«جحيم خلف الأبواب»… تقاطعات الواقع والخيال في عوالم سردية متشابكة

تشتغل مها إسماعيل حماد في مجموعتها «جحيم خلف الأبواب» الصادرة عن دار إسكرايب، على عملية التحليل النفسي لقصة استُلّت من الواقع، وتريد معالجتها فنيا، من خلال إزاحة الواقع وجعله متخيلا وإزاحة المتخيل وجعله منطوقا. ولهذا جاءت القصص الست طويلة، خاصة قصتها الأولى التي حملَت عنوان المجموعة بنحو 40 صفحة، وكانت قصتها الأخيرة الأقل بعدد الصفحات وكانت بنحو تسع صفحات.
تبدأ أولى علامات الاشتغال في هذه المجموعة بالعنوان، حيث تشير عناوين القصص إلى الأفكار والحكايات التي ستأتي لأبطال وشخوص واقعيين، كما هي العناوين واقعية، التي من خلالها يمكن الدخول إلى الاشتغال القصصي في المجموعة وكيفية إدارة الحدث وماهية اللعبة الإنتاجية. فالعناوين تشي بالكثير من معول التدوين المقبل، ولذا فإنها أي العناوين هي بوابات القصص، وليس بوابة المجموعة، لأن العنوان الرئيسي هو واحد من القصص كما ذكرنا، ولو اقترحت عنوانا غير هذا العنوان وكان من خارج عناوين القصص لكان العنوان بابا رئيسيا يفضي إلى عدة أبواب، لكنّها اكتفت بجعل كل عنوان هو بوابة القصة الخاصة، وإن كانت القصص تشترك بقاسم مشترك هو الموضوعة الإنسانية المشبعة بالقلق. فعناوين مثل (جحيم خلف الأبواب/ فوبيا الوسوسة/ بتوقيت العشق/ قبلة الموت/ فاقد العقل لا يستريح/ ميت على قيد الحياة) بالإمكان الاستدلال على كمية القلق التي تبثها العناوين. فالخوف هو المرض والقصص هي المعالجة، والوسوسة هي الدليل والواقع الذي بلغته الوسوسة هو المدلول.. والتجربة القصصية التي يحملها الشخوص على أكتافهم، هي الأكثر حضورا قد جعلتها تعيش مشبعة بالقلق والشكوك نتيجة تأثيرات نفسية داخلية وخارجية. لذا فالعنوان ليس مسرى الروح في النص، بل هو اليافطة الكبيرة التي يمكن من خلالها أن يلج المتلقي إلى فحوى المادة المحاكة ضمن نسيج السرد.

الاشتغال الدرامي

تعتمد القصص على فعالية الحكاية. تبدأ من سطرها الأول حتى النهاية، وهو اشتغال يساير الاستهلال، لكي يمضي بعمليات الوصف عبر المستوى التصويري المغلف بالأخبار أو العكس، ما يعطي محور القصة أهمية أن يسلط الضوء على التشابك بين الدراما من جهة، وتفاعل الصراع بين الشخصيات من جهة ثانية، والفعل الوصفي الذي يعطي بعدا سرديا من جهة ثالثة.
(ليلة حالكة الظلام، القمر مختبئ خلف الغيوم الحُبلى، السكون مخيم إلا من عواء الكلاب على غير عادتهم! تنظر فريدة من النافذة المطلة على الشارع لم ترَ شيئا). هذا الاستهلال في القصة الأولى هو المفتاح السردي الذي يتعاضد مع المفتاح الدرامي، ليكوّن الإثنان مفتاح الاشتغال على ما سيمكن أن تسلط عليه الحكاية الضوء، من أمور تتصل بدواخل الشخصيات، من فعل الوسوسة والإرهاق والكوابيس، وما أهّلَّ للرعب من حوادث فاعلة «حالة من الرعب تجتاح أوصالي وجسدي يرتعد كعصفور مبلل.. يجب عليَّ أن أتبين ما يحدث؛ لأنه أمر غير طبيعي، وإن بقيت متسمرة هكذا، وكل مفصل فيَّ يرتعد واقترب على التفكك حتما سأصاب بالجنون) من قصة فوبيا الوسوسة. وهو ما يؤثر على أن يكون الانعكاس ليس فقط عبر تناغم الفعل السردي مع الحكاية فحسب، بل من خلال انعكاس التفاعل مع الشخصية، سواء كانت أما أو أبا أو عملا أو محيطا أو مجتمعا كاملا. بمعنى أن النص لديها هو ما تطرحه الحكاية الفاعلة الداخلة في الفكرة، وليس العكس، فنتيجة الحكاية تعطي فاعلية الفكرة، وفاعلية الفكرة تعطي جسد القصة والجسد هنا هو التكامل، ما بين اللغة والانتقال السردي عبر تنوع الشخصيات. لهذا نرى تعدد فروع الحكاية من المواجهة الاجتماعية إلى السخرية إلى الواقعية إلى الكوميديا إلى الرعب.
كمثال قصة (بتوقيت العشق) حيث تدور الحكاية حول شخصية مايا، التي تبدأ في سماع صوت غريب من منزل جيرانها الجدد، صوت يشبه التراتيل أو الطلاسم، ولكنه يجلب لها شعورا بالراحة والسكينة. هذا الصوت يثير فضولها، فتنطلق في رحلة لاكتشاف مصدره، لتكتشف في النهاية أنه صوت أحمد جارها، الذي يرتل آيات من القرآن الكريم. ولهذا فهي تعالج النص من خلال الغموض الذي يبدأ من الاستهلال: «الساعة السابعة بتوقيت الغموض، مذ خمسة أيام، أعدت مايا لنفسها فنجان قهوة».

اللغة والتعاضد السردي

في المجموعة تعمل اللغة في عملية الاتكاء على محور الحكاية، وما تولده المفردة من تصوير التفاعل لثلاثة أشياء. أولها أنها لغة إخبارية تعمل على الإخبار، الذي هو اشتغال القصص الحكائية. وثانيها: المستوى التصويري، حيث يشتغل الوصف في إبراز المعالم الداخلية للشخصية، مثلما تستخرج المعالم الخرائطية للمكان، لكنه في الكثير من الأحيان يقطع أفق التوقع، من خلال جملة يتداخل فيها الشعر مع السرد عبر نفخ الشاعرية لتعزيز دور الحكاية، وما تريده من التفاعل السردي. بهدف جعل القارئ يتنقل معها إلى عالم الشخصية ويجعله يعيش التجربة، كأنها حقيقية، من خلال جعل البطل يتحدث مباشرة، أو أنها تُنيب بطريقة الغائب ما يمكن أن يجعلها حكائية أثر منقولة. ولهذا نجد اللغة تتفاعل عبر حركتين لتقوية الاشتغال السردي. أولها: اللغة الشاعرية على قلتها، لكنها مؤثرة في عملية قطع الخيط الحكي والروي المباشر إلى عملية القبض على لحظة الجهشة، فتكون اللغة هنا وكأنها مراوغة تتكئ على تشبيهات الشعر والمتغير السردي «جسدي يرتعد كعصفور مبلل»، «وكذلك «دوامة تتقاذفني بلا رحمة»، وهو ما يهدف إلى قصدية تعزيز الشعور بالرهبة والانجراف النفسي. وثانيها: اللغة السردية التي تمضي بالحكاية إلى ما يمكن أن يكون عليه التفاعل ما بين طول القصة وقصديتها، للوصول إلى لحظة التأويل لتعزيز مشاعر القلق أو السخرية أو الكوميديا، أو حتى الاعتماد على العنصر الدرامي لجعل القصة تأخذ جميع أبعادها «وها قد وصلت إلى بيتي وسأتسلق سوره، وأدخل دون أن يلمحني قاطنوه، وهم: زوجي وأمه وأمي». ولهذا تلجأ في الكثير من الأحيان لجعل اللغة مراوغة هي الأخرى، بتطوير أسلوب الكتابة، لتعزيز مشاعر القلق والرعب من خلال عناصر الصراع، باستخدام ألفاظ توحي بالغموض والخطر مثل «تكتكة الساعة»، «بيت الأشباح»، «هياكل عظمية»، «عينان حمراوان».
إن هذه الطريقة في التعامل السردي والتعاضد، بين الحكاية وأساليبها والاشتغال وغايته السردية تعطي عملية الانتقال أهمية كبرى لتكون انسيابية في معظم الأحيان، مع بناء درامي ينقل القارئ تدريجيا من حالة خوف أولية إلى ذروة الهلع، ثم إلى التخفيف في النهاية بإظهار الحقيقة.

التلاعب بالجملة القصصية

القصة القصيرة، يجب أن لا تكون تراكمية الحدث، متابعة السرد متفاعلة مع تصاعد الحدث والفعل الدرامي، بل عليها أن تكون متلاعبة في جملها؟ حتى لو جاء على تكرار الجملة في أكثر من مكان لأنه سيكون عذرا لهذا التلاعب من أجل خلق جملة توحي بما تريد، سواء من تفاعل الأنا مع الخارج، أو تفاعل الخارج مع القلق، أو الإيحاء للقارئ بأن الجملة هنا هي انعكاس الشخصية النفسية المضطربة، ويُبقي القارئ في حالة ترقب.
في المجموعة نجد الجملة القصصية تعمد إلى طريقتين في الإنتاج. الجملة القصيرة والمتقطعة، وكأنها تبث آليات الحكاية بطريقة لا تريدها أن تكون مملة، لأن القصص طويلة نسبيا، والجمل القصيرة هي مناوبة للمستوى التحليلي الذي تقع عليه مهمة الإتيان بالمعادل الموضوعي والدليل، بهدف توزيع نبضات قلب الشخصية مثلا «ما هذا؟»، «من هنا؟»، «يا ويلي!»، وهذه الطريقة تستخدم في أدب الرعب. والثانية الجملة الطويلة التي تتفاعل مع المستوى الإخباري لشرح الأبعاد الداخلة في عمق الحكاية. فيكون الاشتغال مرتبطا بتكوين الجملة هنا على أساس أنها المرآة الكبيرة: «أفاقت من شرودها والدموع تتكوم بعينيها كجمر مستعر، قلبها يعتصره الخوف، جسدها يرتعد أكثر، أنفاسها تضيق، تنظر للمكان بعينيها التائهتين، لا أمير هنا ولا الشاطر حسن». بمعنى أن التلاعب يهدف إلى جعل إيقاع القصة متسارعا في البداية والوسط، ثم يهدأ بشكل منطقي مع الوصول إلى الخاتمة، وهو ما يسري مفعوله في المراوغة التي ذكرناها، بين الواقعي والخيال، كونها تبني القصة على فكرة خلق التوتر عبر تصوير الخيال المرعب أو المتخيل، وحتى الواقعي لإضفاء نوع من الراحة إلى القارئ والمتلقي، لتخفيف وطأة التوتر وكسر فلك التلقي المستمر والمتصاعد. ولهذا فإن النص لديها في بعض الأحيان ينفلت، على الرغم من التماهي بين المستويين التصويري الإخباري، وهما عمق الإنتاج القصصي، لكن هناك تكرارا لا يخدم النص أو أنها تعطي مطاطية لوصف تفاصيل قد لا يحتاجها القارئ ويعيبها المتلقي.
إن القاصة استخدمت أسلوبا سلسا ومتدفقا، يعكس ارتباك وتطور مشاعر الشخصيات، وأخذت توظف عبارتها بشكل سردي قصصي لإظهار الحالة الجوانية للحكاية بشخصياتها وأمكنتها، وإظهار القلق كمعادل يقابل السوداوية والشخصية عبر استخدام الحوار كواحدة من تحولات البناء السردي، كما إنها تلاعبت بالزمن من خلال توقيتات دقيقة، مثل «الساعة السابعة بتوقيت الغموض»، ما يعزز الشعور بالتيه والغموض الذي يرافق مايا، ليحمل التوقيت نفسه دلالة رمزية في تطور الأحداث والشعور الداخلي للشخصيات. ومن خلال اشتغال القاصة على الجمع بين الحب والتغير الروحي، والسؤال الوجودي عن الهوية والإيمان، قدمت قصصا لها أبعاد نفسية وفكرية عميقة، لاسيما في المواقف التي تحتاج إلى تعامل فكري يعطي التحول من الرؤية الإيمانية إلى الانطباع الحياتي والعكس صحيح.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية