جبهة التوافق العراقية في الامتحان!
هارون محمدجبهة التوافق العراقية في الامتحان!ثمة حقيقة سياسية في العراق، لا يمكن التشكيك بها أو القفز عليها، وهي أن من أعطي الشرعية مهما كان حجمها أو شكلها لحكومة نوري المالكي الحالية، هم من يدعون او يسمون أنفسهم بممثلي السنة العرب، وتحديداً جبهة التوافق، التي هرول قادتها وقبلوا بالفتات والفضلات التي رميت اليهم من مناصب حكومية هشة ابتداء من نائب رئيس الجمهورية، نزولاً الي نائب رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب، ووزراء التخطيط والتعليم العالي والثقافة والدولة للشؤون الخارجية، اما وزارة الدفاع فهي محسوبة صورياً علي الخانة السنية، لأن من اختار وزيرها هو الجنرال كيسي قائد القوات الامريكية في العراق في صفقة مع أحد قيادات التوافق، هذه معلومة يعرف بها الجميع من التوافقيين وغيرهم. وكان واضحاً من مشاورات تشكيل الحكومة الحالية ان جبهة التوافق لو امتنعت عن المشاركة فيها، لما أمكن للمالكي ان يؤلفها بهذه الطريقة، وأقصي ما كان لديه هو ان يشكلها من الائتلاف الشيعي والتحالف الكردي، علي غرار حكومة ابراهيم الجعفري العرجاء، ولكن الاختراق الذي حدث للتوافق وتواطؤ الحزب الاسلامي احد اطرافها مع التنظيمات الشيعية والكردية، سهلا الطريق امام المالكي ليقول ان حكومته تضم ممثلين عن المكونات الثلاثة (الشيعة والسنة والاكراد) وهو مصطلح ظهر في العراق عقب احتلاله، طبقه المستر بريمر في مجلسه الانتقالي وأخذ به أفراد شلته، وصار شبه قانون التزم به أياد علاوي في حكومته المؤقتة، والجعفري في حكومته الانتقالية وتبعهما نوري المالكي. والمشكلة ان الحزب الاسلامي برئاسة طارق الهاشمي ومؤتمر أهل العراق بقيادة عدنان الدليمي، وهما طرفان أساسيان في جبهة التوافق، عمدا الي إهمال الطرف الثالث المتحالف معهما في إطار جبهة التوافق وهو مجلس الحوار برئاسة اللواء خلف العليان، وراحا يتسابقان للاستحواذ علي المناصب الوزارية والحكومية، وكأن الامر غنيمة.. ماذا يأتي منها خير علي خير، دون ان ينتبها الي أنهما جرا الي لعبة مرسومة سلفاً لاحتوائهما والتضييق عليهما، وتحويلهما الي متفرجين وشهود زور لما يجري في العراق من تنكيل وتقتيل وتطهير طائفي وتهجير راح ضحيته الملايين من السنة العرب في بغداد ومحافظات الانبار وديالي وصلاح الدين والموصل وكركوك والحلة والكوت وسوق الشيوخ والبصرة، والمحافظة الاخيرة سجلت معدلاً عالياً في تهجير السنة العرب، فحسب سجلات الوقف السني جري تهجير تسعين الف مواطن عراقي سني منها، أسماؤهم مدرجة مع عناوين بيوتهم ومناطقهم وافراد عوائلهم، دون ان تتحرك جبهة التوافق عملياً لوقف هذه الكارثة واكتفت بالبلاغات الصحافية ودعوات التحذير الفارغة المضمون، وفي الاسبوع الماضي نشرت صحيفة اردنية تقريرا اقتصاديا جاء فيه: ان التقديرات تشير الي ان عدد العراقيين في الاردن وصل في الشهر الماضي الي مليونين ومائتي الف، أغلبهم من محافظات ومناطق سنية. وفي محافظة ديالي التي فاز فيها سبعة نواب للتوافق من اصل اثني عشر نائباً، وهي المحافظة التي تتعرض منذ اسبوعين الي هجمة طائفية وعنصرية وشعوبية تقودها (الفرقة الخامسة) وغالبية ضباطها من الشيعة الصفويين والاكراد الانفصاليين، اشتملت علي تفجير وتهديم اكثر من سبعمئة منزل في اقضية بعقوبة والمقدادية والخالص ونواحي بهرز وجلولاء والسعدية ومنصورية الجبل وخان بني سعد، واعتقال اكثر من اربعمئة مواطن اقتيدوا من البيوت والمقاهي ومحلات العمل، دون ان تبادر التوافق الي اتخاذ موقف وطني رصين لوقف هذه الهجمة العدوانية، والمضحك في الامر ان هذه الفرقة العسكرية وهي فرقة موت بإمتياز تابعة إدارياً وعسكرياً الي وزارة الدفاع التي يتولاها يا للمفارقة وزير يقال انه سني ومحسوب شكلياً علي جبهة التوافق. أما موقف الجبهة مما يحدث في بغداد ومحافظات الانبار وكركوك وصلاح الدين والموصل، من اقتحامات ومداهمات وقتل وترويع وخطف لابنائها، فشيء مخز في الحقيقة، كل الذي نسمعه منها جعجعة بلا طحن او طحين، تصريحات بلهاء وبيانات جوفاء،والتزام الصمت وإخفاء الرؤوس، ومجاملة الطرفين الشيعي والكردي، وتصوروا ان رئيس مجلس النواب محمود المشهداني وهو احد اقطاب التوافق يذهب الي قصر عبدالعزيز طباطبائي الحكيم للاجتماع به وربما لتقديم فروض الطاعة له، رغم ان الاعراف والتقاليد البرلمانية تحدد بان رؤساء الكتل النيابية وطباطبائي واحد منهم، هم الذين يذهبون الي رئيس المجلس ويجتمعون معه في مكتبه، لا العكس كما يحصل في برلمان المنطقة الخضراء. بالمناسبة.. خلال زيارة المشهداني الي العاصمة الاردنية عمان في نهاية آب (اغسطس) الماضي، دعي الي وليمة أقامها احد العراقيين الاثرياء المقيمين في عمان، وعقب تناول الطعام والاسترخاء لشرب الشاي، سأله احد المدعوين، هل صحيح يا دكتور عندما تذهبون الي اجتماعات مجلس النواب في المنطقة الخضراء، يسرح الجنود الامريكان الكلاب البوليسية لتقوم بـ(شمكم) كجزء من اجراءات التفتيش؟ فرد عليه رئيس البرلمان وهو معروف بالظرف وحب النكتة: يا ليت هذه الكلاب الملعونة تكتفي بالشم.. وإنما تلجأ الي (اللحس) أيضاً! إن الموقف الوطني الذي يحتم علي جبهة التوافق ان تتخذه في مثل هذه الظروف القاسية التي يمر بها العراق ان توعز الي اعضائها في الهيئات الحكومية بالاستقالة من مناصبهم والاكتفاء بعضوية مجلس النواب، لأن وجودهم في مواقعهم الحكومية دون فاعلية وتأثير يوحي بانهم ضالعون في جرائم الحكومة وانتهاكاتها، خصوصاً وانهم مهمشون بل ومجمدون ويتعرضون الي انتقادات واتهامات يومية، لا اول لها ولا اخر، والامثلة كثيرة ومنها، ان نوري المالكي رئيس الوزراء عندما قام بزيارة الي واشنطن قبل شهرين وخلا موقعه الرسمي في بغداد الذي من المفروض ان يشغله نائبه الاول كما يطلق عليه سلام الزوبعي مؤقتاً طيلة فترة الزيارة، حدث العكس فقد اصدر المالكي قراراً قبل سفره اصبح بموجبه برهم صالح الكردي النائب الثاني لرئيس الوزراء، رئيساً للحكومة بالوكالة، ولم نلاحظ او نسمع من الزوبعي اعتراضاً او احتجاجاً علي القرار مع انه صاحب حق قانوني ودستوري في هذه المسألة. والمثال الآخر يتمثل في وزير الدولة للشؤون الخارجية رافع العيساوي – من التوافق ايضاً- فهو رغم مرور خمسة شهور علي تعيينه في منصبه لم يقدر علي اصدار قرار او أمر وزاري واحد بتوقيعه، لان وزير الخارجية الكردي هوشيار زيباري صادر جميع صلاحياته التي منحت له عند تشكيل الحكومة، بان يتولي علاقات العراق مع الدول العربية والاسلامية، وحسب المعلومات المتداولة في أروقة وزارة الخارجية ببغداد، فان وزارة الدولة مجرد ملحق بوزارة الخارجية ووزيرها عنوان وظيفي ليس الا، لا شغل له ولا مشغلة! وتصوروا مرة اخري.. نائب رئيس جمهورية يتم اغتيال شقيقين وشقيقة له ـ يرحمهم الله ـ في فترات متقاربة من ميلشيات طائفية معروفة باسمها ومرجعيتها، دون ان يفعل شيئاً ملموساً لحماية اسرته علي الاقل، بالعكس فانه يظل متشبثاً بوظيفته التي تشبه (فزاعة خضرة) كما يقال في المثل الشعبي العراقي، والمسؤولية الانسانية قبل السياسية توجب عليه ان يمارس دوره الوظيفي علي ابسط تقدير، وإذا لم يتمكن او يمكن من ذلك، فليس امامه غير الاستقالة والعودة الي حزبه وكتلته النيابية، ومن خلالهما يستطيع اداء مسؤولياته كاملة بعيداً عن المجاملات مع الاطراف الاخري. ولاحظوا ما جري في مجلس النواب يوم الاربعاء الماضي عندما نجح الائتلاف الشيعي من تمرير قانون الاقاليم الفيدرالية بطريقة ملتوية، بل لم يكتف الائتلاف بتمرير المشروع وانما اهمل مادة كان قد اتفق عليها مسبقاً مع التوافق تنص علي اعطاء مهلة امدها سنة ونصف لتنفيذ هذا القانون، ونسب الي نائب رئيس مجلس النواب خالد العطية وهو من المجلس الاعلي قوله في تبرير هذا الاهمال: (ان تغيب نواب التوافق عن الجلسة وعدم تصويتهم للقانون يعتبر نقضاً للاتفاق السابق)، هكذا ببساطة وجه الائتلافيون لزملائهم التوافقيين ضربة موجعة بلا احترام للاتفاقيات والمواثيق المشتركة السابقة، وهذا يؤكد ان كتلة الائتلاف استخدمت جماعة التوافق جسراً لتمرير قوانين وقرارات ذات طابع طائفي، كما نجح التحالف الكردي في تطويع قادة التوافق واسكاتهم علي ما يجري في شمال العراق من اجراءات تقسيمية وانفصالية واستيلاء علي الثروات الوطنية واحتلال مدينة كركوك وبلدات عربية وتركمانية ومسيحية وتهجير سكانها واحلال اكراد اتراك وايرانيين فيها. جبهة التوافق في مفترق طرق وأمام امتحان، وعلي قادتها ان كانوا وطنيين حقاً ومخلصين فعلاً لمن انتخبهم علي الاقل، ان يبادروا الي مغادرة مناصبهم التي لا يهشون فيها ولا يبشون، واستثمار وجودهم في مجلس النواب فقط، والعمل علي كشف (بلاوي) وفضائح الائتلاف الشيعي والتحالف الكردي وما أكثرها، أمام الجمهور العراقي والرأي العام العربي والعالمي، وعندها سيحظون ليس فقط بالاحترام وانما بالتعاطف والتضامن والدعم من جميع العراقيين بلا استثناء.. فهل سيتعظون من الدرس الذي أخذوه، أم يبقون ينتظرون الفرج الذي لن يأتي اليهم أبداً.. ابداً.جبهة التوافق في امتحان.. فاما ان تكرم وتحترم، أو تهان.9