تبدو الاحتجاجات الأخيرة في الولايات المتحدة الأمريكية انتهاكاً مكثّفاً لكثير من المقدسات والقواعد السليمة، فأعمال النهب والتخريب، والاشتباك مع الشرطة، والتظاهر من أساسه في ظل إجراءات «التباعد الاجتماعي»، يجعل المحتجين في مواجهة مباشرة مع قيم ومؤسسات أساسية في عالمنا: السيادة، الملكية الخاصة، قواعد النظافة والصحة العامة، واللباقة الاجتماعية بنسختها البورجوازية المعاصرة. ولهذا فربما كان تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأن عنف التظاهرات «جريمة ضد الرب»، تعبيرٌ نموذجي عن الإساءة التي يرتكبها المحتجون. ما يفتقر إليه التصريح هو أن قائله لا يتناسب بدوره مع معايير اللباقة السائدة، بل ربما كان أحد أهم أعدائها المعاصرين.
المفارقة، التي يمكن التذكير بها في هذا السياق، أن موت رجل أسود خنقاً على يد رجال الشرطة، وعبارة «لا أستطيع التنفس»، فضلاً عن تدخّل الحرس الوطني الأمريكي لمواجهة المظاهرات، ليست من الظواهر المستجدّة في فترة حكم ترامب، بل هي تكرار شبه تام لحادثة «إريك غارنر»، بائع السجائر الأسود، الذي قضى مختنقاً أثناء توقيفه عام 2014، أي في فترة حكم الرئيس «الأسود» باراك أوباما، وهو من الرموز الأهم لكل اللباقة الصوابية المعادية للعنصرية.
هذه المفارقة تقول الكثير عن التركيب الطبقي والأيديولوجي المعقّد للاحتجاجات في عصرنا، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في عدد كبير من الدول. ربما كانت الاحتجاجات الأمريكية الأخيرة محظوظة، لأنها تقاطعت مع الخطاب السائد لدى الفئات الاجتماعية الأكثر حظاً، القائم على سياسات الهوية والتظلّم، واعتبار النوع، العرقي أو الجنسي، من الخصائص التي يمكن تسويقها والاستفادة منها في المسيرة المهنية، وتحصيل ميزات التمكين. إلا أن هذا التقاطع يبقى عرضياً لحد كبير، فالفئات الأدنى، التي تمارس العنف الفعلي ضد المؤسسات القائمة، لم تستفد يوماً من خيرات التمكين، الذي تقدمه تلك المؤسسات نفسها. ولذلك يشغل الخلاف بخصوص شرعية العنف مكانة مهمة في الجدل الدائر حول الاحتجاجات، ويمهّد لانقسام ضروري بين جمهورين، غير متمايزين بشكل تام من الناحية الأيديولوجية: جمهور إيجابي، أقرب لقيم المؤسسات القائمة، لا مصلحة له بزعزعتها بشكل جذري، وأميل للسلمية؛ وآخر سلبي، يعبّر عن وجوده في الفضاء العام، عن طريق العنف والتخريب، ويمارس انتهاكات ضد القيم السائدة، تضعه في موقع الإجرام «ضد الرب». فكيف يمكن التمييز الفعلي بين هذين الجمهورين؟ وما دور العنف في توضيح الانقسام بينهما؟
نهاية التضامن البورجوازي
قبيل الاحتجاجات الأمريكية كان موضوع «التباعد الاجتماعي» من أهم قضايا الخلاف، بين ما يسميان يميناً ويساراً في المعايير الأمريكية. جانب من اليمين ومؤيدي ترامب، بمن فيهم عدد كبير من المستثمرين الصغار والعمال المتضررين من إجراءات الإغلاق، رفضوا مبدأ التباعد، واعتبروه غير دستوري. في ما رأى أغلب اليسار ذلك دلالة جديدة على انعدام الوعي السليم لدى أنصار اليمين. ترافق هذا مع تنظيرات لمفكرين معروفين، أعادت تعريف التضامن في أيامنا على أنه الالتزام الأخلاقي بالابتعاد عن الآخرين، لحماية الفئات الأضعف من المجتمع، بل وأحياناً للتفكير بصيغ جديدة لتغيير واقعنا وأنظمتنا الاجتماعية والاقتصادية، التي لم تكن عادلة بالتأكيد.
وعلى الرغم من أن كثيرين لاحظوا أن الطبقات العاملة هي من سيدفع الثمن الأكبر لهذا التضامن، إضافةً لفئات ضعيفة، مثل النساء المُعنّفات، إلا أن التنظيرات الأفضل، مثل التي نجدها في كتابات سلافوي جيجيك وديفيد هارفي، اعتبرت أن الاحتجاج على التباعد يصبّ في النهاية في مصلحة النظام الاجتماعي القائم، ويُسقط الإمكانيات التي قد تحملها الحالة الطارئة الراهنة: «اشتراكية» اضطرارية، قد يمكن العمل على جعلها لمصلحة الفئات الأدنى، لا لمصلحة الشركات الكبرى، حسب جيجــــيك، أو تطــــور مفــروض على أسلوب الإنتاج الحالي، يجعله أكثر تقدماً، ويحرّر ملايين العمال من أنماط العمل الشاقة السائدة، مع ضمان حقوقهم المالية والصحية الأساسية، حسب هارفي، وأنطونيو نيغري إلى حد ما.
إلا أن السؤال، حول الطريقة التي يمكن من خلالها الوصول لهذا التطور الإيجابي، بقي معلّقاً، خصوصاً مع إغلاق مساحات الحيز العام، وانتفاء القدرة على التجمّع والحشد. انفجار الاحتجاجات بزخم كبير في الولايات المتحدة أعطى جواباً بالغ الدلالة: يبدو أننا لا نملك إلا الطرق العتيقة، أي الحشد في الشارع واحتلال المساحات العامة، لدرجة أن المكان الذي قُتل فيه جورج فلويد تحوّل إلى ميدان، تتم فيه النقاشات السياسية. وإذا وافقنا على أن هذا الخرق الثوري حقاً لـ»التباعد الاجتماعي» تمّ بجهود المتضررين الفعليين من النظام والمؤسسات القائمة، فربما كان التفكير بـ»تضامن» على أساس التباعد ليس أكثر من طرح قائم على الامتياز: يمكن لفئات محدودة فقط أن تحلم بتضامن من داخل منازلها المريحة وعلى أساس دخلها المضمون. وقد يكون هذا أول انقسام أساسي بين جمهوري المظاهرات، وموضوعه أولوية القيم السليمة للصحة العامة، والخوف من العدوى. فلنتذكر هنا تصريحات بيل دي بلازيو، عمدة نيويورك الحالي المتعاطف مع الاحتجاجات: «يحقّ لك التظاهر، ولكن لا يحقّ لك تعريض غيرك لخطر العدوى».
التخريب لأجل الاستمرار
إلى جانب الانتهاك الصحي، هنالك انتهاكات أخرى سيصعب على الأيديولوجيا السائدة ابتلاعها، مهما تعاطفت مع الاحتجاجات: انتهاك الملكية الخاصة عن طريق النهب، تخريب المؤسسات العامة والعنف ضد ممثلي النظام العام.
تخريب مقرّات السلطة ونهبها، ظاهرة رافقت بقوة معظم الاحتجاجات المعاصرة، من مقرّ الحزب الوطني في القاهرة عام 2011 إلى مركز شرطة مينابوليس مؤخراً، والتفسير السائد لها هو، رغبة المحتجين في ضرب الحضور الرمزي للنظام القائم، إلا أن امتداد التخريب إلى أبنية أخرى، لا مكانة رمزية مهمة لها، مثل المحال التجارية والمؤسسات الإدارية، يفرض تفسيراً أكثر مباشرة وأقلّ رمزية: تشكّل السيادة ونمط الملكية الخاصة القائمين عائقاً لاستمرار الأجساد الإنسانية نفسها وتهديداً لها، العنف السلطوي والحرمان المادي، يجعل البشر تحت خطر الموت اختناقاً أو تعذيباً أو إرهاقاً، فتصبح مهاجمة المؤسسات الاجتماعية فعلاً جسدياً، أكثر من كونه رمزياً، لتأكيد الاستمرارية وإطلاق طاقات الجسم المُخضَع. التخريب هنا ضربة مباشرة للسلطة بمعناها المادي، وليس فعلاً سياسياً قائماً على بنية رمزية- مفاهيمية ما.
يمكن أيضاً تحديد التراكم الرأسمالي الحالي بكونه «تراكماً عن طريق نزع الملكية»، حسب تعبير ديفيد هارفي، أي أن جانباً كبيراً من الملكية الرأسمالية تمّ تحقيقه عبر نزع ملكية الفئات الأدنى، من خلال خصخصة المساحات والملكيات العامة، ومصادرة ما تحوزه العائلات الأفقر لعجزها عن سداد قروضها، ونقل المليارات إلى حساب المؤسسات المالية الكبرى، عبر «خطط الإنقاذ» التي تنفذها الحكومات بعد كل أزمة اقتصادية. نهب الملكية الخاصة، ضمن هذا الشرط من التراكم، هو ردة فعل، غير سياسية بدورها، على النهب الأولي الذي تعرّضت له الطبقة الاجتماعية، التي لا تملك فعلياً إلا قوة عملها، وقدرتها الجسدية على الاحتجاج.
انفعالات مُقبضة
إذا حددنا التخريب بوصفه جانباً من جهد الجسد لتأكيد وجوده، بوحي من فلسفة سبينوزا، فإن هذا الجهد تقوده انفعالات سلبية ومُقبضة: الغضب والحقد والخوف، وهذه الانفعالات من الصعب أن توصل إلى تركيبات اجتماعية وسياسية تحررية. لن نجد هذا فقط لدى جمهور الاحتجاجات العنيف من الطبقة العاملة، بل أيضاً لدى جمهورها الآخر، الأقرب للقيم السائدة، الذي يعتبر التذمّر والشكوى، وإبداء الحقد التاريخي على مجموعات بشرية بأكملها، خطاباً تقدمياً.
تُمكّن الانفعالات الإيجابية، مثل الفرح والمحبة والتعاطف، البشر من أن يسلكوا بمقتضى العقل، بحسب سبينوزا، ومع أن تعريف «العقل» في هذه العبارة إشكالي جداً، فإن المقصود هو إنتاج تركيبات مدينية، تؤمن استمرار المجموعة البشرية بشكل أكثر توازناً. بهذا المعنى فإن خروج الاحتجاجات من حالتها اللاسياسية، القائمة على رد الفعل البدائي، وقدرتها على تنظيم نفسها، وصياغة خطاب يعبّر عن مصالح وطموحات جمهورها الفعلي، يتطلب نمطاً من العقلانية لا يمكن الوصول إليه بشكل تأملي، بل عن طريق تضامن فعلي قائم على الابتعاد عن خطاب الهوية، وقيم التمييز والتمكين القائمة: أبناء الفئات التي تستغلها وتضطهدها المنظومة القائمة، من عمّال وملونين ونساء ومهاجرين، ليسوا مجرد ضحايا يتسابقون لعرض جراحاتهم التاريخية، ونيل لقب «الأكثر تعرضاً للظلم» في هرمية الضحايا القائمة، بل هم من يصنعون عالمنا المعاصر بإنتاجهم المادي وغير المادي، وعملهم المأجور وغير المأجور. وهم لذلك قادرون على التضامن، بدلاً من التنازع على التمكين، الذي تقدمه المؤسسات القائمة. تختفي بذلك الهوية المُضطهَدة المثيرة للانقباض، لمصلحة «العامل الفَرِح، الذي يحطّم آلات عمله»، حسب تعبير أنطونيو نيغري. ولهذا تصبح القطيعة مع أيديولوجيا جمهور الاحتجاجات الأكثر «نظافة» شديدة الضرورة، كي لا تبقى الأعمال الاحتجاجية شبيهة بـ»تمرّد المساجين»، حسب تعبير آخر لنيغري.
٭ كاتب من سوريا