه كتب (شعراً جديداً) في أثناء حقبة دراسته في كيمبردج (3). وفي حوار له مع إلياس خوري أكد ما ذكره في مقاله ذاك وأضاف إليه تفاصيل أخرى نفهم منها أنه كتب شعره الجديد هذا باللغة الإنكليزية، ونشر بعضه في مجلات بريطانية (لم يذكرها) خلال حقبة الحرب العالمية الثانية (4). أما في حواره مع زهير ماجد فأخبرنا بأن فكرة التجديد كانت فاعلة في نفسه منذ أن أنهى دراسته الثانوية في القدس، أي قبل نشوب الحرب العالمية الثانية، وقبل سفره إلى بريطانيا لإكمال دراسته. (5) ثم أكد أنه كان مليئاً بفكرة (ضرورة التجديد) حين جاء إلى العمل في العراق أواخر عام 1948 (6) وأضاف (وعندما وصلت بغداد في أواخر عام 1948 لم أكن أتوقع أنني سأجد فيها فجأة الأرض الرائعة الخصبة التي ستتلقى هذا العشق مني للتغيير أو التجديد تلقياً سيزداد ويتسع، بحيث يصبح في النهاية حافز أصحاب الرؤى التي تشكل بمجموعها قوى التغيير لا في التعبير فقط، وإنما في المنحى الحضاري الذي كان لابد منه بعد نكبتنا في فلسطين). (7) واستمر يقول (كان لقائي ببلند الحيدري وحسين مردان وجواد سليم وشاكر حسن وبدر شاكر السياب وعبد الملك نوري ونجيب المانع وقحطان عوني ورفعة الجادرجي في ما بعد _ والعديد من المبدعين الآخرين _ عندما أنظر إليه تاريخياً الآن، من ذلك الضرب من اللقاءات المصيرية، لا في حياتنا كأفراد فقط، وإنما في تاريخ فكر بأكمله). (8) وقال أيضاً (فالتفاعل الذي تم في الحال بين الشحنة التي تملأ نفسي من سنين، وبين الشحنة التي رأيتها في هؤلاء المتفتحين على أمل التجديد دون تحقيقه بعد، أطلق الشرارة، الدفعة، التي كانت بشير الخصب في الشعر والقصة والرسم والعمارة طوال الخمسينيات والستينيات). (9) إن هذا الذي قاله جبرا أخطر بكثير مما يمكن أن نتصور في الوهلة الأولى، فهو لا يدعي هنا السبق في التفكير بالتجديد وممارسته حسب، وإنما يدعي لنفسه دوراً أكبر من ذلك بكثير. إنه يعطي لنفسه دور الإله الأسطوري (تموز) ويعطي للمبدعين العراقيين دور الأرض المهيأة لاستقبال عشقه وبذرته ! وللتعبير عن ذلك ينتقي جبرا التعبيرات (التموزية) الأثيرة لديه، ويستخدمها بكثير من العناية والدقة والذكاء. ولنلاحظ من جديد قوله (عندما وصلت إلى بغداد في أواخر عام 1948 لم أكن أتوقع أنني سأجد فيها الأرض الرائعة الخصبة التي ستتلقى هذا العشق (مني) للتغيير والتجديد).. إلخ.. وأكثر من ذلك أن جبرا لا يعطي نفسه دور تموز في تحديث الشعر فقط، وإنما في القصة والرسم والعمارة أيضاً. وبذلك ينزع عن المبدعين العراقيين كل شيء عدا دور الأرض الخصبة التي تلقت منه عشقه للتجديد، أي دور المتلقي المنفعل، دور التلميذ، فهو يزعم أن المبدعين العراقيين كانوا (منفتحين على أمل التجديد دون تحقيقه بعد) وأن لقاء شحنته بشحنتهم هو الذي أطلق الشرارة. فماذا إذن لو لم يحصل هذا (الزواج المقدس) ؟ ماذا لو لم يكن هناك جبرا ولم تكن شحنته المزعومة موجودة، ألن يكون هناك تجديد أنضجته ظروف العراق التاريخية والاجتماعية والثقافية، أم أن هذا التجديد كان سيتأخر ؟ أو ما كان ليحدث ؟ حسن. التجديد قد حدث، فلندع هذا إذن ونبحث عن (شحنة) جبرا، فماذا كانت هذه الشحنة وأين ؟ أهي في شعره مثلاً ؟ أم في أفكاره النظرية ؟ أكيد أن هذه الشحنة لم تأت من شعره المكتوب باللغة الإنكليزية، فهذا الشعر ظل حبيس أدراجه طوال حياته، وقد سمعنا به ولم نر منه إلا نزراً لم يلتفت إليه أحد (10) فضلاً عن أن قوانين ما هو مكتوب بلغة لا تسري على ما يكتب بلغة أخرى. لعل الشحنة إذن كانت في شعره المكتوب باللغة العربية. ولكن جبرا لم يكتب (شعراً) باللغة العربية قبل عام 1954 ونحن لم نر من هذا الشعر إلا القليل جداً حتى عام 1959 عام صدور مجموعته الأولى (تموز في المدينة) أي بعد أكثر من عقد من الزمان من انطلاق الشرارة الأولى، وهو عقد نضجت خلاله حركة الشعر الحر وبلغت أوجها. ولم يكن لهذه المجموعة ولا لمجموعتيه الأخريين (المدار المغلق، ولوعة الشمس) اللتين صدرتا في ما بعد صوت ولا صدى، لا في العراق ولا في غيره من الأقطار العربية. فمن الثابت أن هذه المجموعات لم تثر اهتماماً يذكر في الأوساط الأدبية كما حدث عند صدور مجموعة عبد الوهاب البياتي (أباريق مهشمة) ومجموعة بدر شاكر السياب (أنشودة المطر) ومجموعة أدونيس (أغاني مهيار الدمشقي) مثلاً. وهي لم تؤثر في أي شاعر، ولم تؤهل صاحبها لأي موقع ريادي، وقد طواها النسيان بعد مدة قصيرة جداً من صدورها، وامتنع عن الكتابة عنها حتى صديقه الشاعر توفيق صايغ، رغم إلحاحه عليه، ولي دراسة مطولة منشورة عن مجموعاته تكشف عن تأثرها الكبير، الظاهر والخفي، بشعر صايغ نفسه. وإذا كان هناك من كتب عنها، عند صدورها، فذلك بدافع من العلاقات الشخصية والمجاملات العابرة وليس أكثر. وما لنا نذهب بعيداً، فجبرا نفسه يعترف ضمناً بضعف تجربته الشعرية، فالشعر كان نشاطه الأقل، كما قال في موضع (11) وهو لم يحقق في ما كتب منه كل ما قاله عنه، كما قال في موضع آخر (12).لعل شحنة جبرا كانت موجودة في أفكاره. إذا كان الأمر كذلك فعن أي طريق أوصل هذه الأفكار إلى المبدعين العراقيين ؟ أعن طريق اللقاءات المباشرة، أم عن طريق كتاباته النقدية ؟في حواره مع زهير ماجد أخبرنا بأنه وصل بغداد في أواخر عام 1948، وهذا يعني بشكل قاطع أنه وصل بعد أن انطلقت شرارة التجديد على يدي نازك الملائكة وبدر شاكر السياب بنحو عام. فالمعروف أن قصيدة السياب (هل كان حباً) قد كتبت بتاريخ 29 / 11 / 1946، ونشرت في ديوان (أزهار ذابلة) في أواخر عام 1947. والمعروف أيضاً أن قصيدة الملائكة (الكوليرا) قد كتبت عام 1947 ونشرت في العام نفسه. ومن يطلع على الطبعة الأولى من ديوان السياب (أساطير) يجد أن قصائده الجديدة قد كتب كلها عام 1948 وبتواريخ تسبق مجيء جبرا إلى العراق (13). وكذلك الأمر بالنسبة لمجموعة الملائكة (شظايا ورماد). بل أن مقدمة هذه المجموعة المليئة بالحماسة للتجديد وبالتنبؤات الصادقة عن مستقبل الشعر العربي قد كتبت بتاريخ 3 / 2 / 1949 (14) أي بعد مدة وجيزة جداً من مجيء جبرا إلى العراق، وهي مدة لا تسمح بتحقيق تفاعل تنطلق منه شرارة التجديد، هذا إذا افترضنا، خلافاً للواقع، أن جبرا كان على صلة أدبية بنازك الملائكة خلالها(15). حتى بلند الحيدري كان قد نشر قصائد من هذا الشعر الجديد قبل مجيئه. (16) إذن فشرارة الشعر الجديد كانت قد انطلقت في العراق على أيدي ثلاثة شعراء عراقيين في الأقل (أو أربعة إذا أضفنا عبد الوهاب البياتي إليهم)(17) وتجلت في عشرات القصائد قبل مجيء جبرا إلى العراق واتصاله بالشعراء العراقيين. ولكن لنتساءل هنا هل كانت له بهم أصلاً مثل هذه الاتصال ؟ المؤكد أنه لم تكن لجبرا أية صلة مباشرة أو غير مباشرة بالشاعرة نازك الملائكة والشاعر عبد الوهاب البياتي. فنازك الملائكة كانت الأنثى الوحيدة بين الشعراء الجدد، ولم يكن هذا، ولا الوسط الاجتماعي المحافظ الذي تنتمي إليه ليساعدا على أن تلتقي به أو بغيره من زملائها الشعراء. أما البياتي فلم يكن على وفاق مع الوسط الذي يلتقي جبرا به، ولا مع جبرا نفسه، وظل كذلك حتى رحل هذا الأخير إلى العالم الآخر. ثم أن جبرا نفسه لم يذكر أنه التقى بنازك أو بالبياتي في من ذكر أنه قد التقى بهم، وفي هذا الكفاية.فماذا عن السياب، هل التقى بجبرا، ومتى ؟علي هنا أولاً أن أصحح خطأ وقع فيه الدكتور المجالي. فقد توهم أن السياب كان (من طلاب جبرا) في دار المعلمين العالية، وهذا غير صحيح. فقد دخل بدر هذه الدار عام 1943 وتخرج فيها عام 1948، وعين بعد تخرجه مدرساً في ثانوية الرمادي (في مدينة الرمادي) التي تبعد نحو 100 كم عن بغداد، وجبرا لم يكن قد جاء بعد إلى العراق. أما بعد ذلك فلم يلتق جبرا بالسياب قبل أواخر عام 1954. وليس هناك شهادة واحدة، ولا دليل واحد يفيد بخلاف ذلك. فقد كان كل منهما من وسط مختلف عن الوسط الذي يلتقي فيه الآخر. كان السياب يسارياً يلتقي بزملائه من الأدباء اليساريين وبعض زملائه البصريين أو الذين زاملهم في البصرة حين يكون في بغداد، بينما كان جبرا يلتقي بآخرين أغلبهم من أبناء أرستقراطية العاصمة، ولم تكن ظروف كل منهما، الخاصة والعامة، تسمح لأحدهما بأن يلتقي بالآخر، وخاصة ظروف السياب.وماذا عن بلند الحيدري ؟بلند الحيدري هو الوحيد من بين الشعراء الرواد الذي التقى بجبرا بعد مجيئه إلى العراق بمدة وجيزة (عام 1949) ولكن حتى هو كان قد عرف طريقه إلى الشعر الحديث قبل مجيئه بمدة، وكان ينشر قصائده الجديدة في مجلة (الأديب) اللبنانية، حتى أن جبرا نفسه فوجئ ودهش لشبه شعره بـ (شعر الغرب) و(للشبه العجيب بين روحه وروح الشعر الإنكليزي المعاصر مثلا). وتحدث عن هذا الشعر بإعجاب في المقدمة التي كتبها يومئذ لديوانه (أغاني المدينة الميتة). فوصف قصيدته بأنها (وحدة متكاملة).. (تستهدف وحدة الموضوع وقوته وبروز جماله) حتى أنك (لا تستطيع أن ترفع بيتاً واحداً من مكانه فيها دون أن تترك فجوة ظاهرة في المعنى والتركيب). هذا مع أن تجربة بلند كانت في بداياتها وكانت أضعف من تجربتي زملائه. إذن فبلند كان يجدد، ويكتب شعراً (بين روحه وروح الشعر الإنكليزي المعاصر شبه عجيب) قبل أن يتعرف على جبرا ويتصل به (18).وهكذا يظهر أن شرارة حركة الشعر الحر قد انطلقت، وكتبت عشرات القصائد من هذا الشعر، وتبلورت قواعده العروضية والكثير من تقنياته الفنية، وانتشر بين الشعراء العراقيين الشباب الآخرين مثل شاذل طاقة ورشيد ياسين وكاظم جواد وصالح جواد طعمة وصفاء الحيدري، وآخرين، ثم انتقل إلى أقطار عربية أخرى، دون أن يكون لجبرا يد أو دور في كل ذلك. وإذا كان صحيحاً أن (ظهور الشعر الحر لا يرتبط بشاعر بعينه) وأن هذا الشعر كان ثمرة (عمل جماعي مشترك) كما قال الدكتور محمد المجالي، فإن من أسس لهذا العمل ونهض به وجعل منه (ظاهرة شعرية مستقلة) هم الرواد العراقيون الأربعة : الملائكة، والسياب، والبياتي، والحيدري، وليس غيرهم. أما إسهامات شعراء الأقطار العربية الأخرى فجاءت متأخرة. فالشعراء الأربعة هم من حول كتابة هذا الشعر من المبادرات الفردية، القليلة والمتباعدة، قبل عام 1948، إلى حركة جماعية متصلة بعد هذا العام، وهم من وضع قواعده العروضية وأسسه الفنية، وهم من قدم النماذج الأولى منه، وهم من طورها، وكانت هذه النماذج تنشر تباعاً في مجلة (الأديب) اللبنانية منذ عام 1949، ثم فيها وفي مجلة (الآداب) عند صدورها في مطلع عام 1953، ثم اقتفى أثرها بقية الشعراء العرب بعد ثلاث سنوات من انطلاق شرارتها في الأقل، وكان نزار قباني أول من اقتفى هذا الأثر في قصيدة (حبلى) التي نشرها في مجلة (الأديب) عام 1952 ثم تلاه شعراء عرب آخرون مثل فؤاد الخشن (من لبنان) ومحيي الدين فارس (من السودان) ثم صلاح عبد الصبور (من مصر). وكان التنافس الشديد بين الشعراء العراقيين الأربعة، وخاصة التنافس بين السياب والبياتي، هو الذي طور تقنيات هذا الشعر، وليس جبرا وثقافته الخاصة كما توهم الدكتور المجالي.إذن هل وصلت أفكار جبرا عن الشعر الحديث عن طريق كتاباته ؟كان يفترض بـ (رائد الشعر العربي الحديث) أن يمارس (ريادته) هذه في كتاباته النقدية حتى نقر له بها، خاصة وقد جاء إلى العراق وهو (مليء بفكرة ضرورة التجديد) كما يقول. كان يفترض فيه، كما أتصور، أن يقدم قراءة نقدية جديدة لواقع الشعر العربي في تلك الحقبة، ورؤية واضحة لماهية التجديد الذي ينشده، ويواكب الحركة الشعرية الجديدة بالدراسة والنقد، ويقدم صورة عما وصل إليه الشعر الحديث في العالم، ويعرف زملاءه العراقيين ببعض الشعراء المحدثين في بريطانيا وبقية أنحاء العالم، ويضع بين أيديهم نماذج من أشعارهم، فهو أوسع ثقافة منهم، وهو يتقن الإنكليزية، وقد جاءهم تواًَ من كيمبردج، ووجد بينهم الأرض الخصبة التي يمكن أن تتلقى منه عشقه للتغيير والتجديد، كما تقول عبارته. فهل فعل هذا، أو شيئاً منه ؟ كلا ! حتى أن ناقداً آخر بعيداً هو الدكتور إحسان عباس كان أكثر منه اهتماماً بهذه الظاهرة الشعرية الجديدة والكتابة عنها. كان عباس يومئذ يدرّس في جامعة الخرطوم في السودان ويرصد هذه الظاهرة من هناك ويكتب عنها، ويراسل بعض المجلات العراقية ويكتب فيها. أما هو، جبرا، فكانت له اهتمامات أخرى مختلفة. qadqpt