جرثومة المونودراما والمسرح العربي .. المريض !!

حجم الخط
0

د. حمدي الجابري

لاشك أن المال العربي قادر على صنع المستحيل، وهو ما ثبت يقينا منذ عدة أيام من اختيار ‘مهندس’ من إمارة الفجيرة أمينا للهيئة العالمية للمسرح، حيث وقع الاختيار على المهندس سيف الأفخم للمنصب المسرحي العالمي.

وكانت إمارة الفجيرة قد اصبحت من قبل المقر الرئيسي للأمانة العامة للهيئة العالمية للمسرح ربما لأن الهيئة العالمية للمسرح ‘فقيرة’ لا تجد من يصرف عليها أو لأن الفجيرة مركز اشعاع مسرحي في العالم العربي!! وطبعا لا مجال للحديث عن الرصيد الثقافي والمسرحي لإمارة الفجيرة أو خططها المستقبلية للنهوض بالمسرح الاماراتي أو العربي أو العالمي أو امكانياتها، عدا المالية، وهو ما يدفعنا لمحاولة تلمس الأسباب في واقع الحركة المسرحية في امارة الفجيرة التي تتمتع ولاشك بعدد من دور العرض المسرحي يكفيها وان كان لا يقارن مع نفس العدد في أي عاصمة عربية من اصحاب التاريخ العريق في ممارسة الفن المسرحي، وكذلك الأمر بالنسبة للكوادر البشرية، ومع ذلك فانه يحمد للامارة طموحها الكبير من أجل لعب دور عالمي في المسرح العالمي وهيئاته الدولية.. الأهم هو ان الفجيرة نفسها لم تعرف، ربما على المستوى العربي أو العالمي، إلا بعد تكرار إقامة مهرجان المونودراما منذ سنوات قريبة وببذخ شديد أدى الى أن يصبح المهندس محمد سيف الأفخم رئيسا للرابطة الدولية للمونودراما المشكوك في قيمتها.. وكأن رصيد النشاط المسرحي في الامارة من المونودراما قد أصبح أهم ملامح الحركة المسرحية وانتشر وتوغل الى كل الامارات والعالم العربي والعالم فاعترف به وبها العالم ورابطة المونودراما الدولية!! وهو طبعا افتراض لا يمكن أن يقوم على أساس من الواقع لأنه من المعروف أن المونودراما التي ازدهرت من قبل في مصر والمغرب وسورية وأحيانا في الكويت لم تكن لتظهر إلا في فترات الضعف المسرحي الشديد وسرعان ما يتم الانصراف عنها أمام المسرح الحقيقي التقليدي.. وهو ما حدث أيضا في البلاد المذكورة.. وبالتالي فإن الإدعاء بتحقيق أي سبق للفجيرة في مجال المونودراما لا يقوم على اساس منطقي وهو ما يؤكده مجمل انتاج الامارة من عروض المسرح عموما وعروض المونودراما نفسها بصفة خاصة وعدد ليالي العرض الفعلية التي لا تتجاوز عدة اسابيع قليلة في العام!! الغريب فعلا هو تكرار الكذبة من بعض أنصاف الموهوبين من المسرحيين من مرتزقة المهرجانات المسرحية العربية حتى يتم تصديقها، وهو ما تردد في تصريح ضار لنائب رئيس هيئة الفجيرة للثقافة والاعلام الذي عقب على اختيار الأفخم لأمانة الهيئة العالمية للمسرح بقوله: ‘ان هذا يعود لقناعة الجمعية العمومية للهيئة الدولية للمسرح المكونة من 90 دولة بأهمية الفجيرة ودورها في الحركة الثقافية والمسرحية العالمية’!! وسبب ضرر هذا التصريح يكمن في احتمال تصديقه على المستوى الداخلي في الفجيرة والامارات وخصوصا الإدعاء الغريب عن ‘أهمية الفجيرة ودورها في الحركة الثقافية والمسرحية العالمية’ وهو ما لن تصدقه بقية دول الخليج الأقدم في الممارسة المسرحية والأغزر انتاجا والأكثر جدية في تأكيد دورها الثقافي بالمعاهد المسرحية التعليمية والمطبوعات الثقافية والمسرحية المحلية والمترجمة والكوادر البشرية المحلية بمجموعات متميزة من الفنانين والفنيين والمهرجانات المتنوعة وليس بمجرد مهرجان وحيد لفن مشكوك في قيمته وجدواه مثل المونودراما ذلك الفن المميت الذي اخترعه اليهود في القرن الثامن عشر ليتم تقديمه في تجمعاتهم المغلقة للتسرية عنهم في ليالي الشتاء الباردة الى أن انزوي بعيدا أمام المسرح الحقيقي في شكله التقليدي أو التجريبي لنعود نحن في عالمنا العربي من حين لآخر لنهتم بهذا الفن المميت للمسرح والذي لا يزدهر عندنا كما سبق القول إلا في فترات الضعف المسرحي ليس للنهوض بالمسرح ولكن لتكريس الضعف بالاستغناء عن فن المسرح نفسه كفن جماعي خلقته الجماعة منذ اليونان والى اليوم لتقدمه جماعة ولجماعة!! وبالتالي يصبح من المشكوك فيه كثيرا أي إدعاء يتحدث عن دور لإمارة الفجيرة.. على الأقل في الحركة الثقافية والمسرحية العالمية!! ما سبق قوله لا يجب أن ينسينا أن الحاكم العربي الوحيد الذي احترف الكتابة للمسرح واهتم به هو حاكم الشارقة الدكتور سلطان القاسمي الذي وضع كل الامكانيات للنهوض بالمسرح الخليجي والعربي وان كان لم يتحقق ذلك لغياب الاستراتيجية القادرة على تحقيق احلامه، وفي نفس الوقت فان وجود مؤلف مسرحي مثله وبصفته الرسمية والشخصية كفيل بحماية المسرح الاماراتي من ‘جرثومة المونودراما’ قبل أن تصيب وتميت الجسد المسرحي المريض في عالمنا العربي وليس في الامارات وحدها.. د. حمدي الجابري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية