جدار الجهل

حجم الخط
0

قام المشروع الاستيطانيّ الصّهيونيّ في فلسطين على التّشويه المستمرّ للحقائق ونشر المعلومات المزيّفة حول طبيعة المنطقة والأحداث، ليحرص بذلك على إحاطة القضيّة الفلسطينيّة بـ’جدار من الجهل’ قبل إقامته لـ’جدار الفصل’ على أرض الواقع. وقد هيّأ ذلك للكيان الصّهيونيّ – وبشكل قلّ نظيره تاريخيّا – دعما وتعاونا عالميّين في المجالات كافّة. ويعدّ اعتماده على التأييد الدّوليّ نقطة قوّة رئيسة أخذت تضعف تدريجيا نتيجة لحملات التوعية بالحقائق التاريخيّة والآنيّة المتعلّقة بفلسطين، والتي تسهم بشكل كبير في إعادة توجيه الدفّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة في التعاطي مع الشّرق الأوسط في المجتمعات ‘الغربيّة الديمقراطيّة’. تتركّز معظم الجهود في هذا المجال على صعيدين اثنين؛ أولّهما يرتبط بما يسميّه المفكّر الفرنسيّ (روجيه غارودي) ‘بالأساطير المؤسِّسة لإسرائيل’ تاريخيا، وهي المعلومات المزيّفة التي روّج لها الصّهاينة عن فلسطين؛ كزعمهم بأنها أرض بلا شعب لشعب (اليهود) بلا أرض. يضاف إلى ذلك محاولات الرّبط الدّائمة بين معاناة اليهود في أوروبّا سابقا و’حقّهم’ في فلسطين حاليّا، وهو ما تصدّى له عدد من الباحثين اليهود أنفسهم. على الصّعيد الآخر تبرز محاولات كشف الوقائع الآنيّة للممارسات غير الإنسانيّة لكيان ينتهج أبشع أشكال الفصل العنصريّ، وذلك من خلال عدد من الكتّاب والناشطين، فضلا عن حملات ومنظمّات عالميّة تخدم جميعا الهدف ذاته.و قد أوجدت المنظمات التضامنيّة الدوليّة مع فلسطين واقعا ملموسا في مختلف أنحاء العالم. فبالإضافة إلى التّوعية الإعلاميّة، أسست حملاتها لنوع جديد من السّياحة يمكن تسميته بـ’السّياحة التوعويّة’؛ التي تتكفّل بتعريف ‘الغربيين’ على الواقع المأساويّ في فلسطين من خلال جولات ميدانية. ناهيك عن عديد الحملات والقوافل الإنسانيّة التي تتحرك حاملة أطنان المعونات، أو تلك التي تكتفي بحمل إيمانها بحقوق الشعب الفلسطينيّ المسلوبة في وجه مغتصبيها!. وهنا تظهر نجاعة هذا الوعي الذي يدفع الأوروبيّ والأمريكيّ وغيره إلى التخليّ عن رغد العيش في بلاده، مضحيّا بحياته من أجل حريّة الآخرين، حيث أدّت وحشيّة المحتلّ بالفعل إلى خسارة عدد من ‘شهداء الحريّة’؛ كابنة الثلاثة وعشرين ربيعا (ريشيل كوري) التي ماتت دفاعا عن بيت فلسطينيّ في غزّة!. إنّ ما وصلت إليه هذه الجهود من نتائج ملموسة حول العالم؛ كحملات المقاطعة الاقتصاديّة والثّقافيّة والعلميّة والسّياسيّة وحتى الرّياضيّة ضدّ الكيان يذكّر بالعزلة الدّوليّة التي عاشها نظام التمييز العنصريّ في جنوب إفريقيا إبّان سنينه الأخيرة.ولم تعد القضية الفلطسينيّة اليوم مادّة لجدالات عشوائيّة، بل فرضت فلسطين المحتلّة نفسها – وبقوّة – كقضيّة علميّة موثّقة، أُفرِدَت في بحث جوانبها المختلفة كتب أو أجزاء من كتب وأبحاث في مختلف العلوم والفنون. وهو ما يؤكّده العالم اليهوديّ (نعوم تشومسكي) الذي بيّن بأن السنين الماضية شهدت نقلة نوعيّة في المؤسسات العلميّة للولايات المتّحدة؛ حيث أصبحت قضيّة فلسطين محلا لنقاش جديّ ومفتوح، وهو ما لم يكن متاحا في السّابق. إنّ أهمّ ما تفتقر إليه هذه المحاولات الهامّة يكمن في ضرورة التنسيق المشترك والمتكامل بين أشكال الحركات التوعويّة المختلفة. فتوحيد الجهود ضمن خطّة عمل منسّقة على مستوى العالم سيسهم بالتأكيد في دفع عجلة الإنجاز وتوجيهها بما يخدم القضيّة الفلسطينيّة وإيصال الحقيقة إلى المجتمعات والحكومات بشكل أكبر، والضغط عليها لتحويل الحراك العالميّ غير الرّسميّ غالبا إلى قرارات سياسيّة فعّالة.وكما تمكّنت الحركة الصّهيونيّة بما تحمله من فكر مشوّه وتنظيم وعمل دؤوب من إقامة ‘دولة’ من العدم، فإنّ الفلسطينيين اليوم قادرون – وأكثر من أيّ وقت مضى- بما يمتلكونه من حقائق ووعي عالميّ إضافة إلى مزيد من التنظيم والتّخطيط من هدم ‘جدار الجهل’ الذي يحاصر قضيّتهم تمهيدا لتدمير ‘جدار الفصل’ واستعادة حقوقهم في وطنهم المسلوب.مصطفى صاحب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية