جنازته شارك فيها عدد كبير من السياسيين والمثقفين والفنانين:
القدس – ا ف ب: ووري جثمان الكاتب والمخرج والممثل المسرحي فرانسوا غاسبار ابو سالم الثرى في مقبرة اللاتين في القدس القديمة الاربعاء بعد جنازة شارك فيها عدد كبير من السياسيين والمثقفين والفنانين الفلسطينيين من الضفة الغربية واسرائيل، ومن الاسرائيليين والاجانب.
ولف جثمان المخرج المسرحي الذي توفي السبت عن 60 عاما بالعلم الفلسطيني وقامت مجموعة من الشباب المشيعين بعدها باطلاق بالونات ملونة في السماء. وكان الجثمان سجي في المسرح الوطني الفلسطيني، المعروف باسم مسرح الحكواتي في البلدة القديمة في القدس والذي اسسه فرانسوا ابو سالم في سبعينات القرن الماضي مع عدد من الشباب الذين اصبحوا اليوم من اهم المسرحيين الفلسطينيين والعرب الاسرائيليين. وقالت والدته فرانسين غاسبار التي شاركت في التشييع لوكالة فرانس برس ‘لم افقد ابنا فقط بل فقدت صديقا ورفيق درب’. وقالت ان فرانسوا ‘كان يعاني من نوبات اكتئاب عميقة’. واضافت ‘قال لي مرة ساقتل نفسي. فقلت له اذا فعلت ذلك ستقتلني. فضحك وقال: انا لا يمكن ان اقتلك’. واكد مدير شرطة رام الله الرائد محمد ابو بكر ان ‘الطب الشرعي الفلسطيني والنيابة العامة اكدا ان المخرج فرنسوا ابو سالم انتحر بالقاء نفسه من مبنى قريب من رام الله’ الى حيث انتقل للعيش قبل قرابة سنة. ونقل اصدقاء ابو سالم جثمانه من مشرحة الطب الشرعي في ابو ديس الى مدينة رام الله ليتسنى لزملائه واصدقائه القاء نظرة الوداع عليه في مسرح عشتار. ومن ثم نقل الى المسرح الوطني الفلسطيني قبل ان يشيع ليدفن في مقبرة اللاتين عند سور القدس القديمة. ووضعت صوره عند مدخل المسرح وفي داخله وكتب تحتها الحوار الختامي لمسرحيته الاخيرة التي الفها ومثلها: في ظل الشهيد التي الفها، وفيها ‘متعدد انا.. جنية هشة انا… عاشق ولهان انا… طوفان دموع مكبوتة انا… رؤية مستقبلية انا’. وعانى فرانسوا قبل وفاته من المرض والى المستشفى. وقد اوصى بان يدفن في مدينة القدس او في قرية بيت عور، قضاء رام الله. ولد فرانسوا غاسبار ابو سالم في 1951 ونشأ في القدس الشرقية، كما عاش في بيروت وفي فرنسا. وهو فرنسي الاصل لكنه اعتبر نفسه فلسطينيا واضاف كنية ابو سالم في وثائقه. وعاملته اسرائيل كاي فلسطيني وسحبت اقامته من مدينة القدس عندما جمعت فترات تغيبه عن القدس مدة ثلاث سنوات، لكنه توجه للقضاء لاستعادتها. بدأ نشاطه المسرحي مع مسرح الشمس بادارة اريان منوتشكين. وقد اسس فرقة بلالين وصندوق العجب وفرقة ومسرح الحكواتي في القدس الذي عرف من خلاله في نهاية السبعينات. وقد تغير اسم مسرح الحكواتي ليصبح المسرح الوطني الفلسطيني. اشتهر فرانسوا ابو سالم كمخرج مسرحي وقام بنقل العديد من المسرحيات الى العربية مثل اعمال داريو فو وبرتولد بريشت. كما اخرج الكثير من العروض العالمية ولا سيما ‘خطف في السراي’ العام 1997 في اوبرا سالزبورغ. اخرج ابو سالم اول اوبرا فلسطينية ‘السلطانة بائعة السمك’ واخرج عدة افلام منها واحد عن القدس القديمة العربية لمتحف سميثونيانز الاميركي في واشنطن الذي لم يعرض بسبب الاحتجاجات الاسرائيلية. كتب فرنسوا ابو سالم العديد من المسرحيات بالعربية مثل ‘ذاكرة للنسيان’ التي استند فيها الى عمل لمحمود درويش. وكانت اخر مسرحية له ‘ظل الشهيد’ التي لقيت اقبالا واسعا. وقد تم تكريمه في بيروت تقديرا لهذا العمل. تسلم فرنسوا ابو سالم جائزة فلسطين العام 1998 من الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. واكدت والدته فرانسين غاسبار انه ‘كان يعاني في الفترة الاخيرة من قلة النوم وقلة الاكل. كان هاجسه ان يبتكر عملا جديدا. كنت اقول له انت انسان متواضع لا تعرف قيمة ما فعلت، لديك اعمال كثيرة جميلة وحازت على جوائز’. وفي المسرح الوطني -الحكواتي سابقا – حيث تجمع زملاؤه المسرحيون والفنيون لوداعه، قال المخرج والممثل راضي شحادة الذي قدم من قرية المغار شمال الجليل الاعلى لوكالة فرانس برس ان ‘فرنسوا هو ابو المسرح الفلسطيني الحديث’. واشارالى مبنى المسرح الوطني الفلسطيني ‘بنيناه بايدينا. كان فرنسوا قائدنا ويعمل اكثر من اي عامل. كان المبنى مهدما ومحروقا ومهجورا. عملنا مع اصدقاء ومتطوعين. ما فعلناه كان جنونا، لكننا بنينا اول مسرح فلسطيني حسب المواصفات العالمية’. واضاف راضي شحادة ان ‘فرنسوا معلم الابداع ولديه قيادة ابداعية فيها دقة وصدق واجتهاد مكثف، عن وعي ثقافي متحيز للثقافة الفلسطينية. هو انسان شمولي في الفكر الفلسطيني، واهم ما فيه ليس قادما من فرنسا، بل هو فلسطيني في كل شىء، اضافة الى مخزونه الثقافي الفرنسي والعالمي’. وتابع ‘ان فرنسوا ينتمي الى القضية الفلسطينية فهي قضية اخلاقية فكرية وليس مجرد علاقة دم وهذه عظمتها كقضية اممية، وهو كان انسانا امميا’. واضاف لقد ‘كرس جل وقته كي يعطي اكثر الى اقصى ما يمكن في مجال المسرح’. اما صديقه عامر خليل الذي كان اخر من تحدث معه بالهاتف فقال، ‘عندما اخبرته اني قادم لرؤيته بعد الانتهاء من البروفات المسرحية اجابني: يمكن ما تلحقني’. واضاف ‘وصل من فرنسا الجمعة وبدا عليه الاعياء والمرض، لكنه رفض الذهاب الى الطبيب’. ومضى عامر يقول ‘اعرفه منذ 31 عاما عندما كان عمري 17 عاما، اعتقد انا فرنسوا قد اتخذ قرارا بتحديد يوم موته بهذه الطريقة، التي ربما كان يبحث فيها عن الخلود’. واوضح ‘لعل مسرحياته الاخيرة +في ظل الشهيد+ و+ابو آبو+ توصف حالته بطريقة ثانية’. ونعت رابطة المسرحيين والحركة المسرحية والثقافية عبر الصحف فرنسوا ابو سالم وقالت ان ‘بفقدانه تفقد فلسطين احد آباء ومؤسسي الحركة المسرحية الفلسطينية وأحد اعمدة الحركة الثقافية الفلسطينية، الذين اعطوا جل حياتهم للقضية والوطن فنا وثقافة’. وخلال تابينه في المسرح الوطني، نقل شباب ممن تدربوا معه على المسرح عنه قوله في سيناريو فيم كان يعده عن قرية فلسطينية صودرت اراضيها، ‘كل حياتي كنت انتمي الى هذا الشعب، ربما لا يريدني هذا الشعب، لا تخلطوا بيني وبين الاجانب الذين يحتلون بلادكم’.