جريمة المساعدات الانسانية
د. عبدالوهاب الافنديجريمة المساعدات الانسانية(1)بعيد شن الحرب الأمريكية علي العراق في عام 2003، جاء إلي مسجدنا المحلي هنا في شمال لندن ممثلو منظمة إغاثة يطلبون التبرعات للمنكوبين في العراق. وكانت هذه أول مرة أرفض فيها بإصرار التبرع لغرض إنساني. ذلك أن المسؤولية عن حاجيات المدنيين في العراق المحتل ـ وهو علي كل حال بلد غني بموارده كان قبل الحصار يقدم المساعدات للآخرين ـ هي مسؤولية سلطات الاحتلال، وليس من واجبنا تقديم المساعدة للمحتلين وفي العالم الملايين ممن هم أحوج للمساعدة.(2)لا أتخذ موقفاً مماثلاً من التبرع لفلسطين لأسباب لا تخفي، ولكن هذا لا يمنع أن واجب كفاية كل الاحتياجات الإنسانية لضحايا الاحتلال الفلسطيني من محاصرين ومشردين ومهاجرين هو مسؤولية الاحتلال ومن يقفون وراءه. ومن حق كل فلسطيني أن يقاضي سلطات إسرائيل وسلطات الدول الداعمة لها ـ بما فيها كثير من الدول العربية ـ في محاكم هذه الدول والمحاكم الدولية ليفرض عليها القيام بهذا الواجب. فالفلسطيني لم يشرد نفسه، ولم يحاصر نفسه ويحرم نفسه من التجارة والضرب في الأرض طلباً للرزق.(3)انتشرت هذه الأيام في الولايات المتحدة بدعة مقاضاة الدول العربية والإسلامية بتهمة دعم الإرهاب. وأقترح علي المنظمات الحقوقية والمنظمات العربية والإسلامية تشجيع ضحايا الإرهاب الإسرائيلي والعدوان الأمريكي مقاضاة إسرائيل وأمريكا وحلفائهما واللوبيات التي تدعم إسرائيل في المحاكم الأمريكية والأوروبية بتهمة التواطؤ في العدوان المستمر منذ أكثر من خمسة عقود علي الفلسطينيين. أما الدول العربية التي لا توجد فيها مثل هذه المحاكم فنقترح أن يشكوها المتضررون إلي الله تعالي.(4)انتشرت أيضاً هذه الأيام بدعة جمع التبرعات للمنكوبين في لبنان كتعبير عن التضامن مع الشعب اللبناني في محنته، وأيضاً كمحاولة لـ غسل الضمير من قبل بعض من ساهموا في هذه المحنة أو عجزوا أو جبنوا عن التصدي لها. ولا شك أن تقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين عمل نبيل، خاصة حين يقترن بمنظومة التشريع الإنساني الدولي المعاصر بجملتها، بما في ذلك حماية المدنيين من ويلات الحرب، واعتبار استهدافهم جريمة حرب. ولكن العون الإنساني يصبح جريمة حين يتحول إلي غطاء وتبرير لاستمرار الجرائم ضد الإنسانية.(5)ضحايا جرائم الحرب في لبنان هم في حاجة ماسة بلا شك إلي معونات إنسانية عاجلة، المسؤولية الأولي فيها تقع علي عاتق من تسببوا في هذه الكارثة الإنسانية ويصرون علي استمرارها، ومن ساندوهم وتواطؤوا معهم. ولكن الذي يحتاجه كل اللبنانيين هو الوقف الفوري للعدوان ضدهم، ودعم صمودهم ومقاومتهم، وهذا هو الواجب الذي يجب أن تتصدي له الجماهير العربية لأن لا أحد غيرهم يمكن أن يقوم بذلك. وأقصر طريق لذلك هو أن تقوم المنظمات السياسية والمدنية في كل العواصم العربية بتنظيم اعتصامات مفتوحة في كل العواصم العربية يشارك فيها أكبر قدر من المواطنين، نساءً ورجالاً وأطفالاً، ولا تنفض هذه الاعتصامات حتي يتوقف العدوان.(6)تجمع الملايين في الساحات العامة في كل عاصمة عربية كفيل بأن يرسل رسالة قوية إلي إسرائيل ومن يقف وراءها بأن الانفراد بالعدوان علي لبنان لم يعد ممكناً، وأن الاستمرار فيه يهدد بانهيار الأنظمة العربية الداعمة للعدوان بالقول أو الصمت، مما يعني انهيار الجدار الآخر الذي يعتمد عليه أمن إسرائيل، وهو سياج أنظمة العجز والانهزام، وتحويل كل دول الجوار إلي لبنان آخر. وهذا سيكون أقوي رادع للعدوان.(7)العدوان الإسرائيلي علي لبنان وفلسطين ينطلق من الثقة في تواطؤ وعجز الأنظمة، والمراهنة علي موت الشعوب. وأفضل مساهمة في إنقاذ لبنان وفلسطين هي في إثبات أن الشعوب حية. وهذا أضعف الإيمان لأنه إذا لم يؤد إلي إسقاط أنظمة البؤس والعجز فإنه سيدفع بهذه الأنظمة للتضرع لإسرائيل وأمريكا أن أنقذونا بوقف عدوانكم حتي لا نصبح من ضحاياه، فتكونون أنتم معنا من الخاسرين.9