عمان – الأناضول: في المخيمات الفلسطينية في الأردن بات فن الجداريات الوسيلة الأبرز للاجئين لإبقاء قضيتهم حية، وللتعبير عن تضامنهم مع قطاع غزة، الذي يعيش للشهر الثامن على التوالي تحت وطأة حرب إسرائيلية دمّرت كل معالم الحياة ومعانيها. فعلى جدران المنازل والأماكن العامة في هذه المخيمات، تتنشر جداريات فنية مصحوبة بعبارات تحدٍ لإسرائيل، من قبيل «غزة لن تركع» و«لن نركع»، ليؤكد من خلالها اللاجئون أن قضيتهم أكبر من أن تنسى.
ويعيش نحو 2.5 مليون لاجئ فلسطيني في الأردن، منهم نحو 460 ألفا داخل 13 مخيمًا، وفق إحصاءات رسمية، ويعد مخيم البقعة شمال العاصمة عمان أكبرها، حيث يحتضن نحو 120 ألف لاجئ.
في «البقعة» لجأ الكبار إلى فن الجداريات لإبراز تضامنهم مع غزة، ولتعليم الصغار أن حب الوطن لا يتغير بتغير الأجيال، لكنه ينمو ويتجدد مع توالي المآسي والويلات. تقابلك في كل ناحية جداريات متضامنة مع غزة ومناصرة للقضية الفلسطينية، منها جدارية مكونة من عبارة «لن نركع» إلى جانب خارطة فلسطين ورسم للكوفية التراثية، وجدارية ثانية تظهر رسمة لشارة النصر مع عبارة «البندقية هي السبيل الوحيد لتحرير فلسطين».
فيما تتكون جدارية ثالثة من رسمة لرجل ملثم يمثل «أبو عبيدة»، الناطق باسم «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة حماس، مع عبارتين من أقواله هما «المقاومة هي الممثل الشرعي والوحيد لي»، و»لا سمح الله».
وضمت جداريات أخرى عبارات من قبيل «طوفان الأقصى.. غزة لن تركع» و»نموت وتحيا فلسطين»، والتي يقول عدد من لاجئي المخيم إن مضامينها تهدف إلى إبقاء القضية الفلسطينية حية في نفوس الأجيال الجديدة. بهذا الخصوص، يقول اللاجئ محمد غانم (73 عاما): «هذه العبارات والشعارات تؤكد أن القضية الفلسطينية ما زالت حية في نفوسنا».
ويوضح المسن الفلسطيني أن من يخط ويرسم الجداريات هم «فنانون بعمر الشباب؛ ليدللوا على أنهم يعيشون مع فلسطين وإن أُبعدوا عن ترابها».
ويضيف: «في الحرب الحالية (على قطاع غزة) تقتل إسرائيل الأطفال والشيوخ حتى ينسوا القضية الفلسطينية». ويشدد على أن إسرائيل ستخفق في خطتها هذه فـ»الشاب أو البنت يتشرب منذ الصغر بحب فلسطين، وهذا الحب لن ينتهي على مر الزمان».
وبينما يؤمن غانم بأن «فلسطين لن تعود بالكلمات وإنما بالقوة، فما أُخذ بالقوة لا يرد إلا بالقوة»، إلا أنه يشير إلى أن «الشاب الفلسطيني عندما يعيش وسط هذه الرسومات، فهو يتعلم منها ضرورة وأهمية الدفاع عن بلاده». من جانبه، يقول اللاجئ الستيني حسن أبو جزر، إن «هذه الرسومات والكتابات يرسمها فنانون بهدف تشكيل عمق للقضية الفلسطينية».
ويرى أن «الصغير الذي لم يعش القضية الفلسطينية يتعرف من خلال هذه الجداريات على ألوان العلم الفلسطيني ودلالتها، والنضال الفلسطيني؛ وبذلك يبقى الوطن في ذاكرته ولا ينساه» معتبرا أن «الإنسان بلا وطن لا قيمة له». ويضيف: «نحن دائما ندعو لفلسطين وللمجاهدين ولحركة حماس؛ لأنهم شعبنا، وهم يعيشون مأساة عشناها قبل عقود».
على النحو ذاته، يقول اللاجئ حسن أيوب (48 عاما)، إن «هذه الرسومات والكتابات تحيي جيلاً مدافعا عن القضية؛ فنحن الجيل الكبير من نوصل هذه الرسومات وما تعنيه للأجيال من بعدنا، وهم بدورهم سيبقون القضية حية لدى الأجيال التي تليهم». ويضيف أيوب: «صرنا نعبر بالصور والكلمات، وتأثيرها يتمثل على من بعدنا؛ لأنه سيسأل، والرسالة ستصل لجيل واعٍ، وحتى لو أرادوا (الإسرائيليون) أن ينهوا الضفة وغزة فنحن موجودون».
ويعتبر الأكاديمي والباحث الأردني في علم الاجتماع حسين خزاعي، أن «هذه الرسومات والكتابات هي دلائل على تعلق كبير بفلسطين لدى هؤلاء اللاجئين، وإن مكانتها ما زالت كبيرة في نفوسهم رغم أنهم بعيدون عنها منذ زمن طويل، ومنهم من لم يرها». ويرى خزاعي أن هذه الأعمال الفنية من قبيل «البطولات الاجتماعية».
ويردف أن اللاجئين في الأردن «يواصلون إحياء القضية الفلسطينية والتعلق بها والالتفاف حولها، عبر هذه الرسومات والكتابات». أما من وجهة نظر سياسية، فترى أمل عاشور، الباحثة الأردنية في العلوم السياسية، أن «الصور والعبارات المرسومة والمكتوبة على الجدران في المخيمات الفلسطينية تعبير عن حكاية استمرت عقود طويلة». وتقول موضحة: «من خلال هذه الجداريات يقول اللاجئون إننا لن نتخلى عن فلسطين، وهي من أهم الثوابت والمسلمات». وتشير إلى أن الجداريات تمثل «قوة روحية ومعنوية، وتعتبر أن الجداريات «تمثل كذلك رسائل إلى كل دول العالم على إصرار الفلسطينيين بالعودة إلى قراهم ومدنهم التي هُجروا منها».