جدلية الواقع وتغيير المسار في رواية «الأحقافي الأخير»

«في بلاد الأحقاف كل شيء يعبر عن نفسه» هذه هي قراءة المشهد النهائي كما يراها الأحقافي الأخير. فأين تقع بلاد الأحقاف؟ وما هو الفصل النهائي الذي رواه الأحقافي الأخير؟
بلاد الأحقاف رمل في ما بين عمان إلى حضرموت، كما يعرّفها ابن إسحاق، وعن ابن عباس: هي واد بين عمان وأرض مهرة، وقال قتادة: الأحقاف رمل مشرفة على البحر بالشحر من أرض اليمن (معجم البلدان 1/99). والأصح هي إقليم ظفار الجزء الجنوبي من سلطنة عمان.
«الأحقافي الأخير» رواية للكاتب العماني محمد الشحري صدرت في 2020 بـ256 صفحة من دار سؤال، المؤلف له العديد من الإصدارات منها «إجالة الطرف» في أدب الرحلات، ومجموعة قصصية بعنوان «بذور البوار» ورواية بعنوان «موشكا» وتعد رواية « الأحقافي الأخير» المنحنى الأروع في إبداع الشحري.

تناولت رواية «الأحقافي الأخير» الفصول الأخيرة من تاريخ الثورة في جنوب عمان خلال القرن المنصرم، حيث سردت أحداث الثورة في أواخر عهدها على لسان الطيار الإيراني النقيب أشرف مهاجراني (نشوان الحمرمي) الذي وقع في أسر الثوار؛ أثر إسقاط مروحيته في مهمة عسكرية، كان ذلك الأسر الذي امتد لأكثر من عامين أثره البالغ فيه؛ إذ أتاح له الاطلاع على أحوالهم وتوجهاتهم، بل قراءتهم للمشهد الدائر عقب هزيمة الثورة في معركة الراسية، التي تفوح منها نبرة الغضب على القيادة السياسية للجبهة من ناحية، والتدخل الأجنبي من جهة أخرى.
كان الأحقافي الأخير هو ذلك الطيار الذي ترك السرب الإمبراطوري لينخرط في صفوف الثوار، بالتحديد في فرقة علي بن سعيد الأحقافي، الذي كان ضابطا في قوة الساحل المتحد، فهجر مكانه ورتبته ناذرا نفسه لوطنه الأحقاف.
ملاحظة: سأستخدم كلمة باللغة الشحرية هي موبد: وهو المكان الفسيح الذي يتخذه الرعاة في الصيف..

موبد 1

الإهداء هو من العتبات التي يستطيع القارئ أن يطل منها على النص، حيث جاء فيه: (إلى أحمد الزبيدي صديقا وكاتبا) ولا يخفى تأثر الكاتب بالروائي أحمد الزبيدي:
الأول: التورية في مسميات الأشخاص حتى تكاد تلامس المسمى الحقيقي: ففي رواية «امرأة من ظفار» للكاتب أحمد الزبيدي «وفهمت منهن أن عريسي هو علوان المعاميري وهو ابن عقيد مرباط سعيد المعاميري».
أما رواية «الأحقافي الأخير» نجد (الحمرمي.. ابن السقف.. زاهر علي .. ابن الرويعي إلخ).
ثانيا: الهدف الحقيقي للثورة، كما يراها كل من الكاتبين: فعلى لسان السارد في رواية الزبيدي حول مبادئ مؤتمر حمرين «أعجب أن مؤتمر حمرين لم يلتفت إلى مطالب شعب ظفول الواقعية:
1- الحق في دستور ديمقراطي وطني يتضمن مشاركة حقيقة، وحكومة محلية في إطار حكم ذاتي «(امرأة من ظفار)
المطلب ذاته كان على لسان علي بن سعيد الأحقافي «نريد أن نحول بلدنا إلى ملكية دستورية… تخضع لإرادة الشعب وإدارته».
ثالثا: نقد التوجه الجديد للثورة حين اختارت الخطاب الماركسي «أعلنت قرارات مؤتمر حمرين، ليرافق كل هذه الأخطاء خطاب ماركسي طفولي في مجتمع رعاة وقبائل، ما زال للمشاعية البدائية وجود في حياتها» (امرأة من ظفار). قال الراوي على لسان الحاج: «ليس من الواقعية في شيء تطبيق الاشتراكية الماركسية في بلد متخلف يعيش في العصور البدائية».
رابعا: التوافق على تجريم الإعدامات التي مارستها الثورة «في أعقاب مؤتمر حمرين، شنت اعتقالات غير مسبوقة أعقبتها حملة إعدامات شملت مناضلين وطنيين ومؤسسي للثورة.. أهي الثورة تأكل أبناءها؟ (امرأة من ظفار)
«عندما انطلقت الثورة وأعلنت نفسها ممثلا شرعيا لشعب الأحقاف لم يكن علي الأحقافي في صفوفها… وعندما انقلبت الثورة على نفسها لم يكن الأحقافي حاضرا أيضا في بلاده… سمع بالإعدامات تطال الثوار المؤسسين وبعض المدنيين الأبرياء».

نستطيع القول إنها رواية تدين بعض المراحل التاريخية التي كانت سببا في الكثير من الأخطاء، من وجهة نظر الراوي، لنقل إنها إدانة جماعية لكل الأطراف وإن كانت تعلي بعضا على بعض المهم ليس هناك من يوضع فوق النقد كما يرى السارد.

موبد 2

«إن الرواية ليست تجسيدا للواقع وحسب، ولكنها فوق ذلك موقف من هذا الواقع، وهذا الموقف لا يمكن أن يتخذ إلا بإعادة إنتاج الصراع الواقعي والأيديولوجي في النص كما يرى باختين». لا شك في أن الراوي في استدعائه لأحداث الثورة في مراحلها النهائية، وجعلها النموذج الأول أو الفكرة الأم، ما هو إلا إعادة إنتاج الواقع من جهة، ووضعه في المسار الذي يراه مناسبا من جهة أخرى.
لقد كانت الفكرة برمتها تصحيح المسار؛ وذلك من خلال إعادة دورة الزمن في محاكمة للأخطاء التاريخية التي ارتكبتها الثورة في حق الحاضن الشعبي، فكانت مصدر خوف بدل أن تكون مصدر نصر، وتحقيقا لآمال الشعب بعد أن أعطوا الجبهة كل ما يمتلكون على قلة ذات اليد. باختفاء سعيد بن علي الأحقافي الضابط في قوة الساحل المتحد 30/8/1972 دخلت الثورة مرحلة أخرى كما يرى السارد، لقد كان لهزيمة الثوار في معركة الراسية عظيم الأثر على كل المجموعات في الخليج، فما كان منها إلا الاستعداد لخوض معركة أخرى في أرض الوطن، فكانت فرقة الأحقافي أكثر تلك المجموعات تصميما لإعادة مسار الثورة الحقيقي، وهو تحقيق العدالة السياسية والاجتماعية، من خلال دولة دستورية تخضع لإرادة الشعب وإدارته.

موبد 3

يرى باختين أن صورة البطل ترتبط ارتباطا محكما بصورة الفكرة ولا يمكن فصلها عنه، إننا نرى البطل في الفكرة ومن خلالها، ونرى الفكرة في البطل ومن خلاله»(ميخائيل باختين: شعرية دوستويفسكي). لقد عمد السارد أن يظهر علي بن سعيد الأحقافي وفرقته بمظهر أقرب ما يكون إلى الصور العجائبية، التي لا تتفق والواقع: حين دخولها لساحات القتال، أو الواقع السياسي الذي يعتمد التحالفات الدولية، أو من حيث النتائج التي تؤول الثورات بعد انتصارها ولكن تغتفر كل أحواله حين يلبي أهداف وروئ المخرج. كان السارد حاضرا في إيجاد العذر لعلي الأحقافي في تأخره عن نداء الوطن، «عندما انطلقت الثورة وأعلنت نفسها ممثلا شرعيا لشعب الأحقاف لم يكن علي الأحقافي في صفوفها… وعندما انقلبت الثورة على نفسها، لم يكن الأحقافي حاضرا أيضا في بلاده … سمع بالإعدامات تطال الثوار المؤسسين وبعض المدنيين الأبرياء». هذه الأسباب هي التي دفعت بالأحقافي إلى قيادة مجموعته للعمل على تصحيح مسار الثورة، وإيقاف كل من تسبب في هزيمة الثورة في مجموعة مثل نخبة النخبة (لا تراجع لا توقف) هذا كان الشعار.. هذه الفكرة التي يحققها البطل عبر الواقع واللاواقع وإن شئت في دائرة الحلم.
الحلم الأول.. وصل الأحقافي ومجموعته.. تبين من الغبار الأصهب وجوه ملثمة، ثم ظهرت المجموعة بعد أن رمت خلفها الغبار وتلاشى كالذكريات (فيلم هوليوودي بامتياز).. خرجت الفرقة من المطار واتجهت مباشرة إلى الشرق.. لم تمر الفرقة على معسكر الشهيد مسعود، ولا على مكتب القيادة السياسية ولم يعلموها بقدومهم». هكذا تكون صورة البطل الخارق لا يأبه لما حوله.
الحلم الثاني: نحن كشعب حرّ يرى سلطته في ذاته، لا يريد أي أجنبي على أرضه لا امبراطورية إيران، ولا المملكة المتحدة، ولا حتى سوفييتي أو صيني هذه الملامح الأولية لرؤيتنا». هذه الرؤية لم ولن تكون مطلقا على أرض الواقع، ولكن أراد السارد أن يخرج للقارئ العربي بحلم يصحح من خلاله المسار..
الحلم الثالث: الصورة الملائكية التي يريدها السارد للثائر «الثائر الذي صنع الثورة لا يحق له استثمارها.. الثائر إما أن يموت في تحقيق هدفه، أو يسلم السلطة لغيره إذا تحقق النصر» كل هذا التنظير لم يحدث في معظم الثورات على مستوى العالم، ولكن يظل حلما يتأمله السارد أن يكون..

موبد 4

اتخذ الراوي من مناطق البطل لتمرير صوته، فامتزج صوت البطل مع صوت المؤلف، خاصة في سرده لعبارات علي بن سعيد الأحقافي وإعجابه بصفات الاحقافيين:
– «نحن الذين سنقدم رقابنا على مذبح الثورة، سنحاول أن نمحو السواد الملطخ على جبينها، والعار الذي صنعه من كان يحسب نفسه ثائرا».
– «التماسك آخر الحصون التي ندافع عنها. أما غير ذلك فهي للبهرجة وأحاديث بطولات الجبناء».
– «لو فرض عليّ حمل السلاح مرة أخرى، لاخترت القتال إلى جانب المقاتلين الأحقافيين.
– «أما الثائر في الأحقاف فهو نبي بلا كتاب ورسول بلا وحي».
– «من لم يُعايش أحقافيا، ولم يجمعه به المحك معا فله حق الاستغراب من وصفي».

موبد 5

«يقول باختين: إن المتكلم وظروف خطابه هما اللذان يحددان المعنى الحقيقي للكلام» كان ذلك من خلال قراءة أخرى للمشهد من زاوية الراوي وهي تطبيق عملية المحاكمة لما يحدث على أرض الأحقاف، سواء أكان للوضع الحالي وما نتج من اجتماعات الإنكليز التي عقدت في ريدان لرسم السياسة المستقبلية للبلد، وجعلها المسبب الرئيسي التي وضعت الوطن في كل المطبات الحالية، أو إخفاقات الثورة تجاه الوطن والمواطن، وما نتج عنها من جراح غائرة في ذاكرة الشعب.
نستطيع القول إنها رواية تدين بعض المراحل التاريخية التي كانت سببا في الكثير من الأخطاء، من وجهة نظر الراوي، لنقل إنها إدانة جماعية لكل الأطراف وإن كانت تعلي بعضا على بعض المهم ليس هناك من يوضع فوق النقد كما يرى السارد.

٭ أكاديمي من سلطنة عمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية