لقد بسطت الدراما المصرية حضورها علي معظم القنوات العربية لسنوات خلت، والتي كانت تتطرق لكثير من الموضوعات المتنوعة. لكن انتشار الفضائيات بهذا الكم ساعد علي ظهور صراع جديد من نوعه في السنوات الاخيرة مما ادي الي تغييرخارطة الدراما العربية من خلال دخول عدة جهات عربية منتجة للدراما التلفزيونية للميدان واصبحت الاعمال الدرامية تصنف علي اساس دولة الانتاج. واستطاعت الدراما السورية ان تثبت خطاها علي هذه الطريق، واجاد الممثل السوري في خلق مكانة هامة له في افضل اوقات العرض. ومما لا ننكره هو ظهور بعض الاعمال الخليجية او المحلية لبعض الدول العربية من هنا وهناك، الا اننا هنا بصدد الحديث عن حمي التسابق علي انتاج الاعمال الدرامية السورية والمصرية والتي تأخذ نصيب الاسد علي شاشات الفضائيات الحكومية والخاصة المنتشرة في كل ارجاء العالم العربي، لحجز مكان لها في هذه الفضائية او تلك القناة، وهو ما يبدو جليا في شهر رمضان، هذا الشهر الذي اصبح موسم عرض الانتاج الفني والاعمال الدرامية ومقياسا للنجاح والفشل لمؤسسات الانتاج. وفي هذا الجو التنافسي وحتي نكون منصفين لا بد من الاشادة بالتطور الملحوظ في مجالات عديدة في هذا الميدان، من حيث تطرقها لكثير من المواضيع الجريئة، والتي ترتبط مباشرة بقضايا الانسان العربي وهمومه. وايضا من حيث التطور التقني والذي كان للكمبيوتر الاثر الكبير في هذا المجال.
مما لا شك فيه بان للممثلين وابطال الدراما مكانة هامة في نفوس الجمهور والذين يؤثرون بشكل مباشر وغير مباشر علي سلوكه. وبما ان هذه الاعمال الدرامية هي احدي الوجبات اليومية التي يتفاعل معها كبيرنا وصغيرنا، واذا افترضنا بان فئة الاطفال والمراهقين يشكلون نسبة عالية من هذا الجمهور وجب علينا ان ندقق النظر بالسلوك الذي سوف تكتسبه هذه الشريحة من ابطالهم. ومما يلفت الانتباه والذي يثير القلق في هذا الجو التنافسي المصري السوري الاتفاق في ظاهرة خطيرة جدا، الا وهي اشاعة عادة التدخين والعمل علي تشجيع ابنائنا وبناتنا لممارسة هذه العادة. ففي الوقت الذي تتسابق فيه الدول المتحضرة لمحاربة التدخين، من خلال برامج التوعية في وسائل الاعلام وفي المدارس والجامعات، ومن خلال وضع القوانين الصارمة لمنع التدخين في المؤسسات الرسمية والاماكن العامة، لدرجة ان بعض الدول الاوروبية تحظر التدخين في المطاعم والمقاهي وحتي في الحانات. وعلي الرغم من ان هوليوود كانت من اهم المؤسسات التي ساهمت بشكل مباشر في مطلع القرن الماضي علي انتشار عادة التدخين في الساحة المحلية الامريكية وفي الساحة العالمية، الا ان حجم اخطار التدخين دفعت المنظمات الانسانية والتي تعني بصحة المستهلك للضغط علي صانعي القرار والمؤثرين فيه للحد من انتشار هذه العادة، ووصلت الي حد ان رابطة السينما الامريكية اعلنت ان نظامها لتقييم الافلام سيأخذ في الاعتبار المشاهد التي تشجع علي التدخين، اسوة بنجوم السينما الذين يدخنون في الافلام. فبعد ان كان التدخين امام الكاميرا من المظاهر المألوفة في الافلام السينمائية التي يمثل فيها نجوم هوليوود، لينعكس الان سلبا علي تقييم هذه الافلام. وفي الوقت الذي قلما نشهد من يحمل السيجارة في قنوات هذه الدول المتحضرة. لنجد في خضم هذه الجهود لمحاربة عادة التدخين تأتي الدراما المصرية والسورية لتعمل علي تغطية العجز في سوق المدخنين من العالم المتحضر لتعوضه في السوق العربية. اذ لا يكاد مشهد درامي واحد يخلو من السيجارة، والذي لا يخدم الفكرة لا من قريب ولا من بعيد مما يجعل المفارقة جلية دفعنا طرح مجموعة من التساؤلات. فاذا لم يدرك مخرجو هذه الدراما العربية مدي المخاطر لعادة التدخين، وهنا لا استثني ابطال هذه الاعمال والبطلات وباسهامهم المباشر انشاء جيل كامل مدمن لهذه العادة من المراهقين، واذا لم يرق خيالهم لايجاد بديل عن هذه السيجارة كعادة ملازمة لابطالهم، وان لم يخطر ببالهم ان ابناءهم قد يكونوا اول الضحايا لهذه المشاهد، اذا كان كل ذلك، فتلك مصيبة، اما اذا كان غير ذلك فهي الجريمة بعينها.
علي الرغم من عدم وجود اي مبرر لوجود هذه السيجارة وبهذه الكثافة في المشاهد الدرامية المصرية والسورية، الا انني لن اتهم منتجي ومخرجي هذه الاعمال بانهم يقبضون الاموال من تجار شركات التبغ التي قد تغيب ضميرهم لتسويق السيجارة في اعمالهم، لكن المهم هنا هو جيل كامل من الاطفال والمراهقين الذين تبدأ الحكاية معهم حينما يضع احدهم قلم الرصاص بفمه علي انه سيجارة مقلدا هذا البطل او تلك، ليؤول هذا القلم خلال فترة وجيزة الي سيجارة حقيقية ولتبدأ معها هذه المأساة. لذا اري بان مسؤولية حماية هذا الجيل تقع علي عاتق كل من يدرك مدي خطورة التدخين واثره السلبي علي الصحة، خاصة وان الاحصائيات تقول بان عدد الذين يموتون نتيجة لاضرار التدخين اكثر من قتلي الحروب، أرفع صوتي هنا عاليا واهيب بكل الغيورين علي مصلحة جيل قادم خال من هذا الوباء ان نفكر جميعا بكل الوسائل التي تجعل من هذه المشكلة قضية رأي عام عربي وتمريرها علي كل المؤسسات الحقوقية التي تعني بالانسان، وعلي كل مجالس الشعب والبرلمانات العربية من اجل تسليط الضوء عليها ومعاقبة كل من يشترك او يساهم في نشر هذه الجريمة. فاتح الخطيبرسالة علي البريد الالكتروني6