صحف الرباط تهاجم ما فعله في الحكم وما بدر منه في المنفي
الرباط ـ “القدس العربي” ـ من محمود معروف: شغل ادريس البصري وزير الداخلية المغربي الاسبق المغاربة في مماته كما شغلهم في حياته، وكانت وفاته الحدث الابرز الذي تداولوه بعد اعلان نبأ وفاته منفيا فجر الاثنين في احد مستشفيات العاصمة الفرنسية باريس بعد اصابته بمرض عضال تزامن مع خروجه من السلطة وافول نجمه الذي سطع ربع قرن من الزمان.
ويصل جثمان ادريس البصري الرفاة اليوم الاربعاء علي متن طائرة خاصة وضعها القصر الملكي تحت تصرف العائلة ويرجح دفنه في مسقط رأسه الي جانب والده في حي المناصرة احد احياء مدينة سطات الواقعة علي الطريق بين الدار البيضاء ومراكش التي كانت فقيرة ومهمشة قبل ان يعتلي البصري عرش السلطة.
القصر الملكي فور تلقيه نبأ الوفاة اتصل بعائلته معزيا، بعض المقربين من عائلة البصري يقول ان مولاي رشيد شقيق العاهل المغربي الملك محمد السادس كان اول المتصلين توفيق نجل البصري الاصغر والذي كان ملازما لوالده خلال الايام الاخيرة من حياته. ويقولون آخرون ان الملك محمد السادس اتصل شخصيا بابناء الرجل القوي في زمن والده الملك الحسن الثاني وان مبعوثين من القصر زاروا البصري وهو علي فراش الموت.
واذا كانت قوة ادريس البصري في حياته في السلطة من كنز الاسرار التي بحوزته كرجل شرطة ثم مدير للمخابرات ووزير للداخلية ثم كحاكم للمغرب حتي 1999، فإن هذه الاسرار بقيت مصدر قوة له بعد ابعاده عن السلطة وايضا بعد مماته اذا كانت هذه الاسرار مكتوبة او مسجلة وهو ما لم يتم التأكد منه حتي الان وان كان الوزير الراحل قد هدد بها خلال سنوات مماحكاته مع المقربين من الملك محمد السادس الذين ورثوا سلطاته بعد ان ورث الملك محمد السادس عرش والده ويتردد انه ورث ابناؤه ما يختزنه من اسرار لحمايتهم من غدر الزمان خاصة وانه لم يخف مخاوفه من ورثته بعد ملاحقات قضائية لبضع افراد عائلته او مقربيه بتهم الفساد والاحاديث عن ملاحقه ابنه هشام بنفس التهم.
موقع ادريس البصري في العقد والنصف الاخير من مملكة الحسن الثاني اهله لجمع الاسرار عن القصر والملك وافراد العائلة الملكية والجيش والمخابرات وايضا عن كل الفاعلين السياسيين والاقتصاديين اضافة الي الاعلاميين والمثقفين في البلاد. كان، بحكم تكوينه البوليسي والسلطات التي تجمعت بين يديه، يعرف كل شيء عن كل من يتحرك في الفضاء المغربي ينقل ما يفيده منه للملك ويخزن الاخر في ذاكرته. والبصري، ادرك ان قوة رجل السلطة فيما لديه من معلومات حول الاحداث او الاشخاص، واعتمد في جمع هذه المعلومات من مصادرها عبر اجهزة متعددة بعضها ورثه عن سابقيه وطوره وبعضه الاخر خلقه ليكون عونا له او عبر علاقات واسعة مع مختلف الاوساط التي بدأت في سنوات مجده الاخيرة تسارع في تزويده بها ونهج الاسلوب الشفوي اسلوبا في نقل ما يريده من معلومات الي الملك الحسن الثاني ليتلقي تعليماته وتوجيهاته ويسرع في تنفيذها. وليظهر قوة معلوماته ودقتها لم يتوان ان يعلن امام مجلس النواب في بداية التسعينات عدد الاجتماعات العلنية والسرية التي عقدتها الاحزاب خلال سنة وعدد الاشخاص الذين حضروا تلك الاجتماعات وعدد الذين تكلموا وادلوا بدلوهم في القضايا المناقشة.
وفي نهاية 1994 كانت المفاوضات بين الملك الحسن الثاني مع المعارضة الديمقراطية المتمثلة في حزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاستقلال للمشاركة في تدبير الشأن العام بتشكيل حكومة تناوب، اصر مفاوضاه الزعيم محمد بوستة الامين العام لحزب الاستقلال ومحمد اليازغي الذي كان انذاك نائب الامين الاول للاتحاد الاشتراكي علي ابعاد ادريس البصري من الحكومة وعن وزارة الداخلية تحديدا التي اطلق عليها في زمن البصري ام الوزارت. وليدافع الحسن الثاني عن اهمية ادريس البصري قال لمفاوضيه ان البصري يجيبه عن أي سؤال حول أي شخص اينما كان في المغرب او حول أي حدث فور وقوعه. واكثر من ذلك ان البصري قدم له تقريرا مفصلا حول مؤتمر للمصالحة الجزائرية عقد انذاك في سان ريمي/ايطاليا فور انتهاء المؤتمر فيما عبد الحق القادري مدير لاجيد (المخابرات الخارجية) قدم تقريره بعد مضي ست ساعات.
واسرار ادريس البصري كانت محور اهتمام النخبة في المغرب وصحافته وتكثف هذا الاهتمام في الصحف الصادرة امس واطلقت عليه صحيفة الصباح صفة العلية السوداء للحسن الثاني وقالت عنه صحيفة المساء بانه علبة اسرار الحسن الثاني وانه مات وماتت معه اسرار المملكة، وقالت الكثيرون سيتنفسون الصعداء باعلان وفاة ادريس البصري الذي مات وحمل معه اسراراً كثيرة عن الحياة الحزبية والاقتصادية والامنية المغربية بعد ان ظل الكثيرون في الادارة وفي السلطة وفي الاحزاب يتوجسون خيفة من فتح فمه لانه كان سيحدث زلزالا قويا وهو العارف باسرار العائلات السياسية في العاصمة وابناء الاعيان والبرجوازية في الدار الييضاء وخبايا اعيان القبائل في الصحراء وداخل المطبخ السياسي للاحزاب سواء التي كانت تعارض سياساته في الصباح وتجلس علي موائده في المساء او تلك التي صنعها بيده وظل يرعاها الي اخر يوم له في السلطة. وقالت صحيفة ليكونومست المستقلة انها نهاية وحش سياسي وقالت حقا، ان اي وفاة حزينة. لكن وفاة البصري ستفرح كثيرين من الذين لسبب او اخر كانوا دائما يخشون ما قد يعلنه وزير الداخلية السابق الذي كان يهدد بكشف كل ما لديه. فناموا نوما هنيئا ايها الطيبون واستمتعوا باحلامكم. لكن السؤال ما هو مصير هذه الاسرار، فإذا كان الشفوي نهجه في ايصال المعلومات لملكه، هل كان النهج نفسه في الحفاظ عليها كملكية شخصية له وحمايتها من النسيان.
لا احد يستطيع الاجابة علي هذا السؤال الا ابناؤه، وما جري الحديث عنه طوال السنوات التي فصلت بين ابعاده عن السلطة ووفاته انه بدأ يكتب مذكراته باللغة الفرنسية وانه اعدها للنشر، هو لم يصرح بذلك لكنه كان يسربه عبر من بقي وفيا ممن تعاملوا معه في ميدان الصحافة.
الصحافي الفرنسي جان بيير توكوا الذي عرف بعلاقاته الجيدة مع البصري قال انه لم يكتب مذكراته الا انه كتب بمساعدة صحافي فرنسي اخر كتابا عن حياته كوزير للداخلية وخادم للدولة، الا انه اراد ان يكتب مذكراته كسياسي وانه اقترح الموضوع علي 36 صحافياً لكي يساعدوه علي ذلك لكنه لم يكتبها.
وتنقل صحيفة المساء عن علي لمرابط الصحافي المغربي المقيم باسبانيا ان البصري الذي كان علي اتصال به طوال فترة وجوده في فرنسا طلب منه اعداد كتاب عن اسراره في الحكم كما طلب من الباحث الفرنسي ريمي لوفو اعداد كتاب ثان عن تجربته السياسية، لكن لوفو رفض طلب البصري لانه لم يكن راغبا في خسارة علاقات له مع بعض المغاربة وانه (المرابط) اشترط عليه انه يكون الكتب حقيقيا به معطيات واسرار وليس مجرد دعاية او جدل لذلك ظل المشروع معلقا.
الصحف المغربية الصادرة امس اهتمت بالاضافة لاسرار البصري ومصيرها بالربط بين وفاته وانطلاق حملة انتخابات 7 ايلول/سبتمبر وهو ربط طبيعي اخذته كل صحيفة من زاويتها بعضها تحدث عن حسرته علي اجرائها دون ان يضع في لوحتها لمساته كما جري خلال الاستحقاقات التشريعية التي جرت في البلاد منذ 1977 او التذكير بالتزوير والتزييف التي طبعت الانتخابات التي اشرف عليها والتي كان مهندسها. صحيفة الصباح قالت عن وفاة البصري رحيل مهندس تزوير الانتخابات في عز الحملة ووصفت صحيفة الاحداث موت البصري في هذه المرحلة بأنه الصدر الاعظم يخلف موعده مع الانتخابات. صحيفة البيان اللسان الفرنسي لحزب التقدم والاشتراكية (الشيوعي سابقا) المشارك في الحكومة قالت اليوم وبغض النظر علي الشخص، ان نظام البصري هو الذي يحتضر مع تنظيم انتخابات تتسم بارادة الدولة في ان تكون نظيفة وشفافة.
واضافت الصحيفة يجب ان لا تبقي فلول نظام البصري بعد وفاة مصممها الذي ما زال له بعض الاوفياء الذين يشدهم الحنين الي الماضي داخل جهاز الارادة.
صحيفة لومتان القريبة من القصر الملكي لم ترحم البصري ميتا وقالت تحت عنوان العسكري النهج المستبد ان ادريس البصري مارس نفوذا مطلقا بلا منازع ولا توازن.
واعتبرت صحيفة اوجوردوي لوماروك (المغرب اليوم) ان افظع انتهاكات حقوق الانسان ارتكبت في عهد البصري وانتقدت تمرده من باريس (التي اختارها منفي عام 2004) ضد السلطة الحالية واكدت ان الرجل فقد مصداقيته من كثرة ما هرج.
وفي المقابل اكتفت صحيفتا العلم و لوبينيون الناطقتان باسم حزب الاستقلال وصحيفتا الاتحاد الاشتراكي و ليبيراسيون باسم الاتحاد الاشتراكي للقوي الشعبية، باعلان خبر وفاة الرجل في زاوية اسفل الصفحة الاولي.