جروح غزة بعد ستة أشهر على انتهاء الحرب لا تزال غائرة

حجم الخط
0

غزة- “القدس العربي”: مع اقتراب حلول موسم الأمطار في فصل الشتاء، الذي يدق الأبواب، تزداد معاناة سكان قطاع غزة، خاصة أولئك الذين فقدوا مساكنهم جراء الاستهدافات المتعمدة من قبل الطائرات الحربية الإسرائيلية، خلال الحرب الأخيرة في مايو الماضي، فحتى اللحظة لا تزال هذه الأسر تقيم في منازل مستأجرة، وتنتظر الحصول على تمويل من الجهات المانحة، لإعادة بناء ما دمره الاحتلال، والعودة إلى مساكنها من جديد.

لكن ورغم التطمينات التي تشير إلى أن عملية إعادة بناء المنازل المدمرة، بات قريبا، إلا أن أمر تشييدها لو بدأ حاليا سينتهى بعد أشهر لتكون جاهزة كليا للسكن، كما أنه رغم التطمينات من المسؤولين بقرب عملية الإعمار، إلا أن تلك الأسر لا تزال تستذكر أيامها التي قضتها في منازلها التي حولتها صواريخ حربية في لحظة إلى كومة من الركام.

العائلات التي فقدت منازلها تنتظر إعمارها وذكريات الحرب الأليمة تهيمن عليها

فتلك الأسر التي نجت من الغارات، لها ذكريات وثيقة في تلك المنازل، إما بأحباء لها قضوا تحت ركام القصف، أو بذكريات جميلة لأولئك الذين تمكنوا من المغادرة قبل الغارات، فخلال الحرب الأخيرة التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد قطاع غزة في مايو الماضي، نفذت غارات جوية دون سابق إنذار على الكثير من المنازل، فقضى غالبية سكانها، فيما كان أصحاب منازل أخرى ينذرون بالقصف، فيخلوها على عجل، دون القدرة على حمل أي من مقتنياتهم.

ريم ورحلة التشرد

من بين القصص المريرة التي خلفتها تلك الحرب التي دامت لـ11 يوما، عانى خلالها سكان غزة من هجمات جوية على مدار اليوم، وانتهت باتفاق تهدئة توسطت فيه عدة جهات، كانت قصة سيدة فلسطينية تحدثت باسم مستعار هو “ريم”.

وريم، هي قصة من بين قصص وردت في نشرة الشؤون الإنسانية، التي أصدرها مكتب تنسيق المساعدات الإنسانية “أوتشا” التابع للأمم المتحدة، حول الأضرار التي لا تزال قائمة بعد حرب مايو الماضي، وتقول وهي تسرد ذكرياتها المليئة بالمأساة “قضيتُ خمس سنوات في بناء منزل يخصني لأنتقل إليه من منزل أهل زوجي الذين كانوا يسيئون معاملتي، حيث كنا جميعًا نسكن معًا”، وتضيف وهي توجز ما حدث معها “وفي غضون ثوانٍ، دُمر منزل أحلامي، مع جميع مقتنياتي والأشياء القليلة التي تمكنت من شرائها لأطفالي ليحتفلوا بالعيد”.

ريم فقدت منزلها وعادت لرحلة التشرد

وقد بدأت الحرب الأخيرة ضد غزة في 10 مايو الماضي، وتحديدا قبل يومين من حلول عيد الفطر، الذي كان سكان غزة يستعدون للاحتفال به، بعد انتهاء شهر الصيام.

وتضيف ريم وتبلغ من العمر 27 عاما “كنت أنا والأطفال في غاية السعادة أننا امتلكنا بيتًا أخيرًا”، لكن هذه السيدة بعد تلك السعادة تتجرع حاليا المرارة بعد أن باتت بلا مأوى، فمنزلها دمر في أحد الغارات الجوية التي شنتها قوات الاحتلال على أحد أحياء غزة، وتقول “بتنا الآن بلا مأوى وليس لدينا مكان نذهب إليه. وأولادي الآن في حالة دائمة من الخوف، وما عاد ابني يصغي إلي. فهو يسب أخواته الصغيرات ويضربهن”.

وتأمل تلك السيدة أن يكون لها منزل، وأن ترى أبنائها يكبرون وأن تعيش وإياهم حياة أفضل، وتضيف “لا أريد أن أتوسل الناس أو أرى أحدًا يشفق علي”. وهذه السيدة هي أم لثلاثة أطفال تقل أعمارهم عن 10 أعوام، وقد تزوجت وعمرها لم يتجاوز 15 عامًا، وسكنت وقت زواجها مع أهل زوجها لمدة أربع سنوات، وتوضح بأنها عانت خلال هذه الفترة من مستويات عالية من العنف الأسري وتولدت لديها ميول انتحارية في حالات كثيرة.

وحين سردت مأساة حياتها التي تفاقمت بعد فقدان منزلها في الحرب، قالت إنها لم تستطع الانتقال من منزل أهل زوجها لأنه لم يكن لديها مكان آخر تذهب إليه، وتوضح أنه لم تكن العودة إلى منزل والديها خيارًا ممكنًا لأنهما كبيران في السن وصحتهما معتلة، ومنزلهما مكتظ بخمسة عشر من إخوتها وأخواتها.

لكن ريم قبل حلول الحرب وتدمير المنزل، كانت قد تمكنت من خلال المساعدة المالية والخيرية التي تلقتها من أفراد المجتمع المحلي من تشييد منزل يخصها وتحويله إلى منزل أحلامها، وكان هذا المنزل، على الرغم من بساطته، كافيًا ليؤمّن مأوى آمنًا لها ولأولادها.

وفي 13 مايو 2021، أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلية صاروخًا تحذيريًا على الحي الذي تقطنه وأُجبرت ريم على إخلاء منزلها دون أن يتاح لها الوقت لجمع أي من مقتنياتها، والتمست هي وأطفالها المأوى في مدرسة تابعة لوكالة “الأونروا”، حيث دمر منزلها بينما كانت تقيم في تلك المدرسة.

وقد مكثت ريم وأبناؤها، الذين لم يكن لديهم أي مأوى بديل، في المدرسة لمدة 25 يومًا، حيث كانت الظروف أبعد ما تكون عن الوفاء باحتياجاتهم، فلم تكن المدرسة مكانًا مخصصًا رسميًا للإيواء، لذا لم تكن تتوفر فيها أي مساعدات طارئة، بما فيها المواد الغذائية أو الفرشات أو الأغطية، وخلال الحرب تعرض أطفال ربم للصدمة بفعل حالة التصعيد وحالة انعدام الأمن التي أُجبروا على العيش فيها، ويساور هذه السيدة القلق حيال أبنائها، حيث تجد سلوكهم صعبًا.

وكان تقرير حقوقي أصدره المرصد الأورومتوسطي لحقوق الانسان، قال إن 90% من أطفال قطاع غزة يعانون صدمات نفسية بعد العدوان الإسرائيلي الأخير، وقال إن نحو 72,000 طفل نزحوا إلى مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا” أو منازل أقاربهم خلال الهجوم.

وبالعودة إلى قصة ريم وأسرتها، فتقول إن منزلها شيد بصورة غير رسمية، أي دون ترخيص، على أرض حكومية، وتُعدّ الأسر التي دُمرت منازلها أو لحقت الأضرار بها مؤهلة للحصول على دعم الحكومة أو هيئات الإيواء، إلى جانب المساعدات النقدية للمأوى المؤقت، لمساعدتها على استئجار مساكن مناسبة في الوقت الذي يجري فيه إعادة بناء منازلها أو ترميمها.

ولكن وفق الإجراءات المتبعة، لا تستحق الأسر التي تملك منازل غير مرخصة الحصول على هذه المساعدات، لكن ريم حصلت على مساعدة من مؤسسة تعنى بالنساء في غزة، لاستئجار منزل لمدة ستة أشهر، وتتعرض ريم وأبناؤها لخطر التشرد حال انقضاء هذه الفترة، في الوقت الذي تتلقى فيه حاليا جلسات إرشاد ودعم النفسي واجتماعي من تلك المؤسسة.

وعلاوة على ذلك، تعاني ريم من الذأب، وهو مرض مزمن من أمراض المناعة الذاتية، ويستدعي دعمًا وعلاجًا مدى الحياة، وقد تفاقم وضعها بسبب منعها من الحصول على الرعاية الطبية في القدس الشرقية بسبب رفض إسرائيل المتواصل منحها تصريحًا للخروج من غزة. ففي العام 2017، وسابقا قدمت ريم سبعة طلبات للحصول على تصريح، ولكنها رفضت كلها، لذلك توقفت عن تقديم هذه الطلبات منذ ذلك الحين، وعلاج مرض الذأب نادر في غزة، ومكلف لهذا السبب، وهو ما يحول دون قدرة هذه السيدة على تحمله، في أحيان كثيرة، ما يزيد الضغط عليها لسوء حالتها الطبية.

وأسفرت تلك الحرب عن استشهاد 261 فلسطينيًا، من بينهم 67 طفلًا و41 امرأة، كما أصيبَ أكثر من 2,200 فلسطيني بجروح، من بينهم 685 طفلًا و480 امرأة، وبعضهم يعاني من إعاقة طويلة الأمد تستدعي إعادة التأهيل، كما أسفرت الغارات عن تدمير آلاف الوحدات السكنية في غزة بشكل كامل وجزئي بليغ وبأضرار طفيفة.

ولم تبدأ حتى اللحظة عملية إعمار المنازل التي دمرت بشكل كامل، فيما بدأ أصحاب المنازل التي تعرضت لأضرار بليغة بإعادة ترميمها، لتصيح صالحة للسكن، وحتى اللحظة تقوم فرق هندسية بإزالة مباني تضررت أساساتها خلال الحرب.

ذكريات الموت

ومن بين القصص التي روتها “أوتشا”، كانت قصة المواطن كمال عواجه وزوجته وفاء وأبناؤهما الأربعة عشر، فكمال الذي هدم منزله مرتين في حربين سابقتين، لم يهدم منزله في الحرب الأخيرة، لكنه يقول إنه عاش التهجير ثلاث مرات خلال السنوات الاثنتي عشرة المنصرمة، حيث كانت المرة الأولى التي هُجرت فيها هذه الأسرة في العام 2009، خلال الهجوم الجوي والبري الذي شنته إسرائيل على قطاع غزة، وقد كان ذلك  الحرب الأولى ضد القطاع، التي اسمتها إسرائيل “الرصاص المصبوب”، حيث دُمر منزلها وقُتل ابنها إبراهيم ذو العشرة أعوام أمام ناظريها وأصيب أفرادها بجروح، وبسبب حدة العملية، تُرك أفراد الأسرة دون علاج لأربعة أيام قبل أن يتمكن جيرانهم من نقلهم إلى المستشفى.

وقد سكنت أسرة عواجة، عقب تهجيرها، في بيت متنقل حتى العام 2012. ولم يتسنّ للأسرة أن تعيد بناءه إلا في العام 2014. وبعد ثلاثة أشهر من انتقالهم إلى هذا المنزل، بدأت الحرب الثالثة التي اسمتها إسرائيل “الجرف الصامد” حيث دُمر المنزل مرة أخرى، ويقول كمال “كان من المحزن أن يدمَّر منزلنا مرة ثانية، ولكن عزائي أن أحدًا من أسرتي لم يصَب أو يُقتل”.

أبناء كمال يشعرون بالصدمة والخوف

وفي مايو الماضي، لم يكن أمام كمال وأسرته من خيار سوى الرحيل عن منزلهم واللجوء إلى منطقة أكثر أمنًا للمرة الثالثة بسبب الغارات الجوية الإسرائيلية التي قصفت غزة كل يوم، ووقتها كان يتملكهم الخوف على أرواحهم والصدمة التي ما زالوا يعانون منها من تجربتهم في حالتي التصعيد اللتين نشبتا في العامين 2009 و2014.

في هذه المرة، لم يدمر منزلهم الحالي ولم يصب أي منهم بإصابة بدنية، لكن رب الأسرة يقول “كنت سعيدًا أنني عدت إلى منزلنا ووجدت أنه لم يزل قائمًا”، ويوضح أنه حتى هذا اليوم، لا يزال مدينًا بثمن الأثاث الذي اشتراه لـ”منزل الأحلام”، ومع ذلك يقول إن أسرته لا تزال تعيش صدمة فقدان ابنها في الحرب الأولى، ويضيف هذا الرجل “لست أؤمن ولا أثق في القانون الدولي لحقوق الإنسان أو ما يسمى حماية المدنيين. لقد سلبت إسرائيل ذلك مني، مع ابني”، ويوضح أن أبناءه يشعرون بالصدمة والخوف، ويقول إنه يشعر بـ”العجز”.

ويضيف هذا الرجل الذي لم تفارقه يوما ذكريات الماضي التي تنكأ جروحه “لم أُرِد أن أغادر غزة، ولكنني قد أذهب إلى أي مكان الآن، وعندما أبتسم وعندما أضحك، أشعر كما لو كان ثمة شيء خطأ، وأسأل نفسي لمَ أضحك؟ كل يوم أشعر بالذنب لأنه يتعين على أبنائي أن يعيشوا في نفس المكان الذي قُتل فيه أخوهم”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية