■ تعتبر جدلية المقدس والمدنس من الركائز التي يتأسس عليها الأدب الأفغاني المعاصر والحديث. هذه الجدلية التي نجدها في كل الآداب العالمية، تتخذ شكلا جديدا في النتاجات الأدبية الأفغانية، نظرا لتعدد الأسباب الاجتماعية والدينية والسياسية والأيديولوجية. فعلاقة المقدس بالمدنس جد ضيقة، وتثير العديد من القضايا المتعلقة بالعالم الإلهي، ووجودها الدائم في النص الأدبي الأفغاني دفعنا إلى التساؤل حول ماهيتها ودوافع الكتاب من خلال التطرق إليها أو الإشارة إلى بعض المشاكل التي تندرج ضمنها.
هذا التعايش بين المقدس والمدنس والموت والخلود، والطبيعية والميتافيزيقا، يشغل مساحة أكبر في السرد الأدبي، بشكل خاص عند عتيق رحيمي، خالد حسيني، سبوجماي زرياب ومحمد حسين محمدي. يحاول هؤلاء الكتاب الأفغان خلق فضاء سردي يمكن هذه العناصر المتناقضة من التواصل في ما بينها داخل النص الواحد، فاتصال الطبيعة بالميتافيزيقا، والموت بالحلم داخل العالم الداخلي للشخصيات، يجعل من النص الأدبي متاهة متعددة المداخل ووحيدة المخرج، أما العالم الخارجي فهو عالم يعكس هذه التناقضات بطريقة قريبة من الواقع، بحيث يحس القارئ أنه أمام شخصيات واقعية تعكس الحياة اليومية في أفغانستان. فالمقدس ينتمي إلى «مجال منفصل، محظور، مصون». فهو كل شيء يستحق الاحترام المطلق، شيء له قيمة مطلقة لا يمكن لمسها أو المساس بها. هذا التعريف الذي اقترحه معجم Le Petit Robert يسمح لنا بفهم معنى ومظاهر المقدس في النص الأدبي.
يصبح المرء مدركًا للمقدس لأنه يتجلى كشيء مختلف تمامًا عن المدنس
فحسب Mircea Eliade فإن المقدس يتمظهر دائما على أنه حقيقة من أي نظام آخر خارج الحقائق الطبيعية». لتعريف المقدس، يؤكد الباحث في علم الأساطير على معارضته للمدنس كنقيض له. يصبح المرء مدركًا للمقدس لأنه يتجلى كشيء مختلف تمامًا عن المدنس. لترجمة فعل هذا التظاهر، يستخدم Mircea Eliade مصطلح «hierophany»: «وهو كل شيء مناسب، لاسيما أنه لا ينطوي على أي دقة إضافية: فهو يعبر فقط عما ينطوي عليه في محتواه اللاتيني، أن نعرف أن شيئًا مقدسًا يظهر لنا. «على سبيل المثال، في رواية حجر الصبر، يتمظهر المقدس من خلال حجر الصبر، والقرآن وريشة الطاووس، فهذه الأشياء المقدسة التي تجسد الواقع الأسمى المختلف تمامًا عن الحياة اليومية للمرأة. فهذه الأشياء ترمز للفضيلة والنقاء والسلام. إنها تجسد العالم الغامض، إنها تجسيد لشيء «مختلف جدا»، حقيقة لا تنتمي إلى عالم المرأة، على الرغم من أن هذه الأشياء هي جزء لا يتجزأ من عالمها الطبيعي. فالارتباط بهذه الأشياء ليس تبجيلًا لها. فالحجر والقرآن والريشة تتخطى معناها، فهي لم تعد حجرًا أو كتابًا ولا قلمًا، بل مقدسًا، تجسيدا للروح الإلهية. وفقا لـ Mircea Eliade، لا تفقد هذه الأشياء جوهرها: «في إظهار المقدس، يصبح الشيء أي شيء آخر، بدون التوقف عن التعبير عن نفسه، لأنه يستمر في المشاركة في البيئة الكونية المحيطة به. الحجر المقدس لا يزال حجرًا. على ما يبدو (أكثر تحديدا: من وجهة نظر علمانية) لا شيء يميزه عن جميع الأحجار الأخرى».
يعتبر المسلمون الحجر شيئا مقدسًا لأن واقعه الآني يتحول إلى حقيقة خارقة للطبيعة. بعبارة أخرى، يجد المسلم في الحجر نوعًا من الوحي الإلهي والصوفي والروحي. يقدم هذا الفضاء الخارق مساحة مطلقة، حيث يمكن للمقدس أن يعبر عن نفسه. ونتيجة لذلك، غالباً ما يُترجم تشبيه المقدس والمدنس كالتناقض الحاصل بين الحقيقية الطبيعية والميتافيزيقا، بين الواقع والحلم، وبين الواضح والغامض. دائما حسب Eliade، فالإنسان الحديث قد دنس عالمه وافتتح تجربة مدنسة. يشكل المقدس والمدنس طريقتين للوجود في العالم، وهما وضعان وجوديان عاشهما الإنسان خلال تاريخه. هاتان الحالتان تتقاطعان مع الخيال الأفغاني وتشكلان جانبًا خاصًا من أدبياته.
وغالبا ما يعتبر المقدس مصدر المعاناة والحبس والتعازي. إن الشخصيات في روايات خالد حسيني وعتيق رحيمي مرتبطة بالدين بشكل وثيق. تصبح أوضاعها النفسية المتدهورة أهدافًا للتساؤل والبحث عن المعنى. تتمرد شخصية المرأة في رواية «حجر الصبر» من خلال الكلمة والجسد، ويستحضر الطفل في رواية «عداء الطائرة الورقية» الدين من خلال حديثه مع أبيه حول المحرم والحلال. فهذه المعتقدات غالباً ما تهيمن على الفضاء السردي. يُقدَّم المقدس على أنه الملجأ الوحيد من سوء الحظ والمعاناة، وهو العلاج الوحيد للشعور بالذنب والفضاء الوحيد الذي يتواجد فيه الزوال والأبدي، الموت والخطيئة والحبس والحرية.
في رواية «حجر الصبر»، يتمظهر المقدس من خلال الصلاة والطقوس الدينية، وكذلك قراءة القرآن الكريم كوسيلة للطمأنينة التي تبحث عنها المرأة:
«تأخذ المرأة السجادة وتنشرها على الأرض. بعد صلاة الصبح، تظل جالسة، تأخذ القرآن، تفتح صفحة محفوظة بريشة الطاووس التي تزيلها وتحتفظ بها في يدها اليمنى. وبيدها اليسرى تُسّبِّح بسبحتها».
إن الصلاة وتلاوة القرآن هما مفتاحان قويان في هذه الرواية، يكشف المؤلف من خلالهما عن الانتماء الديني لشخصياته. يتم تقديم المرأة ضحية لقواعد الشرف التي تفرضها عائلة زوجها والأخلاق الدينية المنافقة على أساس المظاهر. المقدس هو مرادف للأخلاق والتقاليد المستمدة من قراءة خاطئة للدين. وفقا لـ Emilio Sciarrino، فالرجل هو الذي يحمل قوة الله في أفغانستان: المرأة لا يمكنها إلا أن تخضع له. فالمرأة مظلومة، لا قيمة لها، وضحية لمجتمع لا يتسامح مع كلمتها ولا جسدها. وكثيرا ما توضع في الحبس، ويفرض عليها إخفاء جسدها لأنه من المحرمات وموضوع مثيرا للجدل. يشير الأنثروبولوجي Olivier Roy في كتاب المقابلات التي أجراها معه الباحث Jean–Louis Schlegel حول مسألة النساء الأفغانيات المنقبات: «النساء الأفغانيات، كما سبق أن قلت، غالباً ما يكن غير مرئيات للغرباء: لم أر أبداً امرأة في عائلة البشتون، حتى في زمن الملك. بين الطاجيك، يضعن على رؤوسهن قطعة قماش كبيرة ؛ يمكن رؤيتهن في الحدائق أو خلال تنقلهن من غرفة إلى أخرى، بدون أن يستطيع أحد التحدث إليهن: لأنه من غير المهذب أن يخاطبهن أحد، باستثناء الجدة».
يعتبر الكشف عن الجسد تعديا على قدسية المرأة. يفرض المقدس أنماط حياة معينة تقوم على احترام التقاليد والدين. في رواية «حجر الصبر»، يشكل تعزيز الصلة مع الدين وكسرها تناقضا مستمرا. يعتبر هذا الرابط قلب القصة، الذي يكشف عن التناظر بين الجسم الخامل والحجر السحري، الذي يصبح أكثر قابلية للقراءة عندما تستحضر المرأة الله خفية، يصبح حجر الصبر دينًا. فالحجر هو الشيء الذي يرمز إلى المقدس والروحانية في الرواية. بما أن الله غائب حسب الشخصية، تعترف المرأة بحجر صبرها. هذا الأخير غامض لأنه يهدئ معاناته. يقول ت. تودوروف أن «الترميز ما هو إلا ربط للحواس». الحجر هو كلمة أساسية، فهو لا يغادر مخيلته ويستحضره في أغلب أعماله. هذا الحجر المقدس هو رمز الاعتقاد والصبر والتضحية والوحي. يأخذ المقدس كل معانيه من خلال هذا الحجر الذي ربما يشير إلى الحجر الأسود الموجود في وسط الكعبة. هذا الحجر هو رمز إسلامي، وفقاً للتقاليد الإسلامية، يعود إلى زمن آدم وحواء.
يعتبر الكشف عن الجسد تعديا على قدسية المرأة. يفرض المقدس أنماط حياة معينة تقوم على احترام التقاليد والدين.
يعتقد صاموئيل هنتنغتون أن المجتمعات المعاصرة مليئة بالتناقضات القوية التي تجعل العامل الديني عنصرًا شاملاً في التعريف الفردي و/أو الجماعي، كملجأ للهوية، ولكن ربما وقبل كل شيء فالمواجهة المحتملة بين المقدس والمدنس، تتلخص في كلمة واحدة، الصراع. إن تكاثر الحروب والهجمات والعنف اللانهائي يبرر عودة الكاتب الأفغاني إلى الدين، باعتباره الأمل الوحيد لاسترضاء معاناته. يأخذ المقدّس مكانه في الأعمال الدينية للشخصيات التي تؤمن بقوة في العالم الإلهي. كانت الممارسة الدينية، ولا تزال اليوم، قوية للغاية في كل مكان في أفغانستان. المشكلة التي تكمن في هذا الانتقال إلى السياسة: هناك أولئك الذين أصبح الإسلام أيديولوجيتهم العسكرية، وهناك الذين ظلوا ببساطة مسلمين جيدين بدون أن يصبحوا أيديولوجيين للإسلام. بهذا المعنى، يقدم الدين صورًا متناقضة. شخصيات عتيق رحيمي وخالد حسيني وسبوجماي زرياب، كلها شخصيات مسلمة صالحة، ضحية العنف والقهر والحرب. يتجلى ارتباط هذه الشخصيات بالمقدس كفعل ساذج وفطري ولا واع.
فقد ورثت هذه الشخصيات، خاصة شخصيات عتيق رحيمي ممارساتها الدينية واحتفظت بها بدون إعادة النظر فيها أو استجوابها. ففي رواية «ألف منزل للحلم والرعب»، يتم تمثيل المقدس بأربعة عناصر أساسية:
• يتجلى ذلك أولاً عبر الوجود القوي لعالم الآخرة الذي يكمن في كثير من الأحيان من خلال جملة من العناصر (ملاك الموت، العقاب، ظلام القبر، الجن، الجنة والجحيم).
• من خلال أسماء الله والملائكة والأنبياء مثل (الجبار والباعث ومنكر ونكير، محمد ويوسف…).
• كما يتمظهر كذلك من خلال الكتب المقدسة أو التي تعكس مسألة المقدس (القرآن الكريم واللؤلؤ الكريم).
• من خلال بعض الأمكنة المقدسة مثل (المسجد، مكة).
فالمقدس هو حقيقة سامية تختبرها الشخصية خلال تجاربها وطقوسها الدينية. ووفقاً لدوركايم، فإن الإنسان يعيش تجربة المقدس، إلى الحد الذي يجعل من المجتمع مرجعا له، بمعنى أنه يتجاوز وعي الأفراد الذين يؤلفونه. يربط رحيمي شخصياته بالمقدس في محاولة لإعادة التفكير في الدين. يواصل الكاتب تناول مكانة الدين في الحياة اليومية للأفغان. ويعتبر اللجوء إلى المقدس بمثابة البحث عن الروحانية المطلقة واللانهائية. فالمعاناة التي تعيشها المرأة في حجر الصبر هي نتيجة الحرب، والعنف البدني والرمزي الذي لا يمكن معالجته الا بالروحانية، أي هناك انتقال نحو لامادية العالم في الإشارة إلى المقدس كمرادف لهذه اللامادية.
من الواضح أن وجود مقتطفات قرآنية مترجمة في النصوص الأفغانية يثير العديد من الأسئلة. فتلاوة الشاب للقرآن في رواية «ألف منزل للحلم والرعب» يجعل لوجود المقدس أثرا ملموسا. الأمر يتعلق بالآيات الأولى من سورة يوسف: «الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ. إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ».
تلاوة القرآن الكريم والصلاة هي جزء من الحياة اليومية للمسلم. يأخذ المقدس هنا مكانه من خلال هذا الوجود للكلمة الإلهية. يصبح مطلقا من خلال إدخال الحروف (أ، ل، ر). هذه الحروف غامضة لأنه لم يتم إعطاء أي تفسير للعلامات الموجودة في بداية الست والعشرين سورة. في هذه الآية القرآنية، لدينا صورة رسمها الخيال الأدبي، ما يجعل القارئ يكتشف جانبا حميميا من الانتماء الديني للكاتب. المقدس موجود كضرورة لملء الفراغ والحفاظ على الأمل في عالم دموي. وهكذا يسمح لنا بفهم هذه العودة المستمرة للدين للتساؤل وفتح باب للتفكير في الكتابة بدون خوف ولا خجل. ولكن هذا لا ينفي وجود المدنس في أعمال عتيق رحيمي. يَعتَبرُ Stanislas DEPREZ، الإنسان الحديث على أنه إنسان «مدنس»، لأنه لم يعد يرتبط بالكون ولم يعد يربط حياته بمجال متسام. الإنسان المدنس هو نتيجة التحول البطيء للعقلية البشرية، والذي حدث بشكل رئيسي عبر التاريخ. فالمدنس هو تدنيس كل الأشياء والمفاهيم التي لها طابع مقدس. يحدث في جميع المجالات الأساسية مثل الأفعال النفسية والدين والموت.
٭ كاتب وباحث جامعي متخصص في الأدب الأفغاني المعاصر