جدل بين محامي سوريا حول انتخابات نقابتهم… وخشية من الفلول

جانبلات شكاي
حجم الخط
0

دمشق ـ «القدس العربي»: كشفت مصادر لـ«القدس العربي» أن التوجه العام داخل نقابة المحامين في سوريا هو تأجيل الانتخابات إلى ما بعد تطهير الجداول النقابية من فلول النظام وإعادة الزملاء المشطوبين، وصياغة مشروع قانون جديد لتنظيم المهنة يقره مجلس الشعب المقبل، وذلك ردا على مطالب بإجراء انتخابات.

جدل الانتخابات النقابية

وبدأ خلال الأسابيع الأخيرة جدل بين أوساط المحامين، انعكس على وسائل التواصل الاجتماعي، حول تطبيق قانون تنظيم المهنة وتحديداً فيما يتعلق بإجراء انتخابات لمجالس فروع النقابة وللنقابة المركزية تنهي المرحلة الانتقالية وتمنح النقابة مزيدا من الاستقلالية في عملها النقابي.
وحسب المنشورات، التي زادت عبر الصفحات الشخصية، فإن التيار المنادي بالانتخابات يستند فيما يطالب به ،إلى قانون تنظيم المهنة، وأن الأشهر التي مرّت كافية لضبط أوضاع النقابات وتنظيفها من فلول النظام.
وفي المقابل هناك آخرون يطالبون بتأجيل الانتخابات إلى ما بعد استكمال تنظيف النقابة من فلول النظام وتقديم مشروع قانون جديد لتنظيم المهنة يُعرض على مجلس الشعب القادم ويقرّ، وعلى أساسه يمكن إجراء الانتخابات في نقابة المحامين، مع تلميح أصحاب هذا التوجه إلى أن بعض من يطالب بالانتخابات حالياً هم من ذات التيار المتسلق الذي كان يستنفع من مرحلة النظام البائد.

حالة صحية

المحامي والقانوني المعروف فواز بهاء الدين الخوجة، وهو من أنصار إجراء الانتخابات النقابية، اعتبر في تصريح خاص لـ«القدس العربي» أن حالة النقاش الدائرة حالياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض لهذه الانتخابات، إنما «تعبر عن حالة صحية لأنه جدال يجري بشكل ديمقراطي ويتم خلاله التعبير عن الرأي والرأي الآخر».
وأضاف: «منذ انتصار الثورة، نلت أنا شخصيا من الحرية ما لم أكن أحلم به يوما في عهد النظام البائد، وأنا أدلي حاليا بتصريحات على الفضائيات والإذاعات والصحف وبما أراه مناسبا. وقد انتقَدّتُ وأعلنت عن رأيي علناً وسط مساحة واسعة طالت وزارتي العدل والداخلية، وندعو الله أن تبقى هذه المساحة موجودة».
وتابع: «أحلم في أن تتحول نقابة المحامين إلى نقابة للأحرار من دون رقابة تنفيذية ولا قضائية ولا أي نوع من الرقابات السياسية، واليوم عندما نطالب بالانتخابات فهناك أمر بالغ الأهمية ألا وهو: إما أنا رجلٌ آمنتُ بالثورة وأعلم أنها ستحقق هدفها ولا أخاف من الآخرين، أو أنا مازلت أعيش حالة الرعب والخوف من الفلول، وإن كانت هذه الفلول اليوم وبعد مرور 10 أشهر على انتصار الثورة تشكل قلقا لي، فهذا يعني أن الثورة فشلت في مرحلتها الأولى».
وأوضح أن «الأمور مكشوفة للجميع، وإن كانوا سيمنعون الانتخابات بحجج مختلفة، أسألهم: ما هي الفترة التي تحتاجونها لتجاوز هذه الحجج وتحقيق أهدافكم؟ هل هي سنة، أم سنتان أو خمس سنوات، أم بمهل زمنية مفتوحة؟
وذكر الخوجة أنه حضر حواراً عن هذه المسألة في نقابة المحامين وسمع أن الفلول سيحاولون إعادة التسلق عبر الانتخابات، ولابد بداية من تنظيف جدول النقابة من هؤلاء الفلول، والسؤال هنا: كم سنحتاج لتنظيف هذا الجدول ولدينا في فرع النقابة في دمشق وحدها ما يعادل 14 ألف محام، فكم سيستغرقنا من الوقت»؟

شروط النقابة

وبيّن الخوجة أن مجلس النقابة يطالب بإعادة تجديد قيود من تم شطبهم في عهد النظام السابق باعتبار أنهم شُطبوا على خلفية معارضتهم، ولكن الأمر ليس كذلك لأن أكثر من 90 في المئة ممن شُطبوا من النقابة ويتقدمون اليوم لإعادة قيدهم، إنما كانوا قد تعرضوا للشطب ليس لأسباب أمنية، وإنما لممارستهم أعمالاً مخالفة تخل بأخلاق المهنة، منها تزوير الوكالات والاحتيال وغيرها».
وأضاف: «إن من تم شطبهم خلال الفترة الأخيرة من عهد النظام السابق بهذه الحجة، لماذا لم يتم شطبهم في بدايات سنوات الثورة وبقوا في النقابة لنحو سبع سنوات ثم شُطبوا، والدليل هنا عدم شطبي أنا شخصيا من النقابة، باعتبار أني كنت من بداية الحراك والثورة جزءًا منها وافتخرت بأني كنت جزءًا من الحراك وأعلنت ذلك علناً وكتبته عبر صفحتي، وتم توقيفي لمرات عدة ومع كل ذلك لم يقم النظام بشطبي من قيود نقابة المحامين».

الفرقان: الظروف غير مواتية… والخوجة يتساءل عن فترة تجاوز الحجج

وقال الخوجة «إنهم يطالبون بتأجيل الانتخابات إلى ما بعد صدور قانون تنظيم المهنة، ولكن كم هي المدة التي سنحتاجها حتى صدور هذا التعديل؟ مع الإشارة إلى أن الأمر ظل لست سنوات قيد البحث في عهد النظام السابق ثم أوقفته وزارة العدل في النهاية ولم يتم استبداله، فهل سننتظر اليوم أيضا ست سنوات أخرى»؟ مطالباً مجالس الفروع والنقابة المركزية أن تبلغ المحامين بأنهم جاؤوا بالمظلات إلى قيادات النقابات وهم لن ينسحبوا منها، وحينها نعلم واقعنا من دون تسويق كلام عن إجراء انتخابات ولكن في الوقت المناسب».
وتابع الخوجة: «عمري 72 سنة وأريد أن أشعر بالراحة في أني شاركت في انتخابات ديمقراطية ووضعت الصوت الذي اخترته، أم أن عليّ أن انتظر 10 سنوات أخرى لتحقيق هذا الحلم»؟ مشيراً إلى أنه و«بعد 40 سنة من العمل كمحام لم أشعر خلالها بحرية الممارسة، وأريد أن أمارس هذه الحرية اليوم».
وقال الخوجة: «كنا جزءًا من الثورة ضد النظام ليس من أجل أن تتحكم ذات العقلية القديمة لتجلس فوق رأسنا، وإنما نريد عقلية تؤمن بأن لنا حقا كما لهم حق، وأنا مع قانون جديد لتنظيم المهنة ولكن لا يجب أن ننتظر صدور هذا القانون حتى ننظم انتخابات جديدة في النقابة. ونحن نريد أن ننشئ دولة والانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء الدولة، لأن النظام البائد ترك لنا دولة مهدمة بالكامل واليوم يجب إعادة بنائها من أساساتها».

دور النقابة الطبيعي

النقيب السابق لمحامي سوريا أحمد دخان، قال في تصريح خاص لـ«القدس العربي» إن «ما يجري يعكس حالة صحية في الجسم النقابي، طالما يتم ذلك ضمن إطار الاحترام المتبادل والنقاش المهني، ومنذ الأيام الأولى التي استلمنا زمام الأمور في النقابة، كنا نواجه هذا الطرح لكن الأجواء السائدة وقتها لم تكن مناسبة لعدة أمور، أهمها ضرورة إعادة قيود المحامين اللذين قام النظام البائد بشطبهم تعسفيا، وبغض النظر عن ذلك، أستطيع القول إن هذا الحراك دليل على بدء استعادة النقابة لدورها الطبيعي بعد أن سيطرت عليها القبضة الأمنية في زمن النظام البائد».
واعتبر دخان أن «قانون تنظيم المهنة واضح في نصوصه، والمرحلة الانتقالية كانت ضرورة لإعادة ترتيب البيت الداخلي بعد عقود من التسلط، وقد تحقق جزء كبير من ذلك منذ أن كنت على رأس الهرم النقابي، لكن المسألة ليست فقط مرور نحو 10 أشهر، بل مدى اكتمال البيئة المهنية والإدارية التي تضمن انتخابات شفافة لا تتيح عودة المتسلقين والمنتفعين».
وذكر دخان بأن «البعض يطالب بإجراء الانتخابات انطلاقاً من النصوص القانونية، وهذا حقهم، لكن آخرين يرون أن أي استحقاق نقابي يجب أن يُبنى على قاعدة قانون مهني محدّث ينسجم مع طبيعة المرحلة الجديدة ويمنع إعادة إنتاج الفساد أو التسلط. ولا يمكن إنكار أن بعض الأطراف تحاول استثمار أجواء الحريات لإعادة التموضع، وهذا يتطلب من كل الزملاء وعياً نقابياً حقيقياً لا يُخدع بالشعارات، بل يبحث عن النزاهة والكفاءة».
وأوضح دخان أن «موقف النقابات الفرعية في أغلب الفروع يميل إلى إجراء انتخابات بعد تعديل القانون، لأن التجربة السابقة جعلت من الأولوية تحصين النقابة بنصوص عادلة قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع»، مشيراً إلى أن «الحراك الحالي يجب أن يُحتضن ولا يُخشى منه، والنقاشات الجارية دليل على أن النقابة بدأت تتنفس من جديد، والمطلوب اليوم حوار مهني هادئ يفضي إلى إجماع نقابي يحمي المهنة ويعزز استقلاليتها بعيداً عن الاستقطاب أو التوظيف السياسي».

الظروف غير مواتية

رئيس فرع نقابة المحامين في محافظة درعا سليمان الفرقان اعتبر أن «الظروف الحالية لا توفر بيئة صحية لإجراء انتخابات نقابية حقيقية وشفافة».
وقال في تصريح خاص لـ«القدس العربي» إن «الانتخابات في هذا الظرف ستكون ناقصة التمثيل والشرعية لأن قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 30 لعام 2010 لا يزال قائماً، وهو غير ملائم وبحاجة لتعديل جذري، لا سيما إلغاء المواد التي تكرس دور حزب البعث أو أي تبعية سياسية أخرى، لضمان استقلالية النقابة».
وبيّن الفرقان أن من أسباب ضرورة تأجيل الانتخابات هو أن «هناك عددا كبيرا من الزملاء المحامين تم شطبهم أمنياً ولم تتم إعادتهم إلى جداول النقابة حتى الآن، وإجراء انتخابات مع استبعاد جزء أساسي من الهيئة العامة هو إجهاض للمسار الديمقراطي، مع التأكيد على أولوية الإصلاح التشريعي بحيث يجب أن يسبق الانتخابات إقرارُ قانون جديد يضمن استقلالية النقابة ويحمي المحامين من التدخل السياسي والأمني، والنقابة هنا ليست ضد إجراء الانتخابات متى كانت الظروف ملائمة لذلك، لكن الأولوية حالياً للإصلاح التشريعي وإعادة الزملاء المشطوبين».

هامش حرية التعبير

وأكد الفرقان أن «ظهور هذا الجدال والحراك بين المحامين إنما هو مؤشر صحي على عودة الحيوية إلى العمل النقابي بعد عقود من التسييس وهيمنة السلطة».
وقال: «إن قدرة المحامين على طرح هذه القضايا بشكل علني، والمطالبة بالاستقلالية ومراجعة القوانين، تعكس توسعاً في هامش حرية التعبير النقابي والمهني، وهذا الحراك لا يقتصر على نقابة المحامين، بل تشهده نقابات أخرى مثل نقابة الأطباء وغرفة صناعة حلب، التي قدمت استقالتها احتجاجاً على تهميش دور الصناعيين، مما يؤكد أن هناك صحوة نقابية عامة للمطالبة بتمثيل مهني حقيقي وفعال.
ولم يستبعد الفرقان أن تكون المطالبة بالانتخابات محاولة من فلول النظام لإعادة السيطرة «ديمقراطياً» على النقابة.
وقال «هذا احتمال وارد وكبير، وهو سبب رئيسي للحذر من الانتخابات المبكرة، وإجراء الانتخابات في ظل الإطار القانوني القديم وقبل استكمال تطهير النقابة، يعرض النقابة لخطر إعادة السيطرة من قبل عناصر كانت تستفيد من النظام البائد أو من «التيار المتسلق»، حيث يمكن لهذه العناصر استغلال الغطاء «الديمقراطي» لشرعنة وجودها والالتفاف على أهداف الإصلاح الحقيقي، ولهذا السبب، فإن المطالبة بالتأجيل لضمان الإصلاح القانوني أولاً ،هي خطوة لقطع الطريق على هذه المحاولات.

تأجيل الانتخابات

وبيّن الفرقان أن «الموقف العام داخل نقابة المحامين، لا سيما بالنسبة للمجالس المؤقتة حالياً، يميل إلى تغليب مصلحة الاستقلالية على الإسراع بالانتخابات»، مؤكداً أن التوجه العام للنقابة هو التأكيد على العمل التأسيسي الذي يسبق الانتخابات، عبر تطهير الجداول النقابية وإعادة جميع الزملاء المشطوبين، وصياغة مشروع قانون جديد لتنظيم المهنة، يُعرض على مجلس الشعب القادم ليتم إقراره، لضمان أن تكون الانتخابات القادمة على أساس قانوني يكفل الاستقلال التام للنقابة».
وختم بالقول «إن النقابات الفرعية تتباين آراؤها، لكن التوجه العام يركز على أن الاستقلالية النقابية لا تتحقق بالاقتراع فقط، بل بالبيئة القانونية والتمثيلية السليمة، التي تضمن عدالة الاقتراع، وفوق كل ذلك فإن قانون تنظيم المهنة وفق المادة 107 يشترط أن يقوم رئيس الوزراء بقرار منه، بإنهاء تكليف المجالس الحالية والدعوة إلى انتخابات جديدة خلال 15 يوماً، ولكن وبما أنه في الإدارة السورية الحالية لا وجود لمنصب رئيس الوزراء وإنما يدير السلطة التنفيذية رئيس الجمهورية، فإنه لا بد من قرار من رأس السلطة التنفيذية لإجراء الانتخابات في نقابة المحامين».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية