جرس التجربة… تفاحة الكتابة!

ماذا تعني الكتابة بالنسبة لي؟
صعوبة الكلام عن التجربة:
من الصعب أن نتكلم عن التجربة، لأنّها تقع عند المفاصل الحسّاسة بين العوامل المتعدّدة التي تنتجها، فهناك العوامل العقلية والوجدانية والرّوحية والنفسية، هذه العوامل مجتمعة تتفاعل في ما بينها، تنتج نصا ما، والكاتب لا يقف على حقيقة تلك التفاعلات، ولهذا هو أيضا يجهل الكثير من حقيقة العملية الإبداعية، ولهذا نجد كبار الكتاب يستصعبون كتابة سيرهم الذاتية، فالقارئ أو المتلقي على العموم لا يريد من الكاتب فقط أن يعرّفه كيف تتم عملية الكتابة، بل يروم منه الوقوف عند تلك المفاصل بين العوامل المختلفة المنتجة للنص وإفشاء سر الكتابة، ولهذا، يبدو لي أنّ كثيرا من المفكرين يكتبون سيرا فكرية أو قريبة منها، كهشام شرابي في «الجمر والرماد»، وعبد الوهاب المسيري في «رحلتي الفكرية» وإدوارد سعيد في «خارج المكان». لأنّ الكاتب حينذاك يستطيع أن يدمج التفكير في عملية وعي ما يحدث في الخيال. يسوق حنا مينه في كتابه «كيف حملت القلم» ثلاثة عناصر: التجربة والجهد والموهبة، وهنا نستحضر مثال دوستوفسكي ومشاركته في حركة الديسمبريين ضد القيصر، اكتسب منها تجربة في مشاركة الآخرين آلامهم، ولذلك لمّا نفي إلى سيبيريا كتب أروع أعماله وهو «بيت الموتى»، لأنّ تجربته اقترنت بالجهد والموهبة كما يقول حنّا مينه. التجربة هي حاملة الكتابة، هي الذاكرة، «دولاب المأكولات الأدبية» كما يسميها تشيكوف على لسان تريغورين في مسرحية «النورس»، والجهد هو المعرفة والدرس، والموهبة هي القيم المضافة التي تحدث في واقع الكاتب.
جرس التجربة.. تفاحة الكتابة:
ماذا يعني جرس التجربة؟
لا بد من مفعّل للتجربة كي تتحرّك آلية الكتابة، الكتابة لا تنطلق من ذاتها، ولا يكفي أن تتحقق العناصر التي ذكرها حنّا مينه من تجربة وجهد وموهبة، أو تلك العوامل التي ذكرتها، لا بد من مفعّل catalyseur . يتمثل هذا المفعّل في ثلاثة عناصر، فالكتابة إمّا أن تكون رغبة يجدها الكاتب نارا تستعر في عمقه، ولا يرتاح إلا عندما يفيض بها فتنطفئ جمرتها، أو مجاراة عند قراءة ما يعجبه، فيسارع إلى محاولة الكتابة على منواله، أو استفزاز إذا استفاق فيه نبض النقد بعد قراءة ما لا يتفق معه.
ماذا أقصد بتفاحة الكتابة؟
التفاحة في تاريخ الحكاية الإنسانية، تفاحتان، تفاحة آدم وتفاحة نيوتن، وحينما أقول تفاحة آدم، لا أقصد المعنى الديني بل المعنى الرّمزي، أو المستوى الدلالي، أي المستوى الفنّي الذي تختزنه القصة في القرآن، سيد قطب، وهو أديب وناقد، كتب «التصوير الفنّي في القرآن الكريم».
تفاحة نيوتن: في هذا المفهوم يستقر معنى كون الكتابة هي خرق للقاعدة أو المستقر أو العادي، فتصوّر معي لو أنّ التفاحة لم تسقط، هناك بنية أخرى للحكاية الإنسانية كانت سوف تحدث، ميكانيكية العالم كانت سوف تتغير، تماما كما أدخل الرّوائي بن سالم حميش في روايته «العلامة» شخصية حمو المتخيّلة، كاتب ابن خلدون، وتماما كما لو إنك قادم إلى قاعة محاضرة، وأنت تتصور أنك سوف تجد أرائك مصطفة ومنصة ومحاضرين، ثم سوف تجلس جلسة رتيبة مملة، ما يكسر هذه الصورة هو قدومك لسماع تجربة، وليس قواعد ومبادئ وطرقا، تكسير تصوّر القاعدة يجعل القاعة فضاء مختلفا يليق بالحوار ومناقشة التجربة، تماما كما قلب لويجي برندللو براءة المسرحية في «ست شخصيات تبحث عن مؤلف»، إذ تخرج من كواليس المسرح شخصيات باحثة عن كاتبها فيتداخل الورقي بالواقعي.
تفاحة آدم: هنا الكتابة هي المأساة الإنسانية، هي الألم المولّد لرعشة الكتابة، تلك المسافة ما بين لحظة السعادة الفردوسية والهبوط إلى لحظة الشقاء الأرضي، الكتابة هي الحفر في هذه المسافة، المكثفة بالألم ومساعدة العثور على شيء يحاول تهجّي العالم، همنغواي كان يقول: «إن النفي إلى سيبيريا هو الذي شكل دوستوفسكي».
إنتاج الكتابة:
لو قلت وقع بالأمس حادث سير، فإنّ أول ما يتبادر إلى الذهن ثلاثة أخيلة:
الحادث في حدّ ذاته، مسرح الحدث وما بعد الحدث، أي الفكرة وما يحيطها وما بعدها، فهناك إذا عملية تتحكم في الكتابة، تبدأ بالتفكير، ثم التحليل، ثم التركيب، وهي العملية التي تستمر في تماسٍ مع طقوس الكتابة لدى الكاتب، التي تتعلق بما يريده ويحفّزها لديه أو يغريه بإنتاج الكلمات، فنجيب محفوظ كان يستمع إلى مقطوعة موسيقية، أو أم كلثوم، وهو يسير في منزله قبل التوجه إلى غرفة مكتبه، شرب النيسكافيه عند صنع الله ابراهيم واستيقاظه مبكرا قبل بدء الكتابة…

عندما سئل الروائي البرتغالي خوسيه ساراماغو عن جائزة نوبل وهو حائزها سنة 1998، كان رده بأنّ جائزة نوبل لا تهمه، وأجمل الأوقات لديه تلك التي يعود فيها إلى المنزل وينخرط في الكتابة.

ماهية الكتابة أو لماذا هو كاتب؟
نَسِمُ شخصا ما بأنّه كاتب إذا حاز براءة عناصر لا تتحقق سوى لمن يشتغل على اللغة باعتبارها أداة تحقق العالم جماليا. إنّ الخيال من أهم العناصر التي تتيح وتحرّر فعل الكتابة، باعتباره الفضاء الذي يمدّ ويلهم الكاتب بالصورة والحركة والإنجاز، ولهذا قال أبو نواس:
غير أنّي قائل ما أتاني من ظنوني مكذّب للعيان
والخيال لا بد له من العثور على الكلمات التي تشكل منوال اللغة التي بواسطتها يتأسس المعنى، ويتأثث بجمال الدلالة، فالمستوى المفرداتي يقود إلى المستوى التركيبي، الذي يقود بدوره إلى تشكلات الدلالة والرمز. كان غوستاف فلوبير يقول لكاتب القصة الكبير غي دو موباسان، الذي كانت لديه قدرة عجيبة على التهام العالم: «إبحث عن الكلمات، إبحث وستجد».
عندما سئل الروائي البرتغالي خوسيه ساراماغو عن جائزة نوبل وهو حائزها سنة 1998، كان رده بأنّ جائزة نوبل لا تهمه، وأجمل الأوقات لديه تلك التي يعود فيها إلى المنزل وينخرط في الكتابة. وساراماغو كاتب رواية، ويعرف كيف يستمتع بالكتابة، حين تحل أشباحها القادرة على دفع تجربتها إلى أقاصي أماكن الإبداع، فعودته إلى البيت ليست عودة طوعية، إنّها تحدث بفعل الهاجس الذي يجب توفره لتحرّر شراهة الكتابة، إذ حين يحدث ذلك ويتوفر الهاجس تستقر الذات على «لذّة» الكتابة فتنخرط فيها مفعمة بالمحبة، وحينها يكون الخيال معبّرا بعمق جوهري عن عوالم الكاتب الخفية تلك التي يسمّيها أورهان باموق بـ»الظلال».
أورهان باموق، الروائي التركي الحائز جائزة نوبل للرواية سنة 2006، حين يتحدث عن الكتابة، فهو يرى شخصا يغلق على نفسه الباب في غرفة ويجلس إلى طاولة، ويحاول وحده أن ينظر إلى الداخل. وسط تلك «الظلال» يبني ذلك الشخص عالما جديدا بالكلمات. لا تتأسس الكتابة متصلة بالذات الكاتبة، لأنّ «الكاتب هو ذلك الذي يمضي سنوات يحاول فيها بتؤدة أن يكتشف الكائن الآخر داخله»، كما يرى أ. باموق . تنفصل الكتابة عن الذات الكاتبة لحظة الكتابة، حاملة معها بعضا من بصماتها، لتقول شيئا يبهر، ولهذا حين يتواصل الكاتب في بعض الأحايين مع ما يكتب يباغته سؤال: هل أنا فعلا الذي كتب هذا؟ والسؤال يحيل إلى إمكانية الكتابة المنفصلة عن كاتبها جزئيا، لذلك هي تبهر، تبهر كاتبها وقارئها، ولهذا لا يمكن للكاتب أن يفسر العملية الإبداعية التي تداهمه وتحمله من عالم التعيين إلى لحظة الإمكان القارة في الخيال الساحر والأسطوري.
الكتابة ليست رسالة إلى العالم، وليست نصيحة، المبدع ليس معنيا بذلك، التحدي الذي يواجهه هو اللغة والحدث، لكن أفق التلقي هو الذي سوف يؤوّل معطيات النص، أو هو الذي سوف يملأ البياضات بتعبير إيكو، النص «آلة كسولة» تحتاج إلى قارئ نشيط، والتأويل عنده هو التحيين الدلالي لما يمكن أن يقوله النص بمساعدة القارئ النموذجي، حينها تلتحق إبداعية الكتابة بأفق القراءة المنتج للنص في أمدائه المتعدّدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية