جلال نعيم ـ لوس انجليس: ما عاد كل شيء هادئا ليلة 13/14 من ايار/مايو 2013، فالعالم مقلوب كرواية ترسم ما قبل نهاية عالم بات مختلفا عمّا نالفه: ربيع هنا، وحريق هناك. ومَن كانوا مطاردي السراديب تحت الارض، قد اصبحوا بالانتخاب السياسي، غير الطبيعي غالبا، اسياد ما فوق الارض!
حروب اهليّة، وفرق للموت، و’بلاك بلوك’ تتحرّك على السطح. وازمات تعصف بالدنيا، من شرق مشرذم الى غرب يقرع ناقوس ازمات حوّلت بلدانا عريقة الى حضارات غريقة، تبحث عن طوق نجاة من المانيا او صندوق النقد. و’جنس واكاذيب وكليبات فيديو’ تشي بالفضيحة!
ومع ذلك، كان هنالك الملايين، ممَّن هم على شاكلتي، يحبسون انفاسهم منتظرين انطلاق رواية ‘دان براون’ الجديدة، والتي اعلن عن موعد اصدراها منذ اشهر، عبر مُقبّلات اعلانيّة تُذكّر بالرجل وبطله ‘روبرت لانغدون’ الذي اصبح رصيده الان اربع روايات متلاحقة هي ‘ملائكة وشياطين'(2000) ‘دافنشي كود'(2003) ‘الرمز الضائع (او المفقود)'(2009) لتتوّج بـ’جحيم’ او ‘Inferno’ كما اراد لها مؤلفها لتوحي بروحها الايطاليّة لمذاق الجحيم، وحرقة الاصطلاء به!
هي لحظة دان براون اذن!
ولمَ لا؟ الا يستحق، ولو روائيّ واحد، لحظة تُكرّس له لحظة في عالم ندّعي دائما بانه ليس العالم فقط وانما هو عالمنا؟
لذلك، ما ان انطبقت الساعة مودّعة يوم 13 ايار/مايو، حتى اخبرني ‘اي فوني’ بوصول الرواية، بنسختها الصوتيّة، اليه، وبلمستين او ثلاثة، وبعد دقائق، حمّل تلفوني جحيما اخر، ليس هو ‘جحيم دانتي’ وانما ‘جحيم دان’!
مَن لا يحبّ ‘روبرت لا نغدون’!
مُذ كان حبيسا في كلمات، اوصافا وجملا، مغامرات وتحليلات، احبّ الملايين ‘روبرت لانغدون’، استاذ الايقونات الدينيّة (ايكونولوجيست) والرموز في جامعة هارفارد، والذي لقي شهرة واسعة في بحثه عن المسيح في ‘دافنشي كود’، ثم، وباثر رجعي غالبا، عاد الملايين من القرّاء، (وانا افترض نفسي ممثلا دائما لهم!) لمرافقته في ‘ملائكة وشياطين’، ثم في ‘الرمز الضائع (او المفقود)’ التي كانت مساحتها العاصمة الامريكيّة واشنطن.
ولانغدون، او ‘الشخصيّة التي تمنّاها دان براون لنفسه ان تكونه’، استوحاها من ‘جون لانغدون’ استاذ التايبوغرافي (اساليب الطباعة واشكالها) في جامعة دراكسل، وعُرف بابتكاره لتعدّد الاشكال الطباعيّة او النسخ بطريقة تجعل مادّتها او موضوعها يمكن قراءتها من عدّة اتجاهات لتعطي معنى واحدا او معاني مختلفة! (Ambigrams typographical designs) وقد نزع براون عنه اسمه الاول، ليصبح بطل معظم رواياته، وبالمقابل اعترف له بالفضل اذ وضع واحدا من تصاميمه على غلاف ملائكته وشياطينه. كما ظهر تصميم اخر له على واجهة بنك مُختلق في زيورخ في فيلم دافنشي كود.
ولانغدون، كما اراد له خالقه، هو جيمس بوند القرن الحادي والعشرين، سوى انه لا يستعرض خارقيّة جاذبيّته كاحد ذكور الحرب الباردة، وانما يستعرض هنا، علمه، معلوماته وقدرته التحليليّة. لذا فهو حادّ الذكاء، وسيم وحيويّ، لا شخصي، والاهم: يُتقن عمله، ويغيّر تكنيكاته ليتخلّص من الكمائن التي يُحشر فيها، ليُنقذ رقبته اولا، وليخلّص العالم، في لحظة حاسمة، ويُيده للوقوف على رجليه بعد ان اوقفه، طوال الرواية، على اطراف اصابعه!
وهكذا يتركنا حائرين ما بين فرحتنا بخلاصه وخلاصنا، وبين ما سرّبه لنا من قراءات وتحليلات، معلومات وجولات، عبر ما لا يقل عن اربعمائة صفحة من مغامراته ورحلاته.
ومع الافلام التي اقتبست عن رواياته، دخل ‘توم هانكس’ على الخط ليكرّس امام اعيننا مواصفاته. ولعلّ ميزة توم هانكس، رغم كبر سنّه، تُكمن فيما وصفه كريستوفر فوغلر، المنتج الذي اختار توم هانكس في وقت مبكّر، ليمثّل في واحد من افلامه ‘فقد كان الدور كوميديّا، وكان هنالك مَن له قدرة على الاضحاك اكثر منه، ولكن هانكس كان يُسرّب ذلك الاحساس الدفين عند الجمهور: هذا المسكين، لا اريد له ان يموت! ولذلك لم يجرؤ كتّاب كثيرون، ومخرجون اكثر على قتله وكانت تلك واحدة من المفاتيح التي تركت الباب مفتوحا لنجاحاته!’
ولعلّ هذه الصفة ‘الفولغريّة’ كانت ما تحتاجها شخصيّة لانغدون، اكثر من الشباب والقوّة، فاصابت نسبة تعدّت الخمسين بالمائة من النجاح!
Welcome to the Game!
‘هل جرّبت الاكل في مطعم فارغ؟’
‘اخ. تجربة فظيعة! شعور بعدم الامان، يدفعك للتشكيك في كل ما يتعلّق بالمطعم، وعمّاله واكله، واصحابه. تتلفّت يمينا وشمالا كلصّ، منتظرا الاكل، الذي ما ان ياتي حتى تبحث فيه عن سبب لانفضاض الناس عنه!’
كذلك الامر مع كلّ مُنتج، وايّ بضاعة! ولذلك ايضا وجد سحر الاعلان!
ولذلك ايضا، تدخل ‘مطعم’ دان براون، اعني رواياته، وانت على علم مسبق بان اطباقه لا يمكن ان تكون مسمومة وقد جرّبها واستطتعم مذاقها الملايين! وانك لست استثناء ابدا. لذا، فانت مستعدّ لالتهام ما يضعه امامك، وانت منشرح الصدر مرتاح الضمير، وقادر على نسيان الدايت واكل ما يمكن ان يختلف وذائقتك، وربما تصدّق او تاكل حتى اكثر من طاقتك.
لهذا وزّعت وعلى مدى شهر كامل نسخا الكترونيّة ببلاش من ‘دافنشي كود’ للتذكير (بالمطعم ووجبته الجديدة!)، ثم انتشر خبر حبس الاحد عشر مترجما، طوال وقت عملهم على ترجمتها، معزولين في سرداب ناشر الرواية باللغات الاخرى، بانتظار اطلاق سراحهم مع اصدار الرواية الرسمي، مع اول دقيقة بعد منتصف ليلة 13/14 ايار/مايو، لتنزل الرواية باحدى عشرة لغة عالميّة، ليس منها لغتنا الجميلة طبعا!
وبذلك فقد استخدم دان براون، او المؤسّسة التي تكفّلت به وبمنتجاته، استراتيجيّة ايّة شركة تعي قيمة منتجها وتُحافظ على سرّيته، والترويج له، كما تفعل شركة (ابل) مع ‘الاي فون’ ولا شكّ عندي بانه يستحق الان لقب ‘اي براون’!
فاخيرا جاء مَن يضع ‘الرواية’ بمصاف الأ’اي فون’ والهواتف الذكيّة! هل قلت بانها رواية ذكيّة؟
يعيش روبرت بن لانغدون.. يااا؟
‘امّا هذا، دان براون، فحقّا مجرم، اذ يفتتح روايته بطلقة في رأسه. نعم راس لانغدون!’
‘لا باس، هي مجرّد (رواية)، ومن وضع في راسه رصاصه ممكن ان ينجيه!’
‘لا عن جد.. وبعد؟’
تبدأ الرواية بمقتطف من ‘جحيم دانتي’: ‘وان اكثر الاماكن عُتمة في الجحيم، حُفظت لمن ظلّوا على حيادهم، في زمن عاشت فيه الاخلاق اقصى ازماتها!’
هكذا يبدا الرعب. الذي يواصله بوصفه لـ’جحيم دانتي’ بانه:’العالم السفلي، كما ورد في قصيدة دانتي الملحميّة ‘الكوميديا الالهيّة’، التي تصف الجحيم بالمكان الذي تحيا فيه ‘الظلال’، وهي ارواح نُزعت عنها اجسادها، والقي بها ما بين الحياة والموت’
ثم تُطالعنا توطئة براونيّة عن ‘حقيقيّة الاعمال الفنيّة والادبيّة، العلميّة والاشارات التاريخيّة، في هذه الرواية حقيقيّة.’ ثم يحكي عن منظمة خاصّة، موجودة في الواقع، ولها فروع في سبعة بلدان، تم تغيير اسمها في الرواية الى ‘كونسورتيوم’ لدواع امنية ولعدم المساس بخصوصيتها.
ثم مقدّمة، قصيرة ومتوعّدة، يرويها لنا ‘الظلّ’ عبر مونولوغ قصير، ربما خطاب مباشر، يختزل فيه، ضيف الرواية، غريم لانغدون، يحكي فيها شيئا من معتقده وايديولوجياه الخاصّة، مبشرا بالخلاص، ورافعا راية ‘جحيم دانتي’، كمنقذ اخير لعالم اتخمه عدد الاحياء فيه، الى حدّ لم تعد الطبيعة والكون يطيقانه، كما ستوضح الرواية لاحقا بخطاها وسلالمها المتصاعدة.
ومن الطرف الاخر، يبدا الفصل الاول، وهو قصير جدا، وخاطف، بحسب الفصال الدان براوني، في روايته الحاليّة كما في سابقاتها، يبدا بلانغدون وكانه ولد توّا، ولكن لا ليتعرف على الحياة، وانما ليتعرّف على الموت، على الجحيم الذي ترسّب في لا وعيه وهو يُدخلنا معه الى باطن الجحيم، الذي لا يقطعه غير ظهور لامراة، عجوز وحسناء، بشعر فظي من الحرير، تغطّيه بحجاب، ليشعّ من وجهها جمال نادر، لم تُصدّعه اعوامها الستين، يصفها براون بطريقة تخطف الروح، خاصّة وان جمالها يبرق وسط رُكام الاجساد التي تصطلي في الجحيم غير بعيد عن قدميها. تقدّم له كفنا تحمله بين ذراعيها كمن يقدّم هديّة او مفتاح، وتهتف في وجهه: ‘ابحث وستجد. ابحث وستجد’، وكانها تستكمل خطوات لعبة ‘الغميضة’، والتي يُطلق عليها هنا ‘هايد اند سيك (انت تخفّى وانا ابحث!)’ وقد اضيف اليها ‘فايند (تجد)’ لتؤلف مثلثا ربما سيكون هو المفتاح الخلاص الحقيقي ممن يعتقدون دائما بانهم من يرسمون لنا طريقنا اليه، وانهم وحدهم، مَن يمتلكون مفاتيحه!
وفي لمحة نعرف ان تلك المراة وذلك الجحيم، ينبضان في مُخيلة لانغدون، او لا وعيه، وهو مُمدّد على فراش ابيض في مستشفى ايطالي، برصاصة في الرأس، وفقدان جزئي في الذاكرة، والقصيرة منها او القريبة بشكل خاصّ.
واذ يصحو، فانه لا يعي، اين هو؟ وكيف اتى؟ وما الذي جاء به الى فلورنسا/ايطاليا؟ فتكون هذه الاسئلة جزءا حيويّا من مفتتح الرواية ومن ثمّ متنها.
وما هي غير صفحات حتى يفرّ لانغدون، بملابس المستشفى (نصف عار)، تساعده طبيبته، فقد تعرّضت غرفته لوابل من الرصاص، ثقّب سريره ووسادته، وصرع طبيبا ايطاليّا. على يد قاتلَين محترفين.
وبفضل انقاذه، تتورّط الدكتورة سيينا، شيئا فشيئا، لتصبح رفيقة له في مغامرته.
تاخذه سيينا الى شقتها، وتغيب عن لانغدون لفترة كانت كافية له لاستخدام كمبيوترها، يدخل على ايميله علّه يجد جوابا لمحنته، ثمّ ناخذ الجرعة الاولى من المعلومات عن الدكتورة سيينا وطفولتها مما هو منشور عنها على صفحات الانترنت: ‘ولادة نجمة’ ‘الطفلة العبقريّة’ الخ.
‘هي اذن ليست ديكورا جميلا وشبقا كنساء جيمس بوند!’
نعم. وهي، اضافة لحُسنها، الذي لا تجري الاشارة اليه الا لماما، تتميّز بنموّ غير عادي وغير متكافئ في خلايا دماغها، مما يؤهلها لتعلّم ايّة لغة في اقل من عشرين يوما مثلا. كذلك فان قدرتها على الفصل ما بين المشاعر والافكار، بين الذاتي والموضوعي، سيزوّد الرواية بصوت اخر، صوت يمتلك صفات علميّة خالصة ومجرّدة، وسيستغلّها المجرم، عنيت المؤلف، ابشع استغلال، والا لما جعلها كذلك!
ثمّ؟
تكشف له الدكتورة سيينا، بان شيئا ما كان معه وقد اخفاه بجيب سترته. يبحث فلا يجده، حتى تعثر هي عليه، بعد ان تكتشف ‘الجيب السرّي’ في بطانة سترته.
يا لذاكرة لانغدون اللي راحت!
يعثران على ختم اسطواني من المعدن، وقد اضيفت له صور وخيالات ديجيتال. يرى صورة (عجوزي المُفضّلة) تومض فيها كحلم، ورموز سيجدّ لانغدون في البحث عن حلّها.
وعلى وقفتهما قبالة النافذة، يتصل لانغدون بالسفارة الامريكيّة هناك طامعا بحمايته. وعملا باشارة من سيينا يعطيهم عنوان الفندق الذي يرونه من النافذة، مقابل شقتها تماما. تمرّ دقائق ليرى القاتلة الماجورة تدخل الفندق، ثم قوات من البوليس الايطالي وحفنة من العسكريين بملابس سوداء يحاصرون المبنى!
‘يا الهي! حكومتي تُريد ان تقتلني؟’
وهكذا تكبر الحكاية وتدخل فيها دول وجيوش وسفارات، في محاكاة لاعلان AT&T الذي يتردّد منذ سنوات: Think BIG, Think Global!
تستعير له بدلة من جارها ليفرّا ثانية، ولكن، في هذه المرّة بحثا عن حلّ لمعضلتهما التي ارتبطت عضويّا وروائيّا بالرموز والقضيّة التي وجدا نفسيهما متورّطين بها.
وهو ما سيفتح الباب، واسعا، ليدخل، ويحشرنا معه، راضين، في الجحيم. واعني جحيم دانتي طبعا.
يستغلّها فرصة ليقدم لنا رؤية مختصرة لـ ‘الكوميديا الالهية’ لدانتي، اهميتها، تأثيرها على مختلف الفنون والاداب والفلسفات، وتثبيتها لرؤية مجسدة لـ’النار’ ، ولاول مرة، في الثقافة المسيحية!
بعدها نرجع للانغدون الذي اصبح الجحيم قضيته، بعدما كان مادة يسقيها لطلابه بحماس ومحبة!
صحيح ان اداب وفنون عصرنا، او ‘بعد ما بعد الحداثة’ كما يطلق عليه البعض، و’عصر الوايرلس’ كما اسميه، ومنهم دان براون طبعا، مغرمون بالحضارات والميثولوجيات وادبيات العصور الوسطى وما سبقها وما تبعها، ولكن قل لي: كم من دان براون نحتاج لكي لا نُعيد احياء تلك الكتب والعصور والرؤى وانما نهضمها برؤية واسلوب معاصر، مثير ومميّز، وقادر على سحبنا لعوالمها؟ الم يقُل مارك توين بـ’ان القول بضرورة قراءة الكلاسيكيّات صحيحة وضروريّة دائما، لاننا يندر ان نعود لقراءتها بالجدية المطلوبة ابدا’!
ماذا؟ يتعكّز براون على مُنجز دانتي؟ ويسرق شعلة ناره من جحيم دانتي؟
كذلك فان قتل الاحياء مهمة سهلة ولكن احياء الموتى..
ولمَ لا؟ لمعرفة طول قامتك الحقيقي عليك مقارنته مع شموخ الفطاحل والاقوياء. وان سرقت، اسرق جملا، وان عشقت، فاعشق الكلاسيكيّات بشرط تذويبها بمادتك وليس الوقوف عند حدود قولها!
ثم ان تحديات الروائي المعاصر جسيمة، اذ بات عليه ان ينتزع قارئه من مغريات محيطه وبيئته التي تتنازعها ‘المُتعيّات’ كما تتنازع النار ارواح ضحايا دانتي في جحيمه. لذا فعليه ان يدسّ ‘النار’ في العسل، ويدسّ لانغدون في فلورنسا قبل ان يسفّره الى اسطنبول / تركيا!
‘تركيا؟’
‘طبعا. انتظر وسترى، او حلّ عني واسرع بقراءتها!’
ورغم انقلاب الدنيا بحثا عنهما، الا انهما ينجحان باختراق حواجز الشرطة والجيش ليصلا الى المدينة القديمة، حيث عالم دانتي وما تبقّى منه. يدخلان متحفا استدلّ عليه لانغدون من تاويله لاحد الكودات، لتستقبله مديرة المتحف بعد ان ميّزته حال رؤيتها له، يعصر راسه علّه يتذكر، فيعجز عن ذلك، حتى يفاجا الجميع بان قناع موت دانتي مفقود، وان اخر من راه كان لانغدون نفسه عند حضوره في الليلة الماضية، وما ان يشاهدون الفديو الذي سجلّته كاميرات امن المتحف، حتى يرى لانغدون بنفسه، كيف اخرج كيسا من جيبه، ليضع فيه القناع ويُسلّمه لاغناسيو، وهو الرجل الذي تسلّل ليتسلّمه منه مستغلا غياب امينة المتحف الحامل بعد ذهابها لدورة للحمّام. عندها تامر الحرس بان يتحفظوا على لانغدون ورفيقته، وتتصل بالبوليس. وبانتظار البوليس، يتصل من يخبر لانغدون بان اغناسيو مات ليلة امس في ظروف غامضة ويبدو بانه اصيب بنوبة قلبيّة وقد ترك له رسالة صوتيّة ستكون هي الخيط القادم الذي على لانغدون تتبّعه، خاصّة بعد فراره مع سيينا في اللحظة الاخيرة ورحمة امينة المتحف التي امرت بعدم اطلاق النار عليهما بعد ان رات العدد الهائل من رجال البوليس والجيش وهم يهبّون على المتحف والمنطقة كلّها.
‘لاحظت تعدّد الوجوه النسائيّة في الرواية وتنوعها، خيرا وشرّا؟’
‘طبعا. والشريرة منها خاصّة! وكان دان براون يذكّرنا بان ادعاء ‘لو تُركت ادارة المراة للعالم لن تغيّر كثيرا بأساليب ادارته، ولن تعمّم السلام فيه لاننا كلّنا، رجالا ونساء، محكومون بنسبة الفيفتي فيفتي (50/50) او النسبة المفترضة للخير والشرّ!’
يهربان مرّة اخرى، بعد ان يمسكان بطرف خيط اخر، تركه لهما اغناسيو بوصيته الصوتية مشيرا الى ‘باراديز 25’ التي سنعرف بانها تشير الى قصيدة لدانتي، يجري تحليلها كنصّ ادبي للعثور على ادلّة بوليسيّة!
‘ الحقيقة، لا تومض، الا في عين الموت’ مقولة يكرّرها عشرات المرّات وعبر فصلين وكانها حقيقة دانتي، او حقيقة العالم، او ربّما حقيقة لانغدون الذي انطلق في رحلته من عين الموت؟
لانغدون وسيينا يعثران على ‘قناع موت دانتي’ وقد خُطّت على قفاه الملياردير وعالم الجينات والهندسة الوراثيّة برتراند زوبرست. يتصدّى لهما جندي بملابس سوداء لينقذهما رجل يدعى جوناثان فيريس منه ثم يدّعي بانه من منظمة الصحة العالمية.
يسرع الثلاثة لحلّ اللغز الذي ياخذهم الى البندقية (فينيسيا). ووسط ضجيج السوّاح يسقط جوناثان مغميّا عليه. وبينما يساعد لانغدون سيينا على الهرب، يسقط في يد جندي من ذوي الملابس السوداء. عندها ياخذون لانغدون الى عجوزتي المفضلة: اليزابيث سينسكي التي تبيّن بانها رئيسة منظمة الصحة العالمية، وهي التي احضرت لانغدون من امريكا على عجل، لانقاذ ما يمكن انقاذه من براثن زوبرست!
قبل ذلك، وعبر فصول قصيرة، خاطفة ولمّاحة، اسّس دان براون للخلفية الفكرية لشخصيّاته، اعداءه خاصّة ما دمنا نعرف دوافع لانغدون الانسانيّة التي لا تختلف عن اخلاقنا بشكل عام، فشهدنا حوارا نابضا، ضاجّا بالاحصاءات عن التضخّم البشري الذي سيصل الى حجم ورقم لن تعود الارض لاحتماله، ثم حوار اخر، شرحت لنا به سيينا، بتجريديتها العلميّة نظريّة دكتور زوبرست (الظل الذي افتتحت به الرواية) عن ضرورة ايجاد حلول واقعيّة وبايولوجيّة لايقاف النموّ الهائل والسريع لتعداد البشر. كما عرفنا، ومنذ البداية، بان كارثة ما ستحدث غدا، اذا ما سارع بطلنا لسحب فتيلها.
تخبره سينسكي بان زوبرست، الذي انتحر قبل اسبوع من ذلك، كان عالما مجنونا، مهووسا بدانتي وجحيمه، قد خطّط لوباء يجهض اعداد البشريّة، وقد يطال اعدادا خرافيّة منها، وانها لجات اليه (الى لانغدون) يوم امس وجلبته من اميركا لمعرفة ما خباه من رموز في الختم الاسطواني الذي عثر عليه لانغدون في جيب سترته بعد ان فقد ذاكرته بشكل جزئي. وانها ظنّت بان لانغدون قد باع نفسه لهم، بسبب اختفائه وتوقفه عن الاتصال بها، لذا امرت قوّات منظمة الصحّة العالمية (ذوي الملابس السود) بالقبض عليه وليس قتله. وان هنالك منظّمة ربحية وغير معنيّة بالاخلاق، تُدعى ‘كونسرتيوم’، قد قامت بخطفه في الليلة الماضية، ولكنهم اطلقوا سراحه بعد ان حقنوه بدواء يمسح ذاكرته القصيرة لكي يحلّ اللغز الذي زرعه دكتور زوبرست قبل انتحاره، علّه يكون كفيلا بانقاذ العالم من وباء مُحقق.
وقد اتقنت هذه المنظمة عملها، فخدشت راس لانغدون لتقنعه باصابته برصاصة في رأسه، وما كانت الدكتورة سيينا والقاتلة الماجورة وجوناثان غير ممثلين يؤدون ادوارهم لاثارة حماسه ومساعدته في حل اللّغز!
(ما علينا: الفن لعب في اغلبه، شرط ان نخرج منه بدلالات موحية).
بعدها ينتقل مسرح الاحداث الى تركيا لنكتشف بان دان براون لا يكفّ عن قلب الطاولات في وجوهنا في لعبة لن تنتهي حتى اخر نفس، اعني اخر صفحة من روايته.
‘هذه هي الرواية!’
‘طبعا لا، فهي في 480 صفحة. ثم اني وعدت بقراءتها وليس توفير مالك عليك!’
والحقيقة ان هذه ليست الرواية فعلا، وانما هي مركبتها، او سيّارتها كما تسمّيها صاحبة ‘لا ملائكة في رام الله’ الروائية ايناس عبدالله، مركبتها او مبرّرها الذي ياخذنا للتطواف ورؤية ما لايمكن ان نراه من دون قراءتها.
‘ما الذي يدفعك لقراءة رواية؟’
‘للتعرّف على شخوصها، تراها في حركتها؟ تقرا افكارها وتختبر مفعولها؟ تزور اماكن في حالات استثنائية، كما لن يحدث لك لو زرتها!
تسطتعم لذة الكلام، اللغة، الاسلوب، الانتقالات، الايقاع؟ وتسغرق في مختلف باشكال بلاغتها؟
ان تُدخلك في معركة، صراع، دراما تعرف اثناء حدوثها بانك في مناى عن خطرها، وانك ستخرج سالما ولكن بتجربة مضافة.
وفي النهاية تملك جديدا يشغل الذاكرة، الذاكرة المُعطّلة لكثرة تكرار ما هو يومي ومالوف حد الصفع!’
ومَن اكثر من دان براون، يكتب رواية ذكيّة؟ حيّة ومتدفقة؟ مُتصلة بعصرها وقارئها، تلتصق بمجريات العلوم والتكنولوجيا وتمزجها مع التاريخ، والفنون والاداب، والشعوب والثقافات، لذا اصبح اكثر الكتّاب مبيعا في العالم (بعد الرب) كما يستطرد الكوميديان ستيفن كولبير ضاحكا وهو يبدا لقاءه بالمؤلف!
رموز ورموز!
عربيّا، قرّاء وكتّابا، ما زلنا ننتظر من الرواية او الروائي، ان يؤلف لنا رواية بضخامة ‘اولاد حارتنا’، ليؤسس لنا رمزا واحدا، او يحوك جملة من الرموز، عالميا، وامريكيّا خاصة، لا تخلو رواية، مهما كانت نيّتها، سوقها او قارئها، من توليد الرموز. رموز شفّافة تمنح الشخصيات ابعادها، دون ان تلحّ على مُتلقّيها ان: انظرهنا، هذا رمز، و’خلي بالك’، انتبه، فقد دخلنا غابة من الرموز! وانما على العكس تماما، فان الكاتب يزرع رموزه هنا وهناك ‘وعالماشي’ وبشكل لا يعطّل القراءة، ولا يشترط ان تمسك بالرمز/ الرموز لكي تحقق القراءة اشباعها، فقد تبقى، هذه الرموز، تداعب لا وعي قارئها حتى لو ظلّ الرمز غائما، والشخوص لا تُسفر عن ذاتها كـ’جبلاوي’ او’عرفة’ اولاد حارتنا! لذلك تبقى الرموز مغروسة لمن يحصدها، وملقيّة على ارض الرواية لمن يلتقطها!
اما الشخصيّة الاكثر اثارة للريبة، في جحيم دان، فقد كانت ( عجوزتي المفضلة) التي بدت في مطلع الرواية كعزرائيل او (ملاك الموت) بشعرها الفضّي المنسدل على ظهرها كباقة من حرير، ثم تبيّن بانها رئيسة منظمة الصحة العالمية التي فقدت قدرتها على الانجاب مبكرا، فاصبحت ام البشر التي فاتتها فرصا كثيرة لانقاذ ابنائها خشية عليهم، وكانت واحدة من اهم مفاتيح الرواية خاصّة وان اسمها ‘اليزابيث’ ( الملكة) (sins-key) التي لا يمكن ترجمتها بغير (مفتاح الخطايا)، وهو الاسم الذي لا يمكن فرزه وتفكيكه قبل معرفة دورها، والذي تقلّب، ايجابا وسلبا، حتى تبيّن في الفصول الاخيرة من الرواية!
ثم هنالك الدكتورة سيينا التي عانت من كونها اما عقلا محضا، (مجرّدا)، او عاطفة خالصة وجيّاشة، ومن هنا جاء ضياعها متوّجا باسمها (سيينا الموحي بسيناء، والضياع التوراتي لليهود في صحرائها عبر اربعين عاما)!
بينما جاءت الشركة التي تعاقد معها دكتور زوبرست، العالم البيولوجي الملياردير، الذي اراد تعميم الوباء على البشر، ليكون شفرة موازية للشركات التنفيذية العملاقة من بلاكووتر الى هاليبرتون، والتي تُنفّذ ما يطلب منها زبائنها، ببراغماتيّة مُخيفة، وبغض النظر عن الغاية الاخلاقية مما تفعله لهم، والتي هي الارهابي الحقيقي فاستحق صاحبها ان يوضع رهن الاعتقال في النهاية، وهو المال الذي يستحقه وليس كما هو حاصل الواقع طبعا!
ابواب امريكا وابواب العالم!
ولعلّ واحدة من المفارقات تكمن، في ان براون، يقدّم العالم الاخر لاميركا، فاميركا التي انفتحت ابواب العالم كله، لاستقبال منتجاتها ومخترعاتها، ظلّت تناى عنه وتُغلق، بشكل او باخر، دونه محيطاتها:
‘تعني يفتح ابواب اوروبا العجوز؟’
‘اه. منَ وصفها كذلك؟ نعم كان مسؤولا امريكيّا كبيرا، ضيّق العينين، عاقد الحاجبين، ومتجعّد الجبين؟’
وسواء كان الجواب دونالد رامسفيلد او غيره فان دان براون يبقى، في الاعيبه ورواياته، لم يعُد ينافس، باثارته وتشويقه، السينما فقط، وانما تجاوزها لالعاب الفيديو التي يرى البعض بانها المرشح الاكبر لتحلّ في مكانة الادب والسينما معا، وهنالك من يُطلق عليها ‘ادب المستقبل’. فاذا ما كان الكثيرون منّا يشكّكون بادبية وفاعليّة روايات دان براون الان، فكيف بهم ونحن على اعتاب ادب المستقبل، او كما ما زلنا نسميها حتى اليوم: العاب الفيديو!
واخيرا:
ان تعالينا عن قراءة، ومتابعة ما ينتجه دان براون، لا يعكس عدم قدرتنا على الغوص في عالمه فقط، وانما الاستخفاف بعشرات الملايين من القراء، من مختلف الاعمار والاهتمامات والجنسيات، وان تجاهل مُنجزه الروائي، لن يعني اكثر من اننا لا ننزل من برج عاجيّ الا لننزل السلالم كلها فهبطنا اكثر من اللازم، واكثر من المطلوب، كعادتنا، ليستقرّ بنا المقام، تحت الارض، في عالمنا السفلي، حتى بتنا نتطلّع لشوارع العالم، الذي هو عالمنا، من قعر سرداب صار من الصعب الخلاص منه!
كاتب يقيم في امريكا
[email protected]