جرائم الامن والشرطة لا يصلحها تغيير شعار او إعادة هيكلة

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب

زيارتي للقاهرة بعد الثورة ليست ككل الزيارات السابقة لها، ففضلا عن أن هذه الثورة كانت أملا انتظرته من عقود طويلة؛ كنت أقاوم فيها اليأس في نفسي وفي نفوس الآخرين. فضلا عن ذلك كانت الزيارة اختبارا لمدى التغيير على الأرض، وعادة تعكس المطارات والمنافذ الحدودية مستوى التغيير وحدوده، وكانت الأمور للوهلة الأولى صادمة، رغم التعامل الميسر من قِبَل ضباط وموظفي الجوازات والجمارك، فجهاز مباحث أمن الدولة وجدته على حاله بل أسوأ؛ ‘وعادت ريما إلى عادتها القديمة’، كما يقول المثل الشعبي. وفوجئت بأن أسلوب المعاملة لم يتغير وبدا أكثر سوءا. وكان للفرحة بالثورة والتحول النفسي الذي تبعها؛ تأثيره الكبير في تحديد طريقة دخولي بلدي هذه المرة؛ بعد أن رُد له اعتباره وأصبح مصدر فخر لأبنائه، ومحل تقدير من العالم أجمع. قررت الدخول بجواز سفري المصري؛ متوقفا عن استخدام جواز سفري البريطاني، وحين علم البعض بنيتي وجدت من يثنيني عن هذا التصرف، وحجته أن البلد ما زال يعاني من الارتباك الأمني وقد يكون لذلك نتائج غير متوقعة. ولم ابد اعتراضا على ما قيل، واستمر إصراري على الدخول بجواز السفر المصري وليكن ما يكون، فهذه مرحلة اختبارات متبادلة بين الملاحقين مثلي وبين سلطات ما بعد الثورة. وحين وصلت إلى مطار القاهرة وجدت الإجراءات كما هي لم تتغير، ومجرد أن دق ضابط الجوازات الاسم على جهاز الكومبيوتر، مجرد أن فعل ذلك استدعى أمينا للشرطة وأعطاه الجواز، ومعنى هذا، أنني ما زلت داخل دائرة المعاناة مجددا؛ وأذكر أني كتبت عامودا في مجلة عربية في تسعينات القرن الماضي؛ عنوانه ‘بوابات الجحيم’؛ حكيت فيه تجربتي مع أكثر من مطار عربي، من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب. المهم أنني هذه المرة لم ألذ بصمتي وتجاهلي المعتاد لما يقوم به ‘أمن الدولة’ في مطار القاهرة، وشعرت بالضيق من تركي معلقا وحيدا بعد انصراف كل المسافرين في منطقة الجوازات، فذهبت لشاب من ضباط الجوازات، وقلت له كيف أنتظر معلقا هكذا، وأنا الذي تصورت أنكم تغيرتم، وها أنتم تقتلون الفرحة في نفوس القادمين من الخارج! وقلت لأحد ضباط الجوازات إن المشكلة ليست معك، ولا ذنب لك فيما يجري، مشكلتي هي مع مباحث أمن الدولة، وكل ما أطلبه أن يرشدني أحدكم إلى مكتبهم، وبعد ضغط مني وتردد من الضابط جاء من يرشدني ويقودني إلى مكتبهم، واعتذر ضابط الجوازات الشاب وهو يردد انه لا شأن لإدارته بما حدث معي. وأمام مكتب أمن الدولة رفضت الانتظار خارجه، ودخلت مندفعا بغير رغبة أمين الشرطة الذي أحضرني للمكان.

آسف للإطالة في هذا الموضوع، فهو وإن بدا شخصيا إلا أن هدفه كشف سلوك ما زال قائما ومستمرا وعاما في التعامل مع القادمين من الخارج، خاصة أولئك الذين فُرِضت عليهم حياة المنفى الاختياري أو الاجباري، وتنبيه من يهمه الأمر بأن ‘دار ابن لقمان على حالها والقيد باق والطواشي صبيح’ والقيد في حالتنا هذه هو أمن الدولة والطواشي هم ضباطه ومخبروه! وبدأ الحديث محتدا حول أسلوب التعامل الذي لم يتغير، وسبب الحدة هو صلافة ضابط أمن الدولة، وكان شابا مجهول الرتبة؛ يرتدي لباسا مدنيا، وهي المرة الأولى التي أشعر فيها بهذا الأسلوب الفج، ولم تكن التجارب السابقة بتلك الخشونة خاصة من الرتب العالية، وكثيرا ما كان مدير مكتب أمن الدولة يخرج بنفسه مخففا ومعتذرا في نفس الوقت، ومبررا موقفه بأنه مجرد منفذ تعليمات وإجراءات ليس له يد فيها، ويجتهد في تسهيل الإجراءات واتمامها. وبعد انتظار دام تسعين دقيقة خرجت من المطار وأنا أشعر أن حال جهاز أمن الدولة في المطار أسوأ مما كان عليه في السابق، وكان ذلك مثار استغراب وحيرة!

هذا ينقلني إلى ما يصرح به المجلس الأعلى للقوات المسلحة ووزير الداخلية حول الشرطة وضرورة عودتها مرة أخرى بعدم إعادة هيكلتها. وفكرة إعادة الهيكلة لا يمكن تناولها بمعزل عن موقف عموم المصريين، خاصة قوى الثورة، وهي قوى عريضة بالملايين، وليست محصورة في فئة أو شريحة معينة؛ إنها باتساع المجتمع المصري بكل مكوناته غير الفاسدة، التي شاركت في الثورة؛ كل فرد فيها يشعر بأن الثورة ثورته وأنه أحد صناعها، وأن دم الشهداء لا يجب أن يذهب هباء، وعددهم ليس بالقليل، بعد أن اقترب عددهم من خمسئة شهيد وأكثر من خمسة آلاف مصاب وجريح ومعاق. وقوى بهذا الحجم والاتساع لها موقف صارم من رجال الأمن والشرطة؛ لا يقبلون بهم ويطلبون إلغاء جهاز أمن الدولة، وتسريح قوات الأمن المركزي، ومحاسبة وزير الداخلية السابق ومساعديه على جرائمهم ضد المتظاهرين والثوار، وكلما شاهدوا رجال الشرطة والأمن يطلقون صرختهم في نفس واحد: ‘مش عايزينكم’، ومن ذلك يتضح مدى استحكام العقدة بين الشرطة والشعب؛ لا تحلها عودة الشرطة لشعارها القديم ‘الشرطة في خدمة الشعب’. ولن تتغير أجهزة الشرطة والأمن وما لم تتغير ثقافتها سيبقى الموقف على ما هو عليه، ولن تصل الثورة إلى أهدافها في إقامة دولة القانون والديمقراطية والمجتمع الحر والعدل الاجتماعي والمساواة القانونية والسياسية.

وضع اليد على روافد الثقافة الحالية لرجال الأمن والشرطة يساعد في فهم تصرفاتهم الشاذة والسادية. ولنبدأ بما يجري في معاهد وكليات وأكاديميات الشرطة، ويقوم على ثلاثة انحرافات؛ الانحراف الأول هو الرشوة التي تدفع ثمنا للدخول والالتحاق، وتصل لمبالغ طائلة؛ يحصل عليها كبار المسؤولين السياسيين وأعضاء مجلسي الشعب والشورى وكبار رجال الأمن، وتفاصيل ذلك كثيرة يعرفها القاصي والداني. والثاني هو ما اصطلح على تسميته بـ’اللياقة الاجتماعية’. واشتراط نصاب مالي أو عيني لدى ولي الأمر لم يجعل الالتحاق ميسرا كما كان عليه الوضع في السابق، وكلما زاد النصاب، وهو فوق طاقة الشعب وطبقته الوسطى، اقتصرت فرص الالتحاق على القلة فاحشة الثراء، لذا دخلها أبناء أصحاب الثروات مجهولة المصدر، وتجار المخدرات وأباطرة غسيل الأموال والمرتشون ورجال الأعمال اللصوص، وثقافة هؤلاء بطبيعتها أشبه بثقافة الخارجين على القانون، تعادي القانون وتفسد المجتمع وتهدم الدولة. وثالث الانحرافات تجده في الوراثة، حيث استقر مبدأ وراثة رجال الشرطة لمهن ذويهم وأولياء أمورهم من الضباط الكبار. ومن الرشوة واللياقة الاجتماعية والنصاب والوراثة تبدأ الصياغة الأساسية لثقافة رجل الشرطة والأمن في مصر، وصارت كل الجرائم والمخالفات مشروعة معمولا بها داخل هذا الجهاز الخطير. وفيما بعد القبول وفور دخول الشاب كلية الشرطة يعزل تماما عن المجتمع، وتمنع عنه الزيارات، ويبدأ التعامل معه بلغة غير اللغة المألوفة بين الناس، وتقتصر على سماع الألفاظ البذيئة والنابية والجنسية، وهذه المعلومات مستقاة من طلاب سابقين في كلية الشرطة وممن خرجوا رفضا لهذا الأسلوب، والأسابيع الستة الأولى كافية لغسل المخ والتعود على اللغة البذيئة. بعدها يتم بث قيم التمييز بينهم وبين المجتمع؛ يقنعونهم بأنهم ما داموا قد التحقوا بهذا الجهاز فهم مختلفون عن أقرانهم، وعليهم أن يعكسوا ذلك في سلوكهم، ويظهر بما يسمونه المظهر اللائق بالوظيفة، وأساسه الاختلاف عن الناس والتعالي عليهم وعدم الاختلاط بهم، وعليه ألا يذهب إلى الأماكن التي يذهب إليها عامة الناس، ويعيش في ‘غيتو’ نفسي؛ يؤكد لديه الاستعلاء واحتقار الناس، وكم كان سلوكهم فجا حتى وقت الكوارث، فأثناء مأساة الدويقة ووجود الضحايا تحت أنقاض صخرة المقطم، والناس في ذهول بسبب عجز الحكم السابق عن إخراج جثث الضحايا الذين ماتوا تحت الأنقاض، لم تتخل الشرطة عن طبيعتها البائسة، وبدا ذلك واضحا في قول ورد على لسان ضابط شرطة شاب؛ كان يرد فيه على أحد المنكوبين؛ حين قال له أحدهم أنا مثل أبيك، فما كان منه إلا أن رد بوقاحة عجيبة ‘لو كان أبويا زيك لضربته بالنار’. هذه الثقافة سيطرت على أمن مصر على مدى عقود، واتخذت من التعذيب والقتل العمد وسائل للترويع والرعب. وبهذه المناسبة تستعيد ذاكرتي حالة تعذيب لشاب فلسطيني (غزاوي) شاهدتها بنفسي أثناء احتجازي بأمن الدولة بمبنى لاظوغلي بقلب القاهرة، وحدثت في 18/12/1989، وما زلت أذكر اسمه وهو عزت سندي، وسوف أذكره في البلاغات التي أنوي تقديمها للنائب العام ضد المسؤولين المصريين، ومن بينها بلاغ حول ما نشر بـ’القدس العربي’ في 2007 حول الأموال الحائرة بين مصارف أوروبا، ودور سفارات مصرية في عدد من عواصم الغرب، وكانت تتولى غسل أموال عائلة مبارك! ونأتي إلى قانون الطوارئ، الذي حول الحكم إلى حكم بوليسي سادي، ومنح رجل الشرطة؛ خاصة مباحث أمن الدولة؛ الصلاحيات المطلقة. فكل الوظائف بكل درجاتها تتم من خلاله، وطوال مدة حكم عائلة مبارك لم يعمل هذا الجهاز مطلقا في ظل قانون طبيعي، وكان عمله بالقوانين الاستثنائية؛ تهددت بها مصائر الناس، وهذه الثقافة منعت أي محاولة للإصلاح وجعلت من شرفاء الشرطة قلة عجزت عن وقف انتشار هذه الثقافة أو تغييرها.

أي هيكلة واستبدال وجوه بوجوه لا يجدي إذا لم تتغير هذه الثقافة. وجهاز الشرطة يحتاج تغييرا جذريا وتأهيلا كاملا، من خلال ثقافة تحمي ولا تهدد.. تصون ولا تبدد.. تطمئن ولا تروع، وإذا لم يحدث هذا فورا فلن يتمكن المصريون من جني ثمار ثورتهم العظيمة.’ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية