جحيم الخلاف.. وثقافة الاختلاف

حجم الخط
0

مصطفى صاحبتُلبس مجتمعاتنا العربيّة واقع الاختلافات الفكريّة والعقائديّة وغيرها لباس الخلاف والنّزاع، وهو ما يدفعها إلى رفض الآخر، بل وتكفيره إن شاء مفتعلو الصراع إكسابه صِبغة دينيّة مقدّسة. ويتناسى أبناء هذه المجتمعات أنّ الاختلاف سِمَة الكون التي تسود مادّيه ومعنوّيه، وأنّ لكلّ منّا (بصمته الفكريّة) التي تميّزه عن غيره في عالم يشكّل الاختلاف فيه قاعدة بلا شواذ.ّولعلّ انحدار مستوى الوعي الثّقافيّ لدى شريحة واسعة من شبابنا اليوم هو العامل الأبرز الذي يعزز نزعة الخلاف. فغياب ثقافة الاختلاف وفهم الآخر نتيجة لعدم الإطلاع على منجزاته الفكريّة أو الاعتماد على مصدر واحد للمعلومة وبروز ظاهرة المعلومات السريعة غير الموثوقة، وغياب الوعي الديني والثقافي والاجتماعي تزيد جميعا من قابلية الإنسان على نبذ المخالف، وهو ما يؤدّي بدوره إلى صياغة الأحكام المسبقة التي تطال هذه الطائفة من الناس أو تلك بالتعميم. كما ترّوج كثير من المجتمعات اليوم لفكرة (المجتمع السّطحي)، مفترضة تكوّنها من لون أو طبقة فكريّة واحدة، لتغفل بذلك حقيقة (المجتمع العميق) الذي يتكوّن من تيارات فكرية وعقائديّة مختلفة وهو حال المجتمعات كافة. إن اكذوبة (المجتمع السّطحي) أدت وتؤدّي إلى انقسام الفئات الفكريّة والعقائديّة في هذه المجتمعات إلى فئتين، فئة تهيمن على الساحة الفكريّة، وأخرى تصارعها على قيادة الفكر الجمعيّ. وذلك بعيدٌ كلّ البعد عن مبدأ التّعايش الضروري لفهم الآخر أولا، تمهيدا لتقبلّه ضمانا لاستمرارية المجتمع وحريّة أفراده الفكريّة.إضافة إلى ما سبق، يشكل غياب الأرضية الفكريّة المشتركة بين أبناء الأمة سببا هامّا يسهم في تعزيز الميل إلى الصراع الفكريّ. فذات الإسلام الذي جاء بالوحدة والتوحيد، والذي لم يقبل بالاختلاف فحسب، بل عدّه رحمة للعالمين وآية من آيات الله عز وجلّ، أضحى بالنسبة للمسلمين (مذاهبَ وطوائفَ) و’كلّ حزب بما لديهم فرحون’ وتحوّل من أفكار سامية إلى أشخاص، ومن أشخاص إلى أصنام ترفعها هذه الفئة أو تلك في وجه مخالفيها، وهو أمر بيّنٌ في إعلامنا الطّائفيّ اليوم.ففي زمن الإسلام الأوّل الذي ساد فيه العلم وثقافة (المجتمع العميق) المتعدد لم يجرّد سيف لخلاف فكريّ أو دينيّ قطّ، على الرغم من أننا قد نحصي وجود أكثر من (190) مذهبا إسلاميّا مختلفا، بدءا من (المعتزلة) الذين أعلوا مكانة العقل البشريّ على النّقل الإلهي، ووصولا إلى (النصوصيين) الذين قدّموا النّص الإلهي على ما سواه. وهو ذات العصر الذي قال فيه الإمام أحمد بن حنبل أبرز رموز (السلفيّة النصوصية)- بأن من صفات المؤمن ‘من أهل السنة والجماعة’: أنه ‘لم يكفر أحدا من أهل التوحيد بذنب’. فما بالنا اليوم نرفض المختلف في الفكر ونكفّر المخالف في الدّين على أتفه الأسباب، بدلا من مدّ يد الوحدة علّها تخرجنا مما نحن فيه من جحيم الخلاف.’ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية