بيروت ـ من إيلي عبدو: تستقر لوحة الفنان العراقي جبر علوان على حمولة لونية صاخبة، غالباً ما تحوّل مشاهدها إلى متلقٍّ شره لا يشبع من الدفق المشهدي المعروض أمامه. راقصات وعازفون ورواد مقهى يتوزعون على ستين لوحة عرضها علوان في مركز بيروت للفن تحت عنوان ‘حالات’ ليكثف من خلالها الشهوة والغواية والمرأة والموسيقى والوحدة، حالات علوان تختصر تجربته التشكيلية الطويلة.
هنا حوار مع الفنان يستعرض نقاط إشكالية حول هذه التجربة، إنطلاقاً من معرضهالاخير.
‘ يطغى اللون في لوحتك على بقية العناصر، كيف تقيم هذا الأمر ؟ وهل تجده لصالح العمل الفني أو ضده؟
‘ لا اجد طغياناً لونياً في لوحتي، وانما قوة. من خلال اللون أبني الموضوع والفكرة والمساحات. اللون هو العنصر الأساسي الذي من خلاله يظهر الموضوع. لست أنا أول فنان يشتغل باللون، هناك مدارس عديدة تشتغل على اللون الذي يعتبر بوجهة نظري المادة الاساسية للعمل التشكيلي.
‘ وكأنك تقول ان اللون ليس خصوصية في تجربة جبر علوان وإنما هو جزء من عام تشكيلي؟
‘ لا هناك خصوصية. اللون يمتد عندي من الشرق وصولا إلى تجربتي في الغرب، هو ممزوج بحضارتي وبثقافتي وبرؤيتي البصرية. صحيحٌ أنني استخدم ألوان فيها مادة أوروبية ولكن فيها أيضاً روح الشرق. ما يميزني عن كثير من الفنانين هو التجربة في اللون وتحديداً الذاتية في التعامل معه.
‘ هل تخشى أن يأتي اللون على حساب عناصر أخرى في اللوحة ؟
‘ اللون يُصنع ويبني اللوحة. يتماهى بالحالة التي أرسمها ويتنوع معها، مثلاً هناك حالات عن الوحدة تحتاج إلى لون محدد وحالات عن الحزن تحتاج إلى لون آخر .. اللون مادة لبناء موضوع ما وليس مجرد عنصر منفصل.
‘ لماذا تبدو لوحاتك بعيدة عن التفاصيل، نراها كأنها مشهد لوني كلي وعام ؟
‘ أنا اشتغل على أفكار من خلال فن تشخيصي يجسد الإنسان رجلا أو امراة. لا أدخل في التفاصيل الضيقة في ملامح الوجه. اسعى إلى رصد الحالة الروحية للفرد، وبالتالي يبدو في بعض الأحيان أن لوحاتي تحتوي على تجريد، هذا غير صحيح لأن الافكار مُشخّصة بشكل واضح. وأهم ما في اللوحة أن لا تسقط في التصوير الفوتوغرافي وتفاصيل الجسد ،لا بد من التلاعب بين الغموض والوضوح، وعند التشخيص يجب أن يبدو الشخص موجودا بدون أن نعرف من هو.
حين نذهب إلى الوضوح تفسد اللوحة.
‘ إلى أي درجة تستفيد من تقنية الظل والضوء، الظاهرة بوضوح في أعمالك، عند ممارسة لعبة اللون ؟
‘ استفيد كثيراً، اللوحة مبنية أساساً على تقنية الظل والضوء ولكن الضوء الذي استخدمه لا يأتي من جهة معينة، هو ضوء غير واقعي، مُفتعل. هذه التقنية مرتبطة أساساً بتدرجات اللون وقوته، وهي تكتيك خاص بالفنان وخلاصة بحث يمكن أن يساعد في أن يكون في اللوحة ميزة خاصة. كما يمكن استخدام الضوء في حالات الرسم، ففي حالة الرقص هو جانب مضيء من الراقصة. اللوحة مترابطة بكل أجزائها من الضوء إلى اللون وصولاً إلى الشكل والمساحة.
‘ ما هي مرجعياتك التي كونت من خلالها معجمك اللوني؟
‘ جاءت نتيجة البحث والدراسة للفنون كاملةً من عصر النهضة حتى الآن إضافة إلى
رؤيتي للشارع، الناس ماذا تلبس؟ كيف تمشي؟ إضافة إلى مراقبتي لحركة الضوء في المدينة، هذه الاشياء هي مصدر أساسي في خلق هذا التراكم اللوني.
‘ على ذكر عصر النهضة ألا تشعر ان لوحات معرضك ‘حالات’ تنتمي إلى هذا العصر، لاسيما تجسيدك للمرأة بأوضاع جدّ مألوفة، كيف تدافع عن فكرة أن لوحاتك تميل إلى الكلاسيكية؟
‘ أنا بعيد كل البعد عن عصر النهضة، اعتبر نفسي فنانا معاصرا، حاولت أن استفيد من تقنيات هذا العصر والمدارس التي جاءت بعده، ولكن في كل لوحاتي أحاول أن ابتعد عن فنون النهضة.
‘ هل تندرج المعاصرة أيضاً على موضوعات لوحاتك التي تجسد عازفين ونساء ومشاهد رقص؟
‘ هذا أكيد. المعاصرة تبدأ من طريقة عملي واستخدام اللون مروراً ببناء اللوحة وصولاً إلى الحالات التي أرسمها .
موضوعاتي تتحدث عن الإنسان العربي وواقعه اليوم وما يدور من حوله من وحدة ورقص وموسيقى. أي حالات الإنسان اليومية في المنطقة العربية، وبالتالي عملي معاصر لانه يتابع الاحداث للوضع اليوم.
‘ ولكن، كيف يمكن أن يكون معرضك على اتصال مع أحوال الانسان العربي وهو يجسد موضوعات الرقص والعزف والموسيقى، فيما الإنسان العربي نفسه يعيش اليوم على وقع العنف والاضطرابات؟
‘ المعرض اسمه حالات، ويتناول حالات الانسان العربي الذي وصل إلى مرحلة من الاحباط والجنون والرحيل، وهناك حالات أخرى تمثل الموسيقى والرقص والغواية والوحدة، وبالتالي هي حالات متعددة قد تنطبق على إنسان يعيش في منطقتنا، كما تنطبق أيضاً على إنسان يعيش في أوروبا. هذا المعرض متعدد وشامل بالنسبة لي، يضم ستين عملاً واعتبره من اكبر معارضي في الشرق الأوسط.
‘ لأي مدى تجد أن ما حصل مع الربيع العربي في منطقتنا يستدعي من الفنان أن يغير بتقنياته وأسلوبه وموضوعاته؟
‘ تعتمد على كل فنان، فهو حر بأي مادة يعبر ويرسم. أدوات الابداع كثيرة ومتعددة،
لكن أنا أعتبر نفسي في إطار لوحة الحالة .
ليس الموضوع هو ما يحدد طريقة الرسم وإنما الفنان كيف ينظر إلى الحالة التي يريد رسمها.
‘ يعني ألا تعتقد أن هناك طريقة بالفن تنتمي إلى الربيع العربي ؟
‘ لا يوجد فن ينتمي إلى حركة الواقع، الفن يرسم حالة لا علاقة لها بالربيع العربي أو الإحباطات العربية، الفن ينظر إلى الإنسان بعمق، فلا يرسمه في الثورة وإنما يرسم حالته فيها.
‘ إنطلاقاً من الموقع الذي حددته لنفسك كفنان معاصر كيف تنظر إلى الفنون الحديثة كـ’بوب أرت’ و’الفيديو’ و’التجهيز’، وهل يمكن أن تخترق هذه التقنيات أعمالك مستقبلاً؟
‘ اعتقد أن الفنون سابقاً كانت عبارة عن مدرسة تبنى فوق مدرسة بشكل عامودي، الآن أصبح كل شيء يمكن استخدامه في الفن، لكن الأهم كيف يتم توظيف هذا الشيء في العملية الإبداعية. و بالنسبة لي، لا أميل إلى إدخال الفن الحديث إلى لوحتي بحكم ذائقتي الفنية.
‘ لماذا جميع لوحات معرضك كبيرة لا نجد اي لوحة صغيرة أو متوسطة؟
‘ العمل الكبير يمنحني حرية واسعة برسم الأفكار والفضاءات وتحريك الفرشاة، أشعر بحرية داخلية أكثر مع اللوحة الكبيرة.
‘ تبدو بعض خلفيات لوحاتك غير مشغولة،عبارة عن مساحة لونية فقط ؟
‘ هذا مرتبط بالحالة التي أرسمها في بعض الأحيان احتاج أن تكون المساحة اللونية كبيرة حول الأفكار المجسدة، هو فضاء أشبه أن يكون إنسان يعوم في البحر ولا يغرق.
‘ في بعض اللوحات هناك كتل لونية جانبية تكسر النسق العام للمشهد التي صنعته ما تفسير ذلك؟
‘ هدف ذلك خلق توازن داخل اللون عبر لطخة أو بقعة لونية أو كتلة صغيرة.
‘ المرأة موجودة بقوة في معرضك بكافة أحوالها، لدرجة أنها تبدو محتكرة لفكرة التشخيص، هل تتفق مع هذا التوصيف؟
‘ تناولت المرأة في حالات متعددة، الراقصة والأم والحامل، لأن المراة هي عنصر أساسي في الفن التشكيلي، عموماً أنا لست أول فنان ينشغل بهذه الثيمة كل الفنانين تناولوا المرأة بأشكال مختلفة، بعضهم تناولها كجسد أو حالة تعبيرية، أنا أفضل تناولها كحالة روحية بحيث أغوص في داخل المرأة وأفتش في أعماقها.
‘ هل تتابع أعمال التشكيليين العراقيين الشباب ؟
‘ لا مع الاسف أنا أعيش بعيداً عن العراق منذ أربعين عاماً ولكن أظن من خلال ما أشاهده من أعمال في بعض المعارض العربية، أن المشهد التشكيلي العراقي بخير.
‘ تتراوح اسعار لوحاتك بين 15 و 35 ألف دولار، لأي مدى تخشى أن ترتبط لوحتك بلعبة السوق؟
‘ هذا السؤال لا يُسأل للفنان التشكيلي. هذه مسألة ترتبط بصالات العرض وهذا الأمر منفصل عن العملية الفنية. أنا مهمتي انهاء اللوحة فقط.