عبدالرحمن مجيد الربيعي
كل الحكومات التي تشكلت في العراق بعد الاحتلال فشلت، لأنها بدأت فاشلة، لا هوية لها ولا جذور، ولا قدرة لها علي الفعل الحقيقي لانها حكومات ممتثلة، طائعة، ذليلة، بدءا من تشكيلات مجلس الحكم ومرورا بحكومتي علاوي والجعفري وصولا الي حكومة المالكي الحالية.
هي حكومات خربت ما تبقي في البلد، وما سلم من ويلات يوم 9/4/2003 عندما هاجم الرعاع بغداد وافرغوها من كل ما فيها. سرقوا الآثار النادرة وحطموا ما لم يستطيعوا سرقته، واحرقوا المكتبات، فالعلم عدوهم، ووصل الحد بهؤلاء الرعاع الي سرقة اسرة المرضي من المستشفيات بعد ان يلقوهم ارضا، وهذه هي الخسة المتناهية.
لقد عرف نوري المالكي طعم الحكم حتي وان كان هذا الحكم تحت الهيمنة الامريكية، واصبحت اذناه تطربان لما يلقبه به البعض بدولة الرئيس، هكذا، فظن انه رئيس حقا! وعندما يسافر يقف مع (نظيره) في الدولة التي يسافر اليها ويستعرض حرس الشرف علي انغام السلام الجمهوري او الملكي مع السلام الجمهوري الاحتلالي الذي ارتجل عن نشيد مدرسي كنا نردده في المدرسة الابتدائية (موطني موطني). كما ان له ـ اي للمالكي ـ خمسين مستشارا جلهم من جلسائه في المقهي عندما كان يقيم في السيدة زينب، وقد ذكر احد المعلقين السياسيين ان احد سفراء المالكي كان قصابا، اما البقية فمن خريجي المدارس الدينية، والسؤال: من يستشير هؤلاء؟ واية مراكز ابحاث يعودون اليها للتزود بالمعلومات؟
حكومة المالكي تنحدر من فشل الي آخر، لم تحل مشكلا واحدا من مشاكل الناس اليومية، لا ماء ولا كهرباء ولا وقود ولا، ولا… ولا كرامة!
في عهد هذه الحكومة (ازدهرت) ثقافة قطع الرؤوس والمفخخات والقتل علي الهوية الطائفية.
في عهد هذه الحكومة بدأ الفرز الطائفي علي اشده، وفي محاولة مستميتة لجعل كل طائفة او عرق في مناطق لا يشاركها فيها احد من خارجها، حتي التفجيرات الاخيرة في القريتين الايزيديتين قرب الموصل ليست بعيدة عن عمليات هذا الفرز لان الاكراد يريدون ضم المنطقة لمحميتهما او لاحدي محميتيهما القائمتين حاليا منذ عام 1991 عندما فرض الامريكان المنطقة الجوية المحظورة علي طيران الدولة العراقية وقتذاك.
وعندما احس المالكي والذين جاؤوا به ان حكومته قد غرقت او اوشكت علي هذا هب حلفاؤه لنجدته خاصة وان سيدهم الامريكي في البيت الابيض قد توالت تهديداته لهم، واجتمعوا في بغداد ليعلنوا تشكيل ما سموها جبهة المعتدلين، وهكذا بين ليلة وضحاها صار عبدالعزيز الحكيم والمالكي وطالباني وبارزاني والاحزاب الطائفية والعرقية التي يمثلونها معتدلين ومن هم خارج جبهتهم هذه متطرفون!
انهم يحاولون غش الناس، والذهاب بالطائفية والعرقية الي اقصي مدي، وعزل مجموعات اخري لانها لم تنضو تحت هذه الجبهة المريبة!
فمن هو المعتدل؟ هل هو عبدالعزيز الحكيم ومجلسه الاعلي ومنظمة بدر؟ ام هل هو حزب الدعوة الذي كان يرأسه ابراهيم الجعفري وصار يرأسه الآن نوري المالكي؟ ام المعتدل جلال طالباني الذي غادر منصب رئيس الجمهورية الذي وضع فيه ليعود ممثلا لحزب كردي عشائري بينه وبين حزب الزعيم الكردي العشائري الآخر مسعود بارزاني من الاحقاد ما لا يعد ولا يحصي؟
أليس هؤلاء هم واجهة التطرف الذين يرتكبون ما يرتكبون ويرمون بأفعالهم الي جهات اخري، ولم تسلم منهم حتي دول عربية شقيقة؟
ان هذه الجبهة التي تم الاعلان عنها هي اخطر تكتل يحصل تحت الاحتلال، لقد قاموا بهذا وهم يعلمون ان سيدهم الامريكي لن يعترض، بل انه سيدعم جبهتهم هذه اذا كان تشكيلها يساعد علي تقليل عدد القتلي الامريكان في العراق وعدد المنتحرين كذلك الذين يتزايد عددهم باطراد عاما بعد آخر (آخر الاحصائيات نشرت هذا الاسبوع). ان الامريكان الغاطسين في وحل العراق يريدون حفظ ما تبقي من ماء وجههم في معركة خسروها منذ اليوم الاول وكانوا يعولون عليها لتنفيذ مشاريعهم المستقبلية في المنطقة من الشرق الاوسط الكبير الي حماية اسرائيل وابقائها القوة الاولي المتحكمة في المنطقة، وتحجيم ادوار بلدان عربية واسلامية مثل سورية والسعودية ولبنان وايران ولكن اسقط في يدهم وحساب البيدر غير حساب الحقل كما يقول المثل العربي.
امريكا الضعيفة المهزوزة بل والمهزومة ربما كانت وراء جمع الاشخاص الاربعة هؤلاء الذين يمثلون اكبر تكتل في البرلمان الحالي لانهم كانوا متفقين دوما ولم يختلفوا ابدا. فعبد العزيز الحكيم ووراءه المالكي هو اشد المتحمسين لاقامة اقليم شيعي في الوسط والجنوب وكان التمهيد له في حرب المحلات داخل بغداد والتهجير من محلة الي اخري في عملية فرز طائفي لا رحمة فيها مطلقا. وما سياج الاعظمية الا نموذج لما ستكون عليه المحلات البغدادية التي عرفت بهوية سكانية من طائفة اخري. وكذلك الحرب ضد شارع حيفا وما جاوره وهجوم العصابات علي هذه المنطقة وهي ترتدي ازياء الشرطة.
والشيء نفسه يقال عن تفجيرات سامراء التي حولت المرقدين الشيعيين الي حطام، اذ هي غير بعيدة عن هذا، لأن المطلوب ان تكون هذه المنطقة بأيدي الشيعة وليس بأيدي السنة الذين حموا المرقدين علي مدي مئات السنوات ولم يمسهما احد بسوء، فلماذا يحصل هذا في هذا الوقت؟
ان الحكيم يجد في هذه الجبهة المتشكلة فرصته لاقامة اقليمه الصفوي ليلحقه ولاء وسياسة الي ولية أمره ايران التي دعمته وكونت له المجلس الاعلي ومنظمة بدر وسمحت له بان يذهب ليلتقي بالامريكان ويشجع علي احتلال العراق، والحكاية معروفة.
اما الزعيمان الكرديان فهما متفاهمان تماما مع الحكيم ولم يختلفا معه يوما، اذ لا يهمه ان يسلم كركوك لما يسمي حاليا (اقليم كردستان العراق) وواحدة بواحدة، أما المقابل لهذا فهو موافقة زعيمي الاكراد علي قيام الاقليم الشيعي، لأن الحكيم لا يتصرف بالشأن العراقي كعراقي بل كتابع صفوي ليس الا.
لكن السؤال هو: هل الامور سهلة لهذا الحد؟ والجواب: ابدا. هنا علينا ان لا ننسي ان هناك مقاومة عراقية قادرة علي الثبات ومواصلة القتال سواء ضد الاحتلال او ضد المجموعات التقسيمية هذه.
ان خطأ من هم في جبهة التوافق هو قبولهم بالصفة الطائفية، فساهموا في عملية الفرز هذه، وبعد فوات الاوان ظنوا انهم سيكونون مؤثرين بسحب ستة وزراء، وها هم يدورون عليهم ليعلنوا جبهتهم بعيدا عنهم.
كما ان جبهة المعتدلين هذه رفضت من الكتلة الصدرية، وقد نقلت اذاعة لندن العربية صبيحة يوم 17 آب (اغسطس) الحالي تصريحا لاحد اعضاء المكتب السياسي للكتلة عبد المهدي المطيري اعلن فيه رفض كتلته لهذه الجبهة داعيا الي الغاء نظام المحاصصات الطائفية وتشكيل حكومة من التكنوقراط (هذه الكتلة سبق لها ان سحبت وزراءها من حكومة المالكي قبل ان تقوم بذلك جبهة التوافق). كما ان حركة الوفاق التي يرأسها اياد علاوي ذو التوجه العلماني قد رفضت هي الاخري الانضمام الي التشكيل الطائفي العراقي الخطير هذا والمنحدر الذي سيقود ما تبقي من العراق اليه.
خلاصة، نقول ان كل هذا الذي يجري من مشاريع تجريبية سببها الفشل الامريكي الذي حول بلدا قائما وعضوا مؤسسا للأمم المتحدة الي انقاض حتي نفطه صار يضخ الي خارجه بدون عدادات بينما لا يجد اهله الوقود.
ولا ننسي ان احد الحلول التي يطرحها بعض الباحثين الامريكان لحل المشكل العراقي القائم هو تقسيمه الي ثلاثة كيانات، ولعل جبهة المعتدلين المتطرفين هذه هي بداية اعلان لاحق لاقليمين احدهما سلطانه بارزاني والثاني سلطانه الحكيم، ولكنها بشكل او بآخر احلام عصافير كما يقال.