جدل حول هدم أجزاء من مقهى «الأوداية» التاريخي في العاصمة المغربية: ذاكرة أندلسية مهددة بالاندثار

هشام فرحان
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: اندلع في الآونة الأخيرة جدل قوي بشأن عملية هدم أجزاء من مقهى «الأوداية» التاريخي في الرباط، وصلت أصداؤه إلى منظمة «اليونسكو».
البعض رأى في الهدم إجهازا على معلم مميز في العاصمة المغربية ومساسا بتراث إنساني، فيما أكد البعض الآخر أن المسألة لا تعدو أن تكون ترميما للمقهى الذي صار مهددا بالانهيار. التقرير التالي يروي تفاصيل القصة:
مقهى «الأوداية» أو مقهى «الموريسكي» أحد أشهر المعالم السياحية في العاصمة المغربية الرباط، لا تكتمل زيارتك للمدينة إلا بالذهاب إليه، يقصده السياح من جنسيات مختلفة كمكان أساسي ضمن برنامجهم السياحي، يطل هذا المقهى البسيط بطاولاته الزرقاء ومقاعده الصغيرة على لقاء بديع بين نهر «أبي رقراق» والمحيط الأطلسي. كما يتيح المقهى لزواره الاستمتاع بلحظات مليئة بالأصالة والعراقة برؤية منازل قصبة (قلعة) «الأوداية» الجميلة وصومعة «حسّان» الشهيرة التي شُيّدت في عصر دولة «الموحّدين» بناءً على أمر السلطان يعقوب المنصور سنة 1198.
يظهر للزائر أول الأمر الطابع «المورسكي» للمقهى، فهو جزء من قصبة «الأوداية»  التي استوطنها «المورسكيون» القادمون من الأندلس، وأعادوا لها الحياة بعد إهمال طالها.
ويشهد إقبالا منقطع النظير، خاصة في العطل الأسبوعية والمناسبات، إذ يصعب على  الزوار إيجاد مقعد فارغ بسهولة، فهو قبلة العشاق والموسيقيين والرسامين وسكان «الأوداية».

تراث عالمي

يزيد عمر «الأوداية» عن 200 سنة، وقد شكلت هذه الأهمية الثقافية والتاريخية دافعا لمنظمة «اليونسكو» إلى إدراجه على لائحة التراث الإنساني العالمي منذ عام 2012. رغم مرور السنين ظل محافظا على طابعه الأندلسي كجزء من الثقافة المغربية، فتمظهرات الأصالة تبدو في كل رقعة من المقهى من لباس النادل التقليدي، والحلويات التي تعرض على الزوار باختلاف أشكالها ومذاقاتها، بالإضافة إلى الشاي بالنعناع الذي يوزع في صينية من نحاس.
يتشابه «الأوداية» بتفاصيله التي تحيط به ببعض المدن في المغرب، ففسيفساؤه تحيل المرء على مدينة فاس، أما الأزقة المجاورة للمقهى فإنها تذكر الزوار بالجوهرة الزرقاء مدينة شفشاون، كما أنه يذكّر الكثيرين بأحد أشهر مقاهي مدينة طنجة مقهى «الحافة» لكن هذا التشابه لا يلغي تفرد المكان بخصائص استثنائية، تجعل منه مزيجا لا مثيل له.

روعة المكان

هو مزيج بين التاريخ والحضارة، بين الجمال والبساطة لا يمكن لمن زاره مرة واحدة ألا يعود إليه، يسحرك فيه البحر وبعد الأفق، وعلى الرغم من امتلائه بالمارين والزائرين والواقفين فإن ثمة هدوءا يخترق القلوب قبل الجدران. المكان وحده كفيل بأن يثير لدى الزائر الرغبة في النقاش والتفكير والتحليل استجابة لمؤثرات الهدوء والراحة.
أكثر ما يميزه بعده عن صخب المدينة، التواجد فيه يشبه حصة علاج طبيعي، فهواؤه المختلط باليود والملح يعتبر علاجا فعالا للحنجرة، حسب مختصين. كما أن الرؤية الأفقية التي يتيحها يعتبرها الكثيرون علاجا للعين. الحقيقة أن بساطة المكان وجماله لا تحتاج الى كثير من الوصف. جمال الفضاء جعل منه خلال سنوات عديدة أيضا مكانا للقاء الفكري والثقافي، فقد عرف توافد وجوه فنية وفكرية وقامات سياسية عالمية ومحلية.

 جريمة ثقافية

بهدف ترميمه وإعادة  صيانته، قامت السلطات المحلية في مدينة الرباط بهدم أجزاء منه، إلا أن هذه الخطوة أثارت موجهة غضب عارمة بين سكان «الأوداية» خاصة والرباطيين عامة، فيما اعتبرها البعض جريمة ثقافية بقتلها لجزء من ذاكرة المدينة القديمة، لأن قيمة المقهى توجد في تاريخه.
قرار سلطات الرباط أثار أيضا حفيظة «اليونسكو» التي أعربت في مراسلة وجهتها للسفير الممثل الدائم للمغرب لديها يوم الجمعة 17 تموز/ يوليو عن شجبها لهذا القرار، محتجة عن عدم ابلاغها بالواقعة كون التراث الإنساني العالمي لا يجب تغييره بموجب اتفاقية تنص «على أن كل دولة طرف يتوجب عليها الإخبار عن نواياها للقيام بأي أشغال أو ترميم لمنطقة مدرجة كتراث إنساني عالمي قبل اتخاذ أي قرار».
مقهى «الأوداية» الذي يشبهه البعض بمقهى «الفيشاوي» في القاهرة ومقهى «لوتي» في اسطنبول بررت السلطات عملية هدمه كونه آيلا للسقوط، وأن عمليات الصيانة تهدف إلى إعادة بنائه خلال مدة زمنية تترواح بين 12 و 15 شهرا، بالطريقة نفسها التي كان عليها مع إدخال بعض التحسينات وحفاظا على الطابع الأندلسي الذي  يتميز به. الجدل القائم حوله دفع جمعية «رباط الفتح للتنمية المستدامة» وجمعية «ذاكرة الرباط سلا» كفاعلين في مجال التوعية بأهمية حماية التراث المادي وغير المادي لمدينة الرباط، إلى توضيح  كون الترميم يندرج في إطار مشروع كبير يشمل تأهيل قصبة «الأوداية» بكاملها، طبقا للدراسة التي تم إنجازها حول أثر هذا التدخل على المواقع التراثية، وطبقا للوثائق التاريخية والصور الفوتوغرافية التي تؤرّخ للمواقع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية