عرفنا للجدران تاريخا طويلا وتشييدها يستصحب دائما حججا ظاهرية وأخري باطنية. ان من يشيدها دائما يتلمس الشفاعة لها في ضرورات تحقيق الأمن. وتجاربها كلها تشهد علي أنها لا تسهم في ذلك. فجدار برلين لم يحقق وقف الهروب من المانيا الشرقية، ولا منع تدفق المعلومات إليها فحسب بل زاد مشاكل السلطة. أما أسوار إفريقيا الجنوبية من أجل محاصرة السكان الأصليين في قراهم ومدنهم، فلم تسقط هذه الأسوار العازلة فحسب، بل سقط النظام العنصري برمته معها. وكذلك الجدار الصهيوني لم يكن غرضه تحقيق الأمن، بالرغم من الأدعاء بذلك. ولا يعود تفسير قلة العمليات الفدائية إلي قيام ذلك الجدار، بل إلي الظروف السياسية المتطورة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل أجبر المقاومة الفلسطينية علي تطوير تقنيات أخري تنسجم مع متطلبات الواقع والبيئة الجديدة.
لا يملك الأمريكان وعملاؤهم ما يبررون به قصة الجدار المحيط بالأعظمية سوي القول إنه من أجل حماية سكان الأعظمية من هجمات فرق الموت التابعة للميليشيات الطائفية.
لقد أوصلوا العراق وشعبه الي ما وصل إليه الان من قتل وتدمير للإنسان العراقي والبني التحتية والفوقية للبلاد. أما موضوع البحث عن بدائل أمنية عوضا عن الجدار، فهو برأي الكثير لا يعدو أكثر من حقنة كاذبة مهدئة زرقت في موقعها، بعد أن انتفض سكان الأعظمـــية في تظاهرة حاشدة يوم 23-4-2007 ضد هذه الخطوة الطائفية البائسة. ان الهدف الأول أمني هو منع المقاومة من امتلاكها حرية الحركة والحماية الشعبية من قبل جماهير الشعب العراقي التي تغطي تحركاتها. والهدف الثاني هو من أجل تقسيم العراق إلي دويلات عمليا، وهذا ما غذته الوسائل الأمنية والسياسية الأمريكية.
إن الخطة مستوحاة من النهج الصهيوني في فلسطين الذي اعتمد مثيلها في احتلاله للضفة الغربية وغزة والمبنية علي التعداد الكبير في الحواجز، الذي يعزل كثيرا من القري ويقسمها أيضا، من أجل تحييد حركة المقاومة الفلسطينية من تنفيذ عملياتها. ووسور الاعظمية ليس صحيحا ما ذهب اليه المحللون بأنه محاولة للتقليل من الصراع المذهبي، بل هناك أهداف أخبث هي المقاومة ووحدة العراق وعروبة العراق، فكان أن أصبغت هذا الجدار بالدماء والأشلاء، ويتم الآن استكمال تشييد الأسوار الجغرافية. ومطلوب تقسيم المواطن العراقي إلي أنصاف وإرباع، هذا هو الحل الأمريكي للفشل القاتل اي معالجة الفشل بأفشل منه. ومن يقرأ تاريخ الويلات المتحدة الأمريكية يريإنها أكبر مصدر للعنف.. اختر أي فيلم أمريكي لتتبين دروس الأشلاء وتمجيد العنف والقتل. مشروع الاحتلال والعملية السياسية انتهت الي فشل، مثلما انتهي الحل العسكري، في حين فشل في المقابل المخطط الأمريكي لبناء الشرق الأوسط الكبير والجديد. يضاف الي ذلك ان ازدياد حجم الخسائر الأمريكية ادي الي إستنزاف قدرة قوات الاحتلال علي التحمل وفقدان توازنها كأكبر قوة عسكرية في العالم، الأمر الذي ادي الي تدني معنويات الجنود الي درجة كبيرة، وقد نجد نموذجا عنه في حالات الهروب واللجوء والأصابة بالأمراض النفسية التي وصل البعض منها الي حد الجنون والانتحار، هذه هي الوصفة الحقيقية لنهاية الاحتلال.
ناجي حسينشاعر وكاتب سياسي6