لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” افتتاحية قدمت فيها حسبة تفصيلية لثقافة الفساد المستشرية في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقالت إن أكبر مشتر في العشاء الرسمي، الذي أقامه ترامب في البيت الأبيض الشهر الماضي لمن اشتروا أكبر عدد من عملات ترامب الرقمية، كان رجل الأعمال جاستن صن، الذي استثمر أكثر من 40 مليون دولار في عملات ترامب الرقمية.
وقد كان لدى صن أسبابه الخاصة للتفكير بأن الاستثمار هذا سيؤتي ثماره.
فقد استثمر سابقا 75 مليون دولار في مشروع آخر للعملات الرقمية تابع لترامب، وبعد فترة وجيزة من تولي إدارة ترامب السلطة في كانون الثاني/ يناير، أوقفت هيئة الأوراق المالية والبورصات دعواها القضائية المرفوعة ضده بتهمة الاحتيال في العملات الرقمية. وكانت الرسالة واضحة: الأشخاص الذين يزيدون من ثروة ترامب يحصلون على معاملة خاصة من الحكومة.
الرسالة واضحة: الأشخاص الذين يزيدون من ثروة ترامب يحصلون على معاملة خاصة من الحكومة
وتعلق الصحيفة أن قطاع العملات الرقمية قد يكون المثال الأبرز على ثقافة الفساد في ولايته الثانية. فهو وأقاربه يستفيدون بشكل مباشر من بيع عملاتهم الرقمية من خلال الحصول على حصة من الاستثمار، وحتى لو انخفض سعر العملات لاحقا وخسر المستثمرون أموالهم، يمكن لعائلة ترامب الاستمرار في الاستفادة من خلال الحصول على عمولة على المبيعات المستقبلية.
وتقدر مجلة “فوربس” أن ترامب كسب نحو مليار دولار من العملات المشفرة خلال الأشهر التسعة الماضية، وهو ما يمثل سدس صافي ثروته. ويأتي حماس ترامب للعملات المشفرة، بعد سنوات من الشك، حيث وصفها بأنها “كارثة محتملة وستقع قريبا”، بل وقارنها بـ”تجارة المخدرات وغيرها من الأنشطة غير القانونية”. لكن منذ أن أصبح هو وعائلته لاعبين رئيسيين في السوق، تبددت مخاوفه بشكل واضح. فقد أوقف فريقا تابعا لوزارة العدل كان يحقق في الاستخدامات غير القانونية للعملات المشفرة وأصدر عفوا عن مسؤولين تنفيذيين في مجال العملات المشفرة أقروا بذنبهم في جرائم، وأسقطت إدارته التحقيقات الفدرالية في شركات العملات المشفرة. وألغى قاعدة لدائرة الإيرادات الداخلية كانت تلاحق مستخدمي العملات المشفرة الذين لم يدفعوا ضرائبهم. وتقول الصحيفة إن هناك فرقا بين الإثراء الذاتي والتقليدي، فلا أدلة عن تلقي ترامب رشاوى مباشرة.
وليس من الواضح أنه وافق على تغييرات محددة في السياسات مقابل المال. ومع ذلك، فهو يترأس ثقافة فساد. لقد ابتكر هو وعائلته طرقا متعددة لإثراء الناس، ثم تتغير سياسات الحكومة بما يعود بالنفع على من ساعدوا عائلة ترامب على التربح. وفي كثير من الأحيان، لا يحاول ترامب حتى إخفاء الأمر. وكما قال المؤرخ ماثيو داليك مؤخرا: “ترامب هو السياسي الوطني الأكثر فسادا في العصر الحديث، وصراحته بشأن ذلك فريدة من نوعها”. إنه فخور بجشعه، ويعتبره علامة على النجاح والدهاء.
وتعلق الصحيفة أن هذه الثقافة هي جزء من مساعي ترامب الأوسع لإضعاف الديمقراطية الأمريكية وتحويل الحكومة الفدرالية لامتداد له. لقد تجاهل مصالح الشعب الأمريكي مقدما عليها مصالحه الشخصية. وتضعف أفعاله ثقة الجمهور المتزعزعة أصلا بالحكومة. وباستغلاله سلطة الشعب لتحقيق مكاسب شخصية، يعمل على الحط من قدرها ويشوه سمعة الولايات المتحدة، التي لطالما برزت كمكان تسود فيه الثقة بسيادة القانون وبالاقتصاد والأسواق المالية. فلم تكن هذه البلاد لديها في السابق سلطة اللصوص التنفيذيين.
ومع ذلك فثقافة الفساد ليست جديدة على ترامب، ففي فترته الأولى، استخدم سلطاته مرارا لمكافأة نفسه. فقد أقام فعاليات حكومية في فنادقه وواصلت شركته العائلية إبرام صفقات مع حكومات أجنبية، في انتهاك واضح للحظر الدستوري للإثراء من القادة الأجانب. لكن هذه الانتهاكات للأعراف الأخلاقية تبدو الآن بمثابة بروفة نهائية وإخراج نهائي لولايته الثانية.
نظرا للمخاطر، من المهم التوقف قليلا وتوثيق نطاق الصفقات الشخصية منذ تولي الرئيس الأمريكي منصبه قبل أربعة أشهر، بما في ذلك إبرام ترامب وعائلته صفقات بمليارات الدولارات مع جهات فاعلة في الشرق الأوسط.
ونظرا للمخاطر، تعتقد الصحيفة أنه من المهم التوقف قليلا وتوثيق نطاق الصفقات الشخصية منذ توليه منصبه قبل أربعة أشهر، وتذكر في هذا السياق، إبرام ترامب وعائلته صفقات بمليارات الدولارات مع جهات فاعلة في الشرق الأوسط. ومظهر آخر من استفادة عائلته من الرئاسة يظهر من النادي الخاص، فخلال ولايته الأولى، كان من يتملقون لترامب يشترون المشروبات والعشاء أو يقضون الليل في فندقه بواشنطن. أما الآن، فيمكنهم إنفاق نصف مليون دولار للانضمام إلى النادي الخاص الذي يفتتحه دونالد ترامب الابن في جورج تاون ويسمى “الفرع التنفيذي”. ومن بين الأعضاء المؤسسين للنادي كاميرون وتايلر وينكلفوس، وهما شقيقان توأمان كانت هيئة الأوراق المالية قد رفعت دعوى قضائية ضد شركتهما الخاصة بالعملات المشفرة، حتى أوقفت إدارة ترامب الدعوى القضائية.
وفي الوقت الذي تتفاوض فيه إدارته مع فيتنام لخفض الرسوم الجمركية التي فرضها على سلع البلاد، تفسح الحكومة هناك المجال لمجمع غولف بقيمة 1.5 مليار دولار خارج هانوي، بالإضافة إلى ناطحة سحاب تحمل اسم ترامب في مدينة هو تشي منه.
كما ومهد مسؤولون صربيون الطريق لفندق ترامب الدولي في بلغراد باستخدام وثيقة مزورة للسماح بهدم موقع ثقافي في الموقع. ويقول قادة المعارضة الصربية إن التزوير يظهر مدى حرص حكومة البلاد على إبرام صفقة تفيد ترامب. كما وعقد ترامب اجتماعات لدمج بطولتي غولف “بي جي إي” و”أل أي في” المدعومة من السعودية.
وبعد حضور الناشطة اليمينية إليزابيث فاغو حفل عشاء يتبرع به كل مشارك مليون دولار للجنة العمل السياسي “ماغا إنك” أصدر ترامب عفوا عن نجلها بول والكزاك، الذي اعترف بارتكاب جرم ضريبية عام 2024. ويعد هذا العفو واحدًا من بين العديد من أوامر العفو التي أصدرها ترامب لأشخاص قدموا له دعما ماليا وسياسيا أو ارتبطوا بآخرين قدموا له الدعم.
وحصل ترامب على مبالغ مالية في تسويات مع سي بي أس/باراماونت وإي بي سي/ديزني. ويقال إن شركة باراماونت عرضت 15 مليون دولار لتسوية دعوى قضائية لا أساس لها من الصحة ضد سي بي أس خوفا من منع إدارة ترامب اندماجها مع سكاي دانس ميديا. ويطالب ترامب بـ 25 مليون دولار كتسوية. ووافقت أمازون على دفع 40 مليون دولار مقابل حقوق فيلم وثائقي عن ميلانيا ترامب. قال مسؤولون تنفيذيون في هوليوود إن هذا المبلغ يزيد بعشرات الملايين عن تكلفة هذه المشاريع عادة. وتبلغ حصة السيدة ترامب أكثر من 70%.
وستكون عقود الدفاع لخدمات الإنترنت سببا كافيا لشركة أمازون لكسب ود ترامب. وجمعت لجنة تنصيب ترامب 239 مليون دولار، معظمها من شركات كبرى وقادة أعمال. أنفقت اللجنة مبلغا أقل بكثير على حفل التنصيب، ولا تواجه قيودا قانونية تذكر بشأن كيفية التصرف في باقي الأموال.
ومن الشائع ألا ينفق الرؤساء جميع أموال تنصيبهم، لكن الرؤساء السابقين جمعوا أموالا أقل بكثير من ترامب. ويبدو أن أكبر مانح، وهي شركة تدعى “بيلغريم برايد” باتت تستفيد بالفعل من سياسات حكومية مواتية، وفقا لما ذكرته صحيفة “وول ستريت جورنال”.
وتعلق الصحيفة أن الدافع وراء منح الأموال الكبيرة لترامب واضح، فالبعض يريد منه أن يمنحهم امتيازات والبعض الآخر يحاول تجنب العقاب بسبب نهج إدارته الانتقامي في الحكم. وجميعهم يريدون تغيير سياسة الحكومة بما يخدم مصالحهم، وغالبا على حساب الشعب الأمريكي.
وفي حالة المتبرعين الأجانب، لا يجوز لهم استخدام تبرعات الحملات الانتخابية للقيام بذلك لأن القانون الفدرالي يحظر على الأجانب التبرع للحملات الانتخابية. مع ذلك، لا توجد مثل هذه القيود على عضوية نادي جورج تاون أو صناديق العملات المشفرة. ومن بين المستثمرين في شركة ترامب للعملات المشفرة، الإمارات العربية المتحدة، التي تستثمر ملياري دولار، وشركة تكنولوجيا صغيرة مرتبطة بالصين تشتري ما يصل إلى 300 مليون دولار من عملات ترامب الرقمية.
وتتساءل الصحيفة عما يجب عمله حيال كل هذا؟ ربما يتمتع الجمهوريون في الكونغرس بأكبر قدرة على التأثير على سلوكه، وقد ظلوا هادئين إلى حد كبير، وهذا تناقض صارخ مع الماضي، عندما أثار الجمهوريون الصخب بشأن السلوك الديمقراطي المريب، مثل محاولات هانتر بايدن الاستفادة من اسم عائلته وجهود بيل كلينتون لمكافأة كبار المانحين الديمقراطيين بـ”قضاء ليال في غرفة نوم لينكولن” أو حتى العفو.
أما سلوك عائلة ترامب، فهو أكثر فظاعة وضخامة.
وتقول إن الحلول القانونية تبدو محدودة أيضا. فقد أوضحت وزارة العدل التابعة لترامب والوكالات الأخرى أنها لن تحقق مع حلفائه، ناهيك عن التحقيق معه ومع عائلته. حتى الجهود طويلة الأمد للتحقيق في الفساد ستتعثر. فقد جعلت المحكمة العليا العام الماضي من المستحيل تقريبا تحميل الرئيس المسؤولية الجنائية عن أفعال حتى لو كانت مرتبطة عن بُعد بواجباته الرسمية، والتي قد تشمل إثراء ترامب لنفسه. أما بالنسبة للأشخاص الذين يقدمون الثناء لترامب، فقد أوضح أنه مستعد لاستخدام سلطته في العفو لحماية حلفائه، بغض النظر عن سلوكهم الإجرامي.
وفي النهاية يبقي الأمر بيد الناخبين الذين يجب عليهم لفت النظر إليها ومحاسبة السياسيين المتورطين فيها والتأكد من دفعهم الثمن في صناديق الاقتراع.
ومن الواضح أن الجمهوريين في الكونغرس يشعرون بالخجل من جوانبها ويرون أن الفساد هو نقطة ضعف. وحاول بعض الديمقراطيين في الكونغرس تركيز الانتباه على الوضع، حيث قال السناتور الديمقراطي عن كريس مورفي ، في خطاب ألقاه مؤخرا أمام مجلس النواب: “يريد دونالد ترامب تخدير هذا البلد ليصدق أن هذه هي الطريقة التي تعمل بها الحكومة”، لكن على الديمقراطيين بذل المزيد من الجهود لتسليط الضوء على الطرق التي يستخدم بها ترامب سلطاته التي هي من حق الشعب الأمريكي، أي سلطات الحكومة الفدرالية لمصلحته الشخصية. وإذا تجاهل الأمريكيون هذا الأمر واعتبروه مجرد “تصرفات ترامب”، فسيصبح سلوكا مقبولا وسيشجع ذلك سياسيين آخرين عمل نفس الأمر، ففي عهد ترامب، تنزلق الولايات المتحدة نحو هذا المنحدر.