قراءة في رواية ‘مولانا’ لإبراهيم عيسى: د.أحمد الصغيرتعد رواية ‘ مولانا’ للكاتب والصحافي المصري إبراهيم عيسى – التي صدرت في طبعتها الثالثة عن دار بلومزبري ـ مؤسسة قطر للنشر 2012 ـ من الروايات العربية التي طرحت بجرأة علاقة رجل الدين بالسلطة السياسية في عالمنا العربي. هذه العلاقة الجدلية التي تكون مشبوهة في أحيان كثيرة بالنسبة للعامة والمتخصصين، لأنها علاقة تقوم على المنفعة الشخصية والمصلحة التي يتقرَّب بسببها رجل السلطة من رجل الدين، لتلبية رغباته ونزواته الشخصية والسياسية وتَدَيُنِهَا، ومن ثمَّ يصبح الدين خادما للسياسة مزخرفا وجهها القبيح، وقد حفل تاريخنا العربي بالكثير من الحكايات التي صوَّرت رجل الدين على أنه خادم للسلطة وليس العكس، ومن ثم فقد اعتمد الراوي على شخصية محورية داخل الرواية وهي شخصية (مولانا الشيخ حاتم الشنّاوي) ذلك الفتي الذي نشأ في أحد الأحياء الشعبية في القاهرة وتخرج في الأزهر الشريف وتدرج في مناصب الشهرة الزائفة حتى أصبح نجما فضائيا كما نجوم السينما تتلهف عليه القلوب الفارغة والعقول المخبونة الضعيفة التي لا تصدق إلا كل ما يروق لها من فتوى وحكايات لا أساس لها من دعاة مشكوك في توجهاتهم وتحمل صورهم الكثير من علامات الاستفهام، وعليه فقدم إبراهيم عيسى شخصية حاتم الشناوي في روايته معتمدا على الإسقاط الاجتماعي. فهو الشخصية البطل (مولانا) الذي تدور حوله الأحداث أو هو الذي يحرك الأحداث بمساعدة الرواي العليم / السارد العليم الذي يملك كل تفاصيل الرواية معتمدا على لغة سردية عميقة و بسيطة في الوقت نفسه تشبه لغة الحياة اليومية التي تلوكها ألسنة العامة من الشعب المصري، مرتكزا على تنوع مستوى الخطاب اللغوي أيضا داخل الرواية بين الفصحى التي ترد على لسان مولانا الشيخ حاتم ويستخدمها في لقاءاته التلفزيونية وأمسياته الدينية وفتواه، وبين اللغة العامية – إن جاز التعبير – التي يستخدمها حاتم نفسه في لقاءاته الخاصة مع أصدقائه ومحبيه ورجال أمن الدولة من السياسيين وأتباعهم من أهل العسس والحنجلية والنصابين، وهي تقترب من لغة المهمشين الذين لم يكن لهم حظ من التعليم ويحملون كل الصفات القميئة التي تلبي مصالحهم! وعليه فقد اعتمد السارد العليم على بؤرة مركزية في السرد وهي شخصية حاتم وكأنها مفتاح الرواية ،لأنها شخصية انتهازية لا تؤمن بالمبادئ العامة ولا الأخلاق التربوية السليمة التي نصَّ عليها الإسلام الحنيف، بل تؤمن بمقولة : قلْ شيئا وافعل شيئا آخر، والغاية تبرر الوسيلة، فقد ارتكز حاتم على عملية الخداع النفسي والإخلاقي على عامة الناس من خلال أحاديثه المكذوبة التي تقوم بتلفيق الحق بالباطل وتَقْلِب الموازين فتجعل الباطل حقا والحق باطلا، وكان هدفها هو الحصول على المال بأي وسيلة ممكنة متاجرا بالدين والفقه والتفسير، وكل العلوم الشرعية التي حفظ منها القليل وبعض الإسرائليات من الحكايات المكذوبة أيضا لكي يقوم بعملية الترغيب والترهيب والقصص التي تلوكها ألسنة البسطاء من الناس، وفي الوقت نفسه يصدقونها ولا يحيدون عنها مطلقا، فقد سلموا عقولهم إلى الداعية (مولانا الشيخ حاتم)، واتخذوه قدوة ونموذجا لحياتهم التعسة التي اعتمدت على تصديق الأكاذيب التي يتفوه بها الدعاة الجدد الذين قفزوا على حياتنا الدينية ونصبوا أنفسهم شيوخا بدلا من الأزهر الشريف .. وقد اتكأ عيسى على رسم شخصية حاتم بكل تفصيلاتها العقلية والفكرية المتناقضة فيقول حاتم متحدثا عن نفسه أمام والده: ‘وهل هذا يبقى شيخا؟ هذا موظف بدرجة سيخ، عارف أنا ايه يابابا، أنا تاجر علم!’ (مولانا، ص 11) إن حديث الشخصية عن نفسها يومئ إلى دلالة مهمة وهي أن حاتم نفسه يدرك ما يقوم به من أفعال مكذوبة فهو تاجر علم على حد قوله امتهن هذه المهنة ليتاجر بالعلم ويجمع الأموال باسم الدين والعلم من الأغنياء والفقراء معا .. رغم إن تجارة العلم الدنيوي المتعلق بحياة الناس من تجارة وصناعة وفيزياء وكيمياء ليست عيبا أو أمرا مشينا، لكن المتاجرة بالدين وبعقيدة الناس ومعتقداتهم هذا هو الأمر المشين الذي يجعل الداعية منافقا ومدلسا عظيما لما يقوم به من تدليس ونسج الأكاذيب لكي يجمع المال ويكتنز الذهب والفضة والمجوهرات ويستعمل الخدم والحشم والفتيات الصغيرات اللاتي يحببنه ويفضلن الالتزام على يديه الطاهرتين وهو يستغلهن ويمارس معهن الرذيلة التي لا تناسب رجل الدين الذي يقول: (قال الله وقال الرسول)على مشهد جنسي واضح بين حاتم الشناوي ونشوى تلك الفتاة التي أوهمت حاتم بحبها الشديد له وفي الوقت نفسه هي مجندة من قبل جهاز أمن الدولة لابتزاز حاتم وقامت بسرقة الأمانة التي تركها الشيخ مختار الحسيني عند حاتم. ولم يكتشف حاتم هذه السرقة إلا عندما تعترف نشوى على نفسها في زيارتها له. وهنا يدرك حاتم أنهم يعرفون عنه كل شيء بل يراقبون تحركاته واتصالاته من أجل خدمتهم واستغلاله في نشر الجهل بين أفراد الشعب، كي لا يفكر هذا الشعب في السياسة أو العدالة أو الحرية أو أمور الحكم المستبد. ارتكزت رواية مولانا على استدعاء النص القرآني بشكل واسع والنص النبوي والسيري وغيرها من النصوص الدينية التي جاءت على لسان الشخصية الرئيسية في الرواية (شخصية حاتم) ولا يخلو هذا الاستدعاء من دلالات متعددة مفادها، أن الروائي إبراهيم عيسى يمتلك ثقافة دينية كبيرة يستطيع من خلالها تنويع المستوي السردي داخل الرواية ،وقد جاء توظيف آيات بعينها من القرآن الكريم على لسان الشيخ حاتم أثناء جداله مع المتصلين ببرامجه المتنوعة التي لاقت رواجا لدي العامة ومخروقي العقول، وكان مولانا يختار الآيات التي تعزز قوله وتقويه والروايات والقصص التي تمكنه من الانتصار والإقناع، وأيضا جاءت هذه الآيات القرآنية أثناء جداله مع حسن بطرس الشاب المسلم (ابن الأثرياء وأخته زوجة ابن السيد الرئيس) الذي تحول إلى المسيحية ،وكان على حاتم أن يرده إلى الإسلام كما أمره ابن الرجل الكبير الذي استدعاه في بيته طلبا مشورته وفقهه ،كان قد تعرف عليه عن طريق نادر الممثل، وهنا تتجلي صورة السلطة واستغلالها لرجل الدين الذي ينفذ أوامر أهل الحكم ولايستطيع الاعتراض عليها، ثم يفشل حاتم في رده إلى الإسلام، لأنه يدرك أن حسن لم يخرج عن الإسلام ولم يدخل في المسيحية، لكن مشكلته مع أسرته التي أرهقته نفسيا فهو بحاجة للانفصال عن أسرته حتى يستقر نفسيا مستقلا عنها، هكذا كان تصوره عن حسن بطرس كما قاله لزوجته أميمة التي كانت تراقب تصرفات حاتم وأفعاله، لكنها لا تناقشه كثيرا فقد أُصِيبَتْ علاقتهما بالفتور والضعف منذ فقدان عمر ابنهما الوحيد ذاكرته عندما أنقذوه من الغرق ومن ثم سفره إلى إنجلترا للعلاج، أميمة زوجته التي اعترفت لحاتم بخيانتها مع الطبيب (عادل ) الذي كان يعالج عمر في المستشفى وكان حاتم هائما على وجهه ينظف المساجد والمراحيض هروبا من تحمل المسؤولية، مناجيا ربه أن يشفي له ابنه عمر . كل هذه السرود المتدفقة في رواية مولانا تشي بمجموعة من التقنيات السردية لدى الروائي إبراهيم عيسى وهي امتلاكه الجلي لخطوط السردي الروائي ومنطقيتها ومحاولا طلائها بالخيال المختلط بالواقع ، ثانيا : الاعتماد على الرمز الشخصي داخل الرواية بشكل كبير واصفا حياة الدعاة المتحولين من أمر إلى أمر مناقض له، ثالثا: اعتمد الروائي عيسى على اللعب بخطوط المكان والزمان داخل النص الروائي وكأنه داخل حلبة الصراع، على الرغم من تأكيد السارد العليم مكررا أنه خارج الصراع أصلا وليس طرفا فيه ولن يكون، لكن الرواية تذكر عكس ذلك تماما، وهي أن السارد العليم ركن ركين من مجريات الأحداث داخل الرواية، ومن التقنيات المهمة أيضا واللافتة للنظر لدى عيسى هي اللعب بتقنية الاسترجاع (الفلاش باك) داخل الرواية وتممثل ذلك في شخصية حاتم عندما يسترجع بداياته وكيف كان فقيرا لا يجد شيئا ، وحياة والده وزوجة والده وأخوته، اعتمد على الاسترجاع أيضا في الليلة السوداء التي قضاها حاتم في حجرة مظلة في أمن الدولة تركوه وحيدا لاقيمة له ونالوا من هيبته مما اضطر حاتم إلى أن يبول عليهم في الحجرة وهو يعرف أنهم يراقبونه من خلال الكاميرات، ثم يخلص من هذا كله ليخلو بنفسه في حلقات الذكر داخل الحجرة القذرة المملوءة بهوام الأرض، متحديا لهم معلنا عن سخطه الذي لايستطيع أن يبوح به في حضورهم .طرح عيسى من خلال مولانا الكثير من القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية التي ألمت بالشعب المصري ما قبل ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، هذه القضايا كانت نذيرا مهما بولادة الثورة وقد تنبأ عيسى نفسه بها في الكثير من مقالاته الساخرة التي لاتخلو من حس فكاهي تجلي كثيرا أثناء السرد وقد جاءت على لسان حاتم مولامنا خفيف الظل الذي يقلب الأمور سخرية وضحكا، على الرغم من أن هذه السخرية تحمل دلالات كثيرة منها الوجع المستمر الذي يحمله حاتم من الواقع الرديء الذي لا يستطيع أن يجابهه بل انهزم أمامه ولم يستطع أن ينتج واقعا بديلا أكثر إنتاجا وعملا نافعا للوطن. وفي نهاية الرواية، فقد خاتم عيسى بحادثة زلزلت الواقع المصري وبخاصة الأقباط وهي تفجير كنسية القديسين بالإسكندرية التي الحادثة التي كان بطلها حسن بطرس الذي كان صديقا لحاتم، فيفزع حاتم عندما يري الفيديو الذي عرضه الأنبا موسى على حاتم فيقول الأنبا موسى موجها خطابه لحاتم : ‘لابد أن نتحرك سريعا، فلدينا شباب يغلي كما رأيت بنفسك، والأقباط ليس في مصر وحدها، بل في العالم كله، وصلوا مع هذه الحادثة إلى درجة من عدم القدرة على التحمل، وقد حصل بعضهم على هذه الصور والأدلة، والمسألة صارت محسومة لديهم، وهم يهددوننا حتى في الكنيسة، أنه لو لم يسلِّم حسن نفسه خلال اثنتين وسبعين ساعة فسوف يعرضون هذه المشاهد في العالم كله ويفضحون تورط عائلة صهر الرئيس شخصيا في قتل الأقباط وتفجير الكنائس، وللأسف يا مولانا فقد جمعوا كل ما يخص حسن بما فيه دروك ووجودك معه، وهناك من يزعم أنه فيه شبهة تورط بينكما على الرغم من إيماننا الكامل في الكنيسة أنك أبعد الناس عن التطرف عموما تحارب التعصب ضد الأقباط خصوصا.’ يبدو الاندهاش والتعجب على الشيخ حاتم الشناوي وعدم التصديق لكنه عندما رأي صورة حسن هو الذي قام بعملية التفجير، وشبهة تورطه هو نفسه جعلته لايستطيع الحراك، فقد طلب الأنبا موسى من حاتم أن يساعدهم وأن يقنع حسن بأن يسلم نفسه.. يبدو المشهد الأخير في الرواية مؤثرا من خلال طرح قضية الأقباط في مصر وعلاقتها بالسياسة، ودور النظام السابق في تفجير هذه القضايا لإلهاء الشعب بالفتنة الطائفية التي تقاعست الدولة عن حلها واكتفت بتبادل القبلات والأحضان الباردة بين شيخ الأزهر وقداسة الأنبا، وتظل المشكلة قائمة.. حاول إبراهيم عيسى في هذه الرواية الجريئة أن يطرح أسئلة كثيرة حول ماهية الدعاة الجدد الذين تركوا أعمالهم الأصلية التي تخصصوا فيها ومارسوا الفتيا والوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وساهموا في تهميش الأزهر الشريف، بل سخروا من علمائه وقضوا على العلم فيه من خلال تشددهم وغطرستهم ،متمسكين بخطاب ديني تكفيري يحتقر العقل ويشجع الظلام والتخلف. فقد فضحت الرواية الكثير من الكوإلىس الفنية في عالم الدعاة وعلاقاتهم المشبوهة . فهي تعد رواية سياسية اجتماعية من الدرجة الأولي لماتحمله من طرح واسع لتجسيد حركة المجتمع المصري في السنوات العشر الأخيرة من حكم الرئيس السابق مبارك … ناقد من مصر