‘جبل ونار’ رواية ليحيى يخلف: بحث في الهوية الفلسطينية

حجم الخط
0

باريس ـ الطيب ولد العروسي: تشعبت خيوط القضية الفلسطينية بين الحلم والواقع ومرت باضطرابات متنوعة ومتباينة نتيجة لأوضاع سياسية وإنسانية، منها ما هو راسخ في القدم ولا يحركه أيّ كان، مهما كانت قوته وجبروته، لأن الحق يعلو على كل الترهات والأكاذيب، ومنها ما هو مصطنع يوظّف لنفي هذا التجدر الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وأرضه، بحيث نلاحظ أن كل القوى المعادية للقضية الفلسطينية تسعى دوما لتشويه الوقف الوطني الفلسطيني وبلا شك فإن كل من يقف وراء حملات الطعن هم من فقدوا الأخلاقيات والصدق، ومن هنا نرى بأن هذه الثنائية تتمثل في الكثير من الأعمال الإبداعية العربية والفلسطينية تلك المدافعة عن الحق الفلسطيني بشكل موضوعي خال من الادعاءات وخارج الانتماءات البعيدة عن الوصايا السياسية النافية لكل قذارات التشكيك والتشويه والغارقة في الماقبليات دون أي رادع أخلاقي أو أمانة موضوعية تجاه التاريخ الفلسطيني.

في هذا الإطار يشدنا هذا العمل الروائي الضخم ‘جنة ونار’ للمبدع الفلسطيني يحيى يخلف، الصادر في القاهرة عن دار الشروق في 400 صفحة و سبعة وثلاثين فصلا، في قلب تشعبات وتداعيات القضية الفلسطينية عبر بطلات وأبطال يؤكدون شرف القضية ويربطونها بعروة وثقى لا تنفصم بل تأصل تمتين الهوية الفلسطينية وهم أي أولئك المناضلين رجالا ونساء من تحملوا الشقاء والخوف على قدسية القضية ومتحلين بالتحدي وإثبات الذات مهما كلف ذلك من انعكاسات ومتاعب، لأن القضية الفلسطينية قضية إستراتيجية بالنسبة للشعب الفلسطيني بالأساس، حيث يقاوم الإنسان، وحيث تزرع كل يوم شجرة للكرامة’ ( ص192). وفلسطين هي أرضهم ومنابع آمالهم وآلامهم، استوطن فيها أناس آخرون بالقوة لا تربطهم بها تلك الروابط التاريخية والثقافية التي تشهد عن ذلك منذ القدم على أن سكانها وأهلها هم فلسطينيون منحدرون من الأرض والتاريخ والهوية، وأما الآخرون فهم إما جاؤوا كمستعمرين أو يمثلون أقليات فيها عبر التاريخ، لأن هذه الأرض الطيبة هي فضاء لالتقاء الأديان والحضارات والثقافات، وبالتالي فهي أرض ذات رسالة مهمة واستثنائية في مجال التنوع والاختلاف والمحبة.

هذا بعض ما يتطرق إليه السارد/ الروائي، الذي تحدث عن تاريخ فلسطين الثقافي والفكري منذ ما قبل الكنعانيين حتى اليوم،’ وأول الشعوب التي سكنت فلسطين، وكونت المجتمع العمراني والممالك، كان الكنعانيون، الساميون العرب الذين هاجروا من الجزيرة موجة إثر موجة على مئات السنين’ ( ص 134)، مما يثبت جدارة الهوية الفلسطينية ورسوخها في تلك الأرض الزكية. يمر الوطن بمراحل اضطرابات مختلفة، لكن أكبر اضطراب عرفه هو بداية ‘تطبيق’ وعد بلفور، ثم بدأ الاستيطان الصهيوني وطرد أصحاب الأرض بطريقة بشعة على مسمع ومرأى من العالم، لا بل وبتزكية من القوى العالمية الكبرى آنذاك، انجلترا، أمريكا، وغيرهما.

تسبب هذا الاحتلال في تشتيت الفلسطينيين على المنافي العربية: لبنان، سورية، الأردن، وفي بعض الدول الغربية، وكانت نتائج هذا التشرد مخيفة لأنه مزق وحدة الأسر، بل وحتى داخل الكثير من العائلات التي بقي منها جزء في فلسطين المحتلة، وآخرون هجّروا قسرا إلى لبنان أو سورية أو إلى أماكن أخرى من العالم حيث بدأت رحلة الشتات الفلسطيني، انطلاقا من هذا الواقع الأسود، حيث كان الشعب الفلسطيني على أرضه ينعم بخيرات بلده وبين أهله، وجد نفسه مجوّعا ومتنقّلا من فضاءاته.

تأتي قضية (سماء) إحدى بطلات رواية ‘جنة ونار’ حيث قامت بتربيتها عائلة فلسطينية، بعد أن قام الغزاة بتعذيب والدتها التي تركتها دون أن تعرف ماذا حدث لها وأين انتقلت؟ بل ولا تدري إن كانت حية أو ميتة، سماء/ ليلى، لأن اسمها الحقيقي التي أعطته لها والدتها حين ولادتها هو ليلى/ وأنها تبنتها أسرة فلسطينية شرّدت هي الأخرى لتجد نفسها في بيروت، تربت عند عائلة أم أحمد، حتى دخلت الجامعة، وتوفي والدها الذي كان يريد أن يصارحها بالحقيقة، لكنه لم يستطع، غير أنها عرفت واقعها بعد موته، مما جعلها في حالة نفسية صعبة، ودفعها لأن تترك الجامعة وتذهب عند بدرية صديقة عائلة الأسرة التي ربتها، والتي قدمت لها يد المساعدة في البحث عن جذورها وعن أهلها، خصصت لها بدرية كامل وقتها ومعارفها ومعارف معارفها لكي تساهم في حل هذا اللغز وتساعدها في الوصول إلى جذورها العائلية. ‘أنا الأم الثالثة، قلبي عليك، وقلبك على حجر، لم أحملك في بطني ولكني أحملك في روحي ودمي، لن أتخلى عنك، ولن تكوني وحيدة، طريقي وطريقك واحدة، خطواتي وخطواتك واحدة، سأخطو معك، حدود المستحيل.. وليكن ما يكون، وما يسقط من السماء تتلقاه الأرض’ (ص.339). الجدير بالذكر أن أغلب الفلسطينيين الذين شرّدوا في المنافي أخذوا معهم مفاتيح بيوتهم، أو بعض الأشياء التي تربطهم ببئاتهم وحقولهم ومراتع صباهم وأحلامهم التي ولدوا فيها، وهذا ما حدث مع سماء، حيث وجدتها أسرتها التي ربتها مع رزمة من الأشياء المتمثلة في بعض المنسوجات ودمية. ‘فقدت أمها وهي طفلة رضيعة، أمها وضعتها على جانب الطريق في ذلك الربيع الحزين، وتركت إلى جانبها أقمشة مطرزة بالتطريز الفلسطيني التقليدي’ ( ص.206)، وعبر هذه المنسوجات حددت بعض النسوة ورجل كهل منبع وأصل وعائلة ‘سماء’ والتي ترجع إلى مدينة المجدل ‘بالتأكيد المجدل الواقعة شمال مدينة طبرية.. كنت أزورها، وأشتري منها سرجا لفرسي.. ويضع أهلها البسط والستائر.. واللحف والأغطية’ ( ص.180 من الرواية). وتقاطعا مع هذه الرحلة التراجيدية نجد قصة الانجليزي وهو شاب من أصل فلسطيني وجد نفسه في لندن حيث تربى ودرس وترعرع، وحينما شب راح يبحث عن جذوره هو الآخر، اتصل بالمخيمات وبالمناضلين، وحدد له بعض سكان المخيم أصله الآتي من نابلس بالضفة الغربية، حيث من المفروض وجود بعض من إخوته وجزء من أسرته، وكان أمله الوحيد هو أن يتعرف عليهم، حاول زيارتهم بجوازه الانجليزي، ولكن البوليس الإسرائيلي لم يتركه يدخل وأبعدوه، مما تركه في حيرة من أمره. ‘نعرف أنه يملك قلبا فلسطينيا، وعقلا أوروبيا، ونعرف حنينه لأسلوب الحياة والسلوك لأبناء شعبه’ ( ص188). يضاف إلى هذه الشخصيات نجيب زوج بدرية الذي يعيش بدون أوراق هوية، عاش طوال حياته مناضلا وفدائيا، ‘نجيب إنه رجل بلا هوية.. لا هو مواطن، ولا هو لاجئ، ولولا وجود زوجته بدرية لمات قهرا، أو أصابه الانهيار’ (ص206). ويعرف فلسطين بشكل كبير، حيث كان يذهب بطرق غير قانونية من حين لآخر، لكنه كبر وأخذ تقاعده وراح يهتم بحديقة البيت الذي يسكن فيه.

اجتمع به كل من الانجليزي وسماء وبدرية، ‘إنه وسماء نموذجان سأدرجهما ضمن بحثي عن الهوية الوطنية’ (ص206). وطلبوا منه أن يساعدهما في الذهاب إلى فلسطين، علهما يجدان أسرتيهما ويلتقيان بهما، إلى وطنهما، فكانت رحلة العبور من سورية إلى فلسطين المحتلة في غاية الصعوبة لأنها تمت عبر الجبال والمسالك الوعرة التي يعرفها نجيب. وحينما وصلا إلى فلسطين، ساعدهما صديق نجيب الشركسي وأوصلهما إلى عائلة أسماء، التي تعرفت على أهلها الذين ظلوا ذائعي الصيت في المنطقة بنضالهم وبمكانتهم الاجتماعية، وهكذا عادت وفضلت العيش في بلدها المجدل، وكانت قد صرحت لها والدتها أثناء الالتقاء بها قائلة: ‘من عشرين سنة أودعتك أمانة بعناية ربي، خبأتك في روحي وفي جروحي، حملتك بين ريقي وريقي وبين زندي وكبدي’ ( ص391). ثم تزوجت بالمحامي الذي دافع عنها من أجل استرداد أوراقها، وذلك بعد أن سجنها الاحتلال ‘ أودعتها السجن، وحاولت أن تبعدها، لكن آل العلمي لجأوا إلى المحاكم، سماء العتيدة واجهت المحققين، كبرت قضيتها، انتقلت إلى الصحافة إلى الكنيست، وصارت قضية رأي عام في الوسط العربي ظلت مرموقة، والمحاكم أوقفت قرار الإبعاد، تقدم لخطبتها المحامي العربي الذي كان يدافع عنها، وعقد قرانه عليها، وتقدم إلى السلطات بطلب لم شملهما’ ( ص.399). أما الانجليزي فلم يعثر على أحد من أسرته، مما اضطره إلى العودة من حيث أتى، كما زاد تعلقه بقضيته وهويته، وكان يعرف تاريخ بلده بشكل استثنائي لأنه قرأ الكثير من الكتابات والمؤلفات حولها، كما كان مولعا بالموسيقى. إذ أنه هو أيضا يبحث عن نفسه ‘حيث جئت أبحث عن نفسي، أنتم فلسطينيون قلبا وروحا وثقافة، أما أنا فإنني أشبه المستشرقين’ ( ص.197). وأنه تعلم في مدرسة ‘ بستالوزي مثل التسامح والحوار والسلام، علموه أن الحرب خطئيه من خطايا البشر.. التضحية من أجل الوطن هي عنصر من عناصر الهوية’ (ص.198). إننا نكتشف عبر هذه الرحلات المختلفة لهؤلاء الفلسطينيين والفلسطينيات ارتباطهم بهويتهم والبحث عن كل ما يجمعهم بها مرة أخرى ومهما كانت الصعوبات. لأنه وحسب الروائي ‘الغريق يتعلق بحبال الهوية’ (ص.258). تجدر الإشارة إلى أن الروائي بنى عمله هذا على مجموعة من الثنائيات انطلاقا من عنوان الرواية ‘جنة ونار’، مرورا بالذهاب والعودة، الحياة والموت، الخوف والأمل، الغياب واللقاء، المرأة والرجل، إلى غير ذلك مما يبين أنه أمام كل صعوبة أو مشكل هناك حل ما دام الإنسان متمسكا بالأمل وبإرادة التغيير، وعلى الفلسطيني أن لا ينسى وأن يستمر في مواجهة الاحتلال بكل الإمكانيات المتاحة. هذا علاوة على أن المرأة تلعب دورا مميزا في هذه القضية، لأنها هي البطلة وهي المساندة وهي المدافعة وهي المعاندة والمساعدة في العمل على إيجاد بديل مهما كلف ذلك من ثمن، وفي حالة أسماء فقد كلفها ذلك السجن، أما بدرية فتوفيت في ‘حصار بيروت عام 1992’. والأخريات اللائي كن قد لعبن دورا مهما في إرجاع المياه إلى مجاريها، وفي استعادة عائلة أسماء، هذا لا يقلل من دور الرجال الذين يقدمون في هذا العمل على أنهم يحتفظون بالذاكرة الجماعية ويتحلون بالشجاعة والإقدام والوفاء.

هكذا يقدم الروائي الفلسطيني يحيى يخلف من خلال عمله تعلق الإنسان الفلسطيني الحميم بوطنه وبأرضه. وأن ‘الجنة والنار’ مشيرا إلى عنوان الرواية، كما يقول الروائي بهاء طاهر ‘هنا صفتان لصيقتان تشيران إلى شيء واحد، إلى طراز معين لثوب نسائي فلسطيني هو محور هذه الرواية، والأصح أن تطريز هذا الثوب هو المحور. ولو شئنا الدقة لقلنا إن التطريز ذلك الفن الجميل الذي يصحبنا المؤلف في رحلة تدلنا على جمالياته وأسراره، هو في هذه الرواية أيضا تطريز وتشكيل منمنم للوطن’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية