الجزائر ـ يو بي اي: احتدم الجدل في الجزائر مؤخراً حول مدى استقلالية القضاء فيما هو ينتمي الى منظومة الحكم الشاملة في البلاد، وسط دعوات لإبعاد مجلس القضاء الأعلى عن السلطة التنفيذية تطبيقاً للمعايير الدولية في هذا الشأن.وقال المحلل السياسي بوعلام غمراسة ليونايتد برس إنترناشونال امس الاربعاء، إن ‘الحديث عن استقلال القضاء يطرح مبدئياً قياساً إلى السلطة التنفيذية، بمعنى مدى استقلال سلطة القضاة عن سلطة الجهاز التنفيذي، على هذا الصعيد كان جهاز القضاء كمرفق عمومي، خاضعاً للهيئة التنفيذية برأسيها مؤسسة الرئاسة والحكومة’.وأضاف غمراسة ‘يكفي فقط أن نلاحظ بأن رئيس المجلس الأعلى للقضاء المسؤول على المسار المهني للقضاة، يرأسه رئيس الجمهورية، ونائب رئيس المجلس هو وزير العدل، عضو السلطة التنفيذية، وجزء من أعضاء المجلس الأعلى يعينهم رئيس الجمهورية’.ولفت الى أن ‘معاقبة القضاة تتم بناء على دعوى يحركها وزير العدل، وعمل القضاة مراقب من طرف المفتش الذي هو تابع لوزير العدل’، مشيراً إلى أن الرئيس الأول للمحكمة العليا (رأس القضاء المدني) يعيّنه رئيس الجمهورية، وكذلك رئيس مجلس الدولة (أعلى هيئة في القضاء الإداري).وقال إنه ‘على صعيد الممارسة، لطالما استعملت الوزارات جهاز القضاء لوقف حق الإضراب، وكثيراً ما استعمل من طرف وزارة الداخلية للتدخل في الشؤون الداخلية للأحزاب’، فضلاً عن أن ‘النيابة التي تتبع لوزير العدل لا تحرك الدعاوى العمومية ولا تبادر بالتحقيقات في قضايا الفساد إلا بإذن من وزير العدل’.ولم يسبق لمسؤول جزائري أن انتقد بشدة حالة القضاء في البلاد مثلما فعل رئيس اللجنة الإستشارية لحماية وترقية حقوق الإنسان التابعة للرئاسة الجزائرية، فاروق قسنطيني، الذي اعتبر القضاء ‘النقطة السوداء’ التي تحول دون تحقيق دولة القانون في الجزائر.وقال قسنطيني في تصريح لوكالة الأنباء الجزائرية الحكومية، إن ‘استقلالية القضاء الجزائري عن السلطة التنفيذية تبقى حتى الآن غائبة تماما وهو ما يقف حجر عثرة للوصول إلى دولة الحق والقانون’.واعتبر أن ‘القاضي لا يجب أن يخضع في إصدار أحكامه سوى للقانون وضميره المهني’.وقال ‘إنه بالرغم من توفّر النصوص القانونية المكرسة لاستقلالية القضاء وعلى رأسها الدستور، إلا أن هذه الثقافة تظل بعيدة عن التطبيق في الجزائر وإن كان هذا لا يمس بأي شكل من الأشكال احترافية ومستوى القضاة’.وعرض المحامي ميلود ابراهيمي، مؤسس الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان على مسؤولي النقابة الوطنية للقضاة، تنظيم مناظرة حول أداء القضاء.وقال إبراهيمي في تصريح ”أسمع حالياً حديثاً عن استقلال القضاء كسلطة، لكن الاستقلالية في هذه الظروف ليست ممكنة ولا محبّبة أصلاً، لأن القضاء ينتمي لمنظومة شاملة (نظام الحكم)، ويتطور بنفس الوتيرة التي تسير عليها المؤسسات التي تتكون منها هذه المنظومة”.من جهته، اعتبر النائب البرلماني الحالي ورئيس الرابطة الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان سابقاً، مصطفى بوشاشي في حديث ليونايتد برس إنترناشونال، أن ‘استقلالية القضاء في الجزائر منعدمة تماماً’.وأوضح أن ‘السلطة القضائية ليست مستقلة من حيث النصوص القانونية وفي الواقع أيضاً، فهي جهاز من أجهزة النظام السياسي لأن هذه هي طبيعة النظام السياسي في الجزائر، فالمؤسسلت المختلفة القضائية والتشريعية هي وسائل وآليات لتنفيذ سياسة النظام، وهذا طبعاً ينصرف على السلطة القضائية ويصعب على السطة القضائية تطبيق القانون وضمان حقوق الإنسان ومحاربة الفساد’. واعتبر بوشاشي أن ‘المتابعات القضائية ضد الرموز السياسية تحتاج دائماً إلى موافقة السلطة التنفذية، فإذا كان هناك قرار سياسي بالمتابعة تكون المتابعة، والسلطة القضائية المسكينة تقوم بمتابعة البسطاء فقط، لكن الأقوياء داخل النظام لا يتابعون’.وبالرغم من هذا الجدل الدائر إلا أن النقابة الوطنية للقضاة الجزائريين دعت أخيراً إلى تعزيز استقلالية القضاء في التعديل الدستوري المرتقب في النصف الأول من العام الجاري.وطالب رئيس النقابة القاضي جمال العيدوني في مؤتمر صحافي بـ’استحداث مبادئ وآليات جديدة تعبّر عن استقلالية القضاء’.وقد رفعت النقابة إلى لجنة المشاورات السياسية التي أنشاها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، مقترحات تتعلق بمشاريع قوانين مقترحة للإدراج ضمن التعديل الدستوري، من بينها دور القضاء في الانتخابات وإعطاء ‘صلاحيات واسعة وفعالة’ للجنة الإشراف على الانتخابات.واعتبر العيدوني أن هناك ‘اختلالات تحد من سلطة القاضي في الانتخابات البرلمانية ومجالس البلديات المحافظات، وتجعله جرد سلطة صورية وشكلية’، داعياً إلى إعادة النظر في قانون الانتخابات ليكون الإشراف الكلي للقضاة منذ بدء العملية الانتخابية إلى آخرها وذلك لتحمل المسؤولية كاملة’.وقال إن ‘مطلب استقلالية القضاء وتكريسه في الدستور ليس وليد اليوم، بل تم طرحه منذ تأسيس النقابة’، مؤكدا أن النقابة ‘ليس لها أية علاقة بالأمور السياسية أو الحزبية’، داعياً الى الفصل التام بين السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية في الدستور المقبل، وتحديد صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء.واقترح ‘إبعاد السلطة التنفيذية ممثلة في وزير العدل من المجلس الأعلى للقضاء، وتعيين الرئيس الأول للمحكمة العليا نائباً لرئيس المجلس الأعلى للقضاء (رئيس الجمهورية) تجسيداً لمبدأ استقلالية القضاء وتطبيقاً للمعايير الدولية في هذا الشأن’.وينص الدستور الجزائري الحالي على أن المجلس الأعلى للقضاء يرأسه رئيس الجمهورية، وينوبه وزير العدل بالإضافة إلى الرئيس الأول للمحكمة العليا والنائب العام، وكذلك 10 قضاة منتخبين من قبل زملائهم، إلى جانب 6 شخصيات من خارج سلك القضاء يعيّنهم رئيس الجمهورية.qar