‘جدو حبيبي’: درس الرومانسية الصحيح في الزمن الخطأ!

حجم الخط
1

الحب على مسؤولية محمود ياسين ولبنى عبدالعزيزالقاهرة “القدس العربي” من كمال القاضي: الغياب الطويل للفنان الكبير محمود يسن عن السينما لم يقطع صلته بجمهوره فبرغم المساحة الزمنية الشاسعة بين آخر فيلم قدمه مع المطربة وردة الجزائرية منذ سنوات بعنوان ‘ليه يادنيا’ وفيلمه الأحدث ‘جدو حبيبي’. إلا أن نجم الرومانسية لم يفقد عرشه ولا تأثيره ولايزال حضورة الفن طاغياً إلى الآن فهاهو فتى الشاشة الكبيرة يعود إليها مجدداً ممثلا قديرا مكتمل النضج والقدرات ليؤدي دوراً مختلفاً يصب فيه خبرات السنين الطويلة ويعطي دروساً في فن الأداء للأجيال الصاعدة في مباراة يتسابق فيها مع النجمة السمراء الرقيقة لبنى عبدالعزيز صاحبة الرصيد الأوفر من الأفلام الرومانسية، فالإثنان يمثلان زمناً واحداً وقمتان من قمم السينما المصرية والعربية، ولأن ظهورهما بات شحيحاً على الشاشة بحكم المتغيرات الكثيرة فقد لفت فيلمهما النظر وسط تزاحم الساحة الفنية بالغث والثمين، لا سيما أن الفيلم يعد محاولة جيدة لبعث الرومانسية وإحياء تيار فني كان هو السائد على مدار سنوات، فضلا عن أنه يحمل في مضمونه قيمة إنسانية تتجلى في العلاقة الحميمة بين رؤوس العائلة الكبار والأحفاد ويبحث عن لغة مشتركة تفك شفرة التواصل بين جيلين تفصلهما أزمنة مختلفة وتتباعد ثقافتهما بحكم التكوين النفسي والاجتماعي لكل جيل، تبدأ مراحل السيناريو الذي كتبته زينب عزيز من نقطة الوهن والضعف في حياة الجد حسين بك ‘محمود يس’ الذي فقد كل ذويه، الزوجة والأبناء وانتهى به المطاف الى ضيافة دائمة في مستشفى استثماري تستنفد الكثير من مدخرته المالية التي حرص على جمعها وتكنيزها طوال سنوات عمره وهو الرجل البخيل القابض على جمر المال بيد من حديد، منذ اللحظات الأولى نستشعر بقوة تفاصيل المحنة التي يعيشها الرجل الثري الوحيد، إلى أن تظهر في الأفق بشائر الإطمئنان، حيث تعود الحفيدة الوحيدة المتبقية من عنقود السلالة المنقرضة إلى القاهرة من غربه طويلة عاشتها في أوروبية في العشرين من عمرها نشأت على الحية المطلقة وبين رجل مُسنا تداهمه الأمراض وينتظر الموت بين الحين والآخر، هكذا يضع السيناريست البطل في مجابهة صعبة، إذ لا شيء مشترك يربطه بالفتاة الشقية العصرية ‘بشرى’ سوى صلة الرحم التي لم تتوطد لكون كل من الجد والحفيدة لم يعيشا سوياً ولم يتعرف كل منهما على طبيعة الآخر، ولكنه الظرف المرضي القهري يحتم على الطرفين الحياة سوياً دون إنتماء حقيقي اللهم الحاجة للرعاية من جانب المريض والطمع في الثروة من جانب الفتاة التي اعتبرت نفسها في مهمة رسمية تنتهي بموت الجد تعود بعدها الى موطنها الأصلي.

بهذا المستوى الانتهازي بدأت العلاقة بين البطلين المختلفين في كل شيء قبل أن تتطور الأحداث وتتكشف الخصال الأخرى في كل منهما فنرى آيات الحب والارتباط العاطفي من الجد والرحمة المطلة من عيني الحفيدة فتتولد معاني مغايرة تسير ببطء في الاتجاه الصحيح بعد أن أوشكت الفتاة على مغادرة البيت والعودة من حيث أتت، ومن نقطة ارتكاز جديدة ولحظة اختيار فارقة جاءت بفعل حادث تصادم تعرضت له منذ كانت تنوي السفر.

بلا رجعة تحققت المعجزة وحدث التحول في المشاعر والسلوك، وعن طريق التفتيش في الأوراق القديمة واستعادة الذكريات حكي الجد لحفيدته عن محبوبته ليلى ‘لبنى عبدالعزيز’ وبدا في سرد ما كان بينهما بحزن وأسى شديدين مما أثار شجون ‘فكرية’ أو فيكي’، تلك التي أقلعت عن فكرتها في السفر وصارت ملازمة لجدها لا تفارقه إلا حين النوم، وعليه اهتدت الى عنوان ليلى المقيمة في عزبتها بالفيوم وقطعت بصحبة العاشق القديم ‘محمود يس’ الرحلة الى ان وصلت إليها في يوم عرس الحفيد الآخر ل’ليلى’ ‘أدهم’ الذي أدى دوره المطرب الشاب أحمد فهمي.

وكأنه القدر أراد للشتيتان أن يجتمعا في مناسبة سارة تذكرهما بما كان بينهما، وبالطبع حلت الدهشة محل الفرحة في باديء الأمر فما فصل بين الحبيبين من سنوات لم يكن قليلاً، لكن سرعان ما تعانقت الأعين والتهبت الكفوف بحرارة السلام والأشواق المكتومة، بيد أن إحساساً جميلاً استحضره الاثنان وأرادا أن يعوضاه في أحفادهما فقد قربا المسافة بين الشاب والفتاة ليريا شبابهما الفائت فيهما ويعيشان على ذكرى وجد لم ينطفيء لهيبه بعد، هكذا خرج الكاتب والسيناريست من دائرة الرومانسية الخاصة على دائرة أوسع لم يكلف الإعتراف بالحب فيها البطلين شيئاً من القهر أو البؤس أو الفراق كأنه التأكيد على أن السلبية في الحب هي التي تجعل الطرفين يدفعان ثمناً فادحاً وهو درس لقنته الجدة لحفيدها في معرض وصيتها له بعدم التخلي عن حبه الحقيقي حال مصادفته في أي وقت من العمر، ولعل تأكيد المخرج على إدريس على الدرس نفسه جاء متجسداً في المشهد التالي حيث وافقت ليلى وهي في سنها المتقدمة على الزواج من حبيب الأمس البعيد لتجدد شبابها وتعيش أمسها ويومها وغدها بعد أن أفنت سنوات طويلة في علاقة تقليدية لم تسفر إلا عن مشاعر حيادية وأبناء تركوها ليواجهوا مصيرهم ويعيدوا نفس الكرة بالدوران في ذات الدائرة الحياتية، لقد وقف المخرج طويلاً عند جملة تكررت كثيرا في الحوار عن زواج الصالونات محاولا التنبيه الى ان هذا النوع من الزواج يمكن ان يستمر ولكنه أبداً لا يخلق الحب!

وهو ما يمكن أن نعتبره تأييداً وانتصاراً للرومانية، خاصة أن الأجواء الغالبة على النصف الأخير من الفيلم كانت مشحونة بالعواطف ومحرضة على تبني المبدأ الرومانسي في الزواج والحياة.

البعدان الرومانسيان المتوازيان المتمثلان في علاقة محمود يس ب ‘لبنى عبدالعزيز’ وعلاقة أحمد فهمي أو أدهم ببشرى أو فيكي أعطيا إحساساً بالتواصل الرومانسي بين الماضي والحاضر وإمكانية الحب في أي زمان وتحت أي ظرف حتى وإن بخل القدر على المحبين بتمام قصتهما والاستمتاع بها كما حدث مع حسين بك وليلى هانم، إذ مات الحبيب في ليلة عرسه قبل أن تكتمل فرحته، ولكنه ترك للجيل الأصغر فرصة الاستمتاع ومواصلة الحب، فقد أنهى علي إدريس الفيلم بمعنى رقيق مفاده أن الحياة لن تتوقف بموت شخصي وأن الشمس التي تغرب في دنيانا تشرق في دنيا غيرنا وهذه سُنة الكون الأبدية التي لابد أن نخضع لها بلا شروط.

معاني ومضامين كثيرة احتشد بها فيلم ‘جدو حبيبي’ وعبر عنها السيناريو والموسيقى والإضاءة والتصوير والحوار ولكنه التوقيت غير المناسب للعرض هو ما افسد تذوقنا للحدوتة الرومانسية التي حاول صناعها أن يذكرونا بأن هناك شيئاً اسمه الحب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية