عمان ـ «القدس العربي»: محاولات بعض الأطراف الأردنية تنشيط اتصالاتها مؤخرا مع قادة عشائر وقبائل ومكونات البدو والدروز في المنطقة السورية المحاذية لبادية شمال الأردن ما هي إلا خطوة اضافية في سياق التسارع الكبير في آليات التعاون الأردني السوري والتي طفت على سطح الأحداث كعنوان جديد يتعامل مع معطيات الواقع.
حلقات مختصة بدأت تنشط في الأردن بين قيادات من البادية الشمالية محسوبة على الدولة الأردنية ورموز ومشايخ يمثلون تلك المكونات الاجتماعية الغالبية في مناطق مثل جنوب السويداء وعمق جبل العرب المحاذي وحتى في الجزء الغربي من منطقة درعا وفي تلك النقاط الحيوية الفاصلة بين جبل العرب وبين صحراء تدمر السورية حيث تتمركز قوات تنظيم «الدولة» التي أعلن الأردن رسميا الحرب عليها.
هذه الاتصالات قد تكون الحلقة الأخيرة المستجدة في مجال الاستثمار بالمكونات القبلية والاجتماعية السورية المحاذية لحدود الأردن في منطقة الرمثا شمالا والجبال الوعرة عند البادية الشمالية.
في أكثر من محطة أكد رئيس مجلس النواب السابق سعد هايل السرور للـ»القدس العربي» ان جغرافية المنطقة فيها حتمية التواصل، مشيرا إلى ان التشابك الاجتماعي بين الأردنيين وتلك المناطق يتجاوز في أعماقه العادات والتقاليد الواحدة ويعود في جذوره إلى عدة عقود قبل الأزمة السورية الأخيرة.
ثمة من يفترض في صالونات وأوساط عمان هذه الأيام ان الفرصة ولعدة أسباب أمنية وسياسية وإقليمية ودولية باتت سانحة أكثر من أي وقت مضى لإحياء مشروع التواصل الأردني المباشر مع مكونات الدروز وبعض العشائر من أهل درعا والسويداء تحديدا.
على أعتاب الغارة الجوية الأردنية المتقنة التي ضربت موقعا لتنظيم «الدولة» في حضن الفاصل الجغرافي بين السويداء ودرعا يمكن توقع وتنبؤ المزيد من الاسترسال في احياء مشروع قديم تحدث عنه الأردن علنا ومرات عدة وتعثر في الكثير من المفاصل في الماضي بعنوان تسليح العشائر السورية في المنطقة وادماجها في مشروع واحد يحارب الإرهاب.
عندما تتحدث الحكومة الأردنية عن الإرهاب في سوريا تقصد حصريا وبصورة أولى ما يسميه وزير الاتصال الناطق الرسمي الدكتور محمد المومني بـ»عصابة داعش الإرهابية».
لا يوجد ذكر متكرر في أدبيات الأردنيين لجبهة النصرة أو لمقاتلي الجيش الحر، لكن المومني قال لـ»القدس العربي» مجددا ان سلطات بلاده تراقب كل صغيرة وكبيرة على الحدود مع سوريا وستعالج أي محاولة للاقتراب من قبل عصابة «الدولة» الإرهابية وبالنار المميتة كما وصف.
من لغة التهديد إلى لغة الضرب المباشر
الأردن تحول بعد الغارة المعلنة بطائرات بلا طيار العام الماضي من لغة البيان والكلام والتهديد إلى لغة الضرب المباشر، وهو تحول كبير فرضته أجندة المخاوف الأردنية والأولويات المتعلقة حصريا بطرد تنظيم «الدولة» من منطقة شرق درعا ومن مدينة تدمر الصحراوية التي يرى الخبراء العسكريون انها تشكل تهديدا على الحدود الأردنية حيث تفصلها عن حدود الرمثا مسافة لا تزيد عن 20 كيلوا مترا.
يعتقد وعلى نطاق واسع ان الأردن بدأ يستعد في حضن خاصرته الشمالية لسيناريو المنطقة العازلة. وذلك بلغة العسكر يتطلب خطوات محددة أبرزها تطهير المنطقة بعمق لا يقل عن 40 كيلومترا من تنظيم «الدولة» واخراج قواته من مدينة تدمر واحياء مشروع تسليح العشائر في السويداء وجبل العرب أولا ثم درعا ثانيا.
ما كان يحول دون تنفيذ هذا المشروع سابقا فتور وعدم حماس غرفة العمليات الأمريكية والرفض المطلق من قبل النظام السوري لأي تدخل عسكري أردني أو إطلاق نار أردني داخل الأرض السورية.
الوضع اليوم تغير، فإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غيرت المعطيات ومنحت الأردن الضوء الأخضر اللازم للتفاوض مع روسيا مباشرة وهو ما حصل في الوقت الذي تبدلت فيه اللهجة السعودية تحديدا حول ضرورة التعاطي مع معطيات الواقع الموضوعي في سوريا.
بمعنى آخر يحظى الحراك الأردني المناور وبعد سلسلة من اللقاءات المباشرة النادرة مع ممثلي المؤسسة العسكرية السورية بموافقة من جميع الأطراف. وعليه بدت هذه الموافقة التي لا تعترض عليها اليوم القوى الإقليمية مناسبة تماما لان يتصدر الأردن مجددا بالتزامن تفاهماته مع موسكو وواشنطن ترامب الجهود التي تقنع المجتمع الدولي ان سيناريوهات العمليات في جنوب سوريا وفي درعا وباديتها الجنوبية وصحرائها غير ممكنة من دون الأردن وهو ما قاله لـ»القدس العربي» ومرات عدة وزير الداخلية الأردني الاسبق وعضو البرلمان حاليا الجنرال مازن القاضي الذي يعتبر أيضا من الخبراء القلائل في جغرافيا ومكونات المنطقة.
على هذا الأساس يمكن ببساطة تجميع تلك المعطيات التي تؤشر إلى الأهداف الباطنية العميقة للحراك والمناورات الأردنية بحيثياتها العسكرية في الجنوب السوري المحاذي، وهو تجميع بدأ يلمح ضمنيا إلى تصعيد محتمل ووشيك في الاتصالات الخلفية المعنونة بتسليح الدروز والعشائر واشراكهم في المعركة التي يريد الأمريكيون ان تكون حاسمة على الأقل ضد تنظيم «الدولة».
يحصل ذلك وسط إدراك أردني مسبق بأن الخبرة الذاتية في ملف المكونات الاجتماعية لجنوب سوريا يمكن استثمارها وتوظيفها مجددا لضرب عدة عصافير بحجر واحد.
بسام البدارين