بسام البدارينأتذكره جيدا.. المحامي الأردني فيصل البطاينة فقد تشاركنا في رحلة قصيرة ومثيرة ناقشت ملف الفوسفات على الهواء مباشرة في برنامج الإعلامية المتميزة رولا الحروب (في الصميم) الذي يمكن إعتباره المادة الأدسم في فضائية جوسات والأجرأ على مستوى البلاد.
يومها ألقى زميل الهواء خطبة قانونية مؤثرة عن ضرورة الإلتزام بالدستور وإستحقاقات القانون ولم تعجبه مجريات النقاش والترتيبات فغادر البرنامج معتذرا ولم يكمل النقاش.
فاجأني الرجل كخبير قانوني بدعوته العلنية مؤخرا لسحب جوازات السفر العادية (يعني الجنسية) من أعضاء البرلمان الذين طالبوا بالعدالة في التمثيل البرلماني منتقدين تجاهل من يسميهم رئيس الوزراء عون الخصاونة ب(السكان) من أردنيي الأصول الفلسطينية كما جاء في مؤتمر صحفي للرئيس بثته الفضائية الأردنية عشرات المرات.
والبطاينة لم يكتف بذلك بل دعا لتحويل النواب الذين تجرأوا على طرح هذه القضية إلى المحكمة – طبعا بعد تشليحهم من جنسياتهم- إلى المحكمة بتهمة إثارة النعرات.
على الأرجح سعى البعض لفهم هذه الرسالة باعتبارها موجهة لأعضاء في البرلمان من أصل فلسطيني فقط لكن في الواقع طرح نخبة من نواب (العشائر) نفس المطلب وانتقدوا عدم تمثيل الأردنيين من أصل فلسطيني.
ولم نعرف ما إذا كان البطاينة ككاتب صحفي يشمل هؤلاء أيضا بدعوته المعنية بإثارة النعرات؟
سهولة سحب الجنسيات.. في عمان الوضع اليوم ببساطة كالتالي: تهمة معلبة من طراز (دعاة المحاصصة) تطال سهامها كل مواطن يطلب حقا في أي قطاع.. الغريب أن ذلك يحصل فيما يحاصص الجميع في كل شيء حتى عندما يتحلق القوم حول طبق المنسف العملاق.
النظام نفسه يحاصص فلا يسلم مناصب رفيعة لأكثر من شخص في نفس المحافظة إطلاقا والحكومة تحاصص علنا في قانون الإنتخاب فتقر مبدأ (الحقوق المكتسبة) كغنائم.. القانون يحاصص وكذلك الأفراد وفي كل مجال.. حتى عندما تذهب لشرب القهوة في عمان يجبرك ظرف ما على المحاصصة.. الكائن الوحيد الذي يصبح فورا ناشطا لصالح المشروع الصهيوني عندما يُسأل مجرد سؤال عن (حصته) أثناء توزيع الحصص هو الأردني من أصل فلسطيني.
شخصيا أمقت المحاصصة وبالنسبة لي أؤيد دائرة إنتخابية واحدة على مستوى الوطن وليفوز فيها من يفوز حتى لو كان الأخ فيصل البطاينة نفسه ولو سألني صاحب القرار المرجعي يوما – لا سمح الله – عن الحكومة التي أفضلها سأخبره بأني كمواطن أؤيد حكومة جميع وزرائها على نمط الدكتور مروان المعشر.
وأقدم الولاء مسبقا لحكومة من هذا النمط حتى لو كان جميع الوزراء من أهلنا في مدينة السلط من حيث الجذور ومن المسيحيين العروبيين الديمقراطيين لكن كيف نلوم مواطنا يسأل عن حصته وحصة أهله ومنطقته وعشيرته في اللحظة التي يدخل فيها الجميع بهوس توزيع الحصص فالديمقراطية ببساطة تعني أن من يدفع ضرائب يتمثل في البرلمان اي بمعنى يحصل على حصته التمثيلية؟.. مسألة أخرى مهمة فقد أصبحت دعوات (تشليح) الأردنيين من جنسياتهم مضحكة وأقرب إلى نكتة فأسهل شيء تقراه وتسمعه في الأردن هذه الأيام الإقتراحات المتسارعة لسحب جنسيتك كلما دق الكوز بالجرة كما يقال.
ولا يتورع البعض عن مخالفة كل معايير الدستور والوطنية والأعراف البشرية عندما يحرض الدولة على سحب جنسية من يختلف معه بالرأي وكأن الجنسية في بلادنا قبعة أو مكرمة تمنح وتخلع بسهولة… بالتأكيد هناك من جعل الأمر سهلا.
بين الفلول والفلافلليس صعبا إلتقاط العين لها ببساطة تلك اليافطة العملاقة التي وضعها الأخوة المصريون في ميدان التحرير الجمعة الماضية وقالوا فيها: كلنا ضد الفلول… أينما حولت الريمونت كونترول خلال جلسة تثاؤب وضجر بحثا عن خبر طازج ظهيرة الجمعة الأخيرة كنت ستلتقط نفس اليافطة فقد رأيتها على الجزيرة وعلى محطة المصرية وحتى في فضائية السودان التي تحدثني نفسي بالمرور عليها في لحظة عابرة كل ثلاثة أشهر مرة لكي أتوثق.. (الفقيد لا زال يتنفس) . حتى على الفضائية الأردنية التي تؤيد بوضوح المرشح عمر سليمان وبالتالي الفلول لمعت اليافطة نفسها وفي مجالس الأردنيين منذ ترشح كابتن الكباتن الجنرال عمر سليمان فجأة دخل الشعب في حالة تحليل وتدقيق وحديث هوسي عن أشباح الرئيس حسني مبارك وأولاده والفلول الذين دفعتهم واشنطن للواجهة مجددا بعدما إستيقظ الغرب والنفط على صفعة الربيع العربي… أعرف شخصيا أن عمر سليمان منقوع الفلول ورجل فلولي بإمتياز وخبرتي تقول بأن عمرو موسى تمردغ (يعني بالعامية الأردنية تشطف) وسط الفلول ونجح في نفض غبرتهم عنه بذكاء عدة مرات فقد رأيته بعيني في قمة سرت العربية يتبادل الإبتسامات بحرارة مع فقيد إفريقيا الراحل معمر القذافي.
لكني لست متأكدا من أحمد شفيق هل هو من بتوع الفلول إياهم؟.. الرجل كظاهرة منتج ميدان التحرير وشعوري بأن الأخوان المسلمين (فلفلوه) قصدا على اليافطة إياها ولي أمنية شخصية عند ثوار مصر الكرام: رجاء قاطعوا شفيق ولا تنتخبوه لكن خففوا من فلفلته قليلا فشعوري ان الأخ ليس منهم – أقصد الفلول- وأخشى أن ننقسم يوما في العالم العربي إلى مرحلة ننخاطب فيها بالسؤال التالي: الأخ فلول ولا فلافل؟
بالمناسبة تخبرنا فضائية الحياة المصرية بأحد برامجها بأن أنصار المرشح السلفي للرئاسة المصرية يوصون المطاعم الصغيرة على أطنان من ساندويتشات (الفول والطعمية) لأغراض تحصيل الطاقة خلال المعركة الإنتخابية.
رقبة السينتاور ووشاح الثورةوعلى سيرة الفلافل أفترض أن السيناتور الأمريكي جون ماكين الذي ذرف دموع التماسيح على الشعب السوري وتمتع بوجبة فلافل على الطريقة الشامية على ضفاف معسكر اللاجئين السوريين الذي زاره مؤخرا على الجانب التركي من الحدود حيث رافقته كاميرا محطة مستنسخة إسمها (التركية) ويبدو أنها مخصصة لمخاطبة الأمة العربية بإسم الأمة التركية الصديقة مع أني لا أؤمن كثيرا بقصة العواطف التركية.
وأفترض على الأقل أنها ممزوجة بالمصالح فالشوكولاته التي نقدمها في بيوتنا معشر الأردنيين في الأفراح منذ أعوام تركية المنشأ.. كذلك البسكويت المحشي الرخيص والملابس والأحذية والثلاجات ومؤخرا لمبات طاقة مزورة إندفع الناس نحوها بحماس في الأسواق فتبين أنها لا توفر الطاقة ولا ما يحزنون… عداك طبعا عن الفاتنات اللواتي إخترقن بيوتنا عبر فضائية إم بي سي وغيرها من الفضائيات التي تبث الدراما التركية.
عموما من حق الشقيق التركي الكبير أن يبحث عندي عن سوق ومن حقي كمواطن كسول متبجح إنتمى لأمة لا تأكل مما تصنع ولا تلتهم مما تزرع أن أكرس نفسي كزبون دائم يشتري كل أنواع بضائع آردوغان التركي ثم يكثر من التبجح والانتقاد والإستنكار ويدعي لاحقا تمثيل أمة لا تهزم كانت دوما صخرة التصدي والصمود والشموخ.. إلى آخر الإسطوانة المشروخة إياها.
بكل الأحوال لا يلام الأتراك بل يشكرون على تبني قضايانا خصوصا تلك التي نعجز نحن عن تبنيها وما يهمني هو الطريقة التي أظهرت فيها محطة (التركية) زيارة الأمريكي ماكين فقد تجمهر القوم من ضحايا بشار الأسد أمام الرجل للإحتفال به.. صافحوه وضحكوا في وجهه ثم ألبسوه على رقبته القصيرة وشاحا مطرزا يرمز لثورتهم.
الوشاح بطبيعة الحال حاكته الأيادي الناعمة الطرية للأمهات المكلومات والشاميات الطيبات اللواتي أجبرتهن فضائية رامي مخلوف على الهرب فتسلين بصنع الوشاح إلى ان تحين عودة آمنة إلى وطن بدون شبيحة ومجرمين وقتلة يتدثرون بلباس الشرعية.
صبية مخيم اللاجئين فعلوا ذلك بسذاجة وببراءة لكن ما قهرني وسمح بتدفق الدم في جفوني لحظتها الطريقة التي إرتدى فيها الأمريكي الوشاح السوري فقد تقبله بهدوء ونعومة وألقاه على كتفيه وكأنه يتزعم هؤلاء المهجرين الذين حشرهم الأتراك بطبيعة الحال بين الضيف الزائر والكاميرا لأغراض سياسية ملموسة.
الرجل إرتدى الوشاح بوقاحة وكأنه لا يمثل بلدا إستعماريا تحالف قبل سنوات فقط مع النظام السوري عندما قصفا معا الشعب العراقي الشقيق.. فعلها وكان أمريكا لم تهلك للتو ملايين العراقيين أو كأنها لا تدعم كيانا بشعا صهيونيا تسبب أصلا بوجود هذا النمط من الأنظمة العربية على رقابنا.
ماكين تقبل الوشاح أمام كاميرات خمس فضائيات بينها العربية والجزيرة دون حتى كلمة إعتذار يقول فيها للمشردين: عذرا.. لقد دعمنا طوال عقود التعسف والظلم والفساد والقهر في بلادكم ولا زلنا نفعل ذلك لإن أولويتنا إسرائيل ونفطكم وإستقلالكم ومواردكم وكرامتكم.. كانت أولوياتنا ولا زالت.
ماكين برأيي المتواضع غير جدير بهذا الوشاح الشريف الذي يرمز لكرامة المواطن السوري والإنسان العربي وقد وقع صبية في المخيم بالمطب التركي أمام الكاميرات. لكن للتذكير فقط وحتى لا ننسى أو تفرح فضائية دنيا: ثمة مجرم واحد وأصلي وأساسي أنتج هذا المشهد المؤلم.. ليس التاجر التركي الشاطر وليس الأفعى الأمريكية إنه بإختصار من شرد هؤلاء الفتية وفتك بهم وقتل آباءهم ودمر مدنهم وشرد أمهاتهم ودفعهم للإحتفال على أعتاب رقبة ماكين ليس إطلاقا لسبب جوهري من طراز تحرير وتوحيد الأمة ودعم المقاومة أو حماية سوريا ولكن لحماية مجموعة من اللصوص والحرامية والحواة والمنافقين الذين أكلوا الأخضر واليابس ودفعوا شعبنا السوري البطل الطيب للحائط…. بهذا المعنى يصبح من إمتطى رقبة السيناتور الأمريكي لتقليده وشاح الثورة السورية هو حصريا بشار الأسد وألله من وراء القصد.
مدير مكتب ‘القدس العربي’ في عمّان