جزائريون… لكن لا صورة لهم في التلفزيون

حجم الخط
5

عرفت زمنا لم يكن يرد فيه ذكر للمدينة التي أعيش فيها، في التلفزيون، عدا في شهر رمضان. فقد تعود التلفزيون على بث مواقيت الإفطار، فيذكر اسمها على عجل. وعندما نقول على عجل فالأمر لا يتعدى بضع ثوانٍ. ففي تلك السنين، اهتدى التلفزيون إلى حيلة من أجل ملأ ساعات البث. ولأنه كان تلفزيونا وحيدا ويتيما لا تُنافسه قناة خاصة، فقد كان لا يُبادر إلى برامج ولا إلى ابتكار حصص أو فقرات من شأنها أن تفيد الناس، فالقائمون عليه كانوا يعلمون أن السوق لهم وحدهم، وأن المشاهدين لا سلطة لهم في الاحتجاج على المضمون. إذن اهتدوا إلى فكرة تغنيهم عن بث برامج، وهي تخصيص فقرة من يوم رمضان في نشر مواقيت الإفطار في مدن البلاد كلها.
ونظرا إلى شساعة البلاد فقد كانت الفقرة تدوم ساعة، وتتكرر مرتين في اليوم الواحد. عدا ذلك، وطوال السنة لا يرد ذكر للمدينة، وكأن لا وجود لها في الخريطة. لم نكن نعرف ماذا يجري من حولنا، ولا خبر عندما يقع فيضان أو حادث سير. وفي المرات النادرة الأخرى التي تأتي فيها الكاميرا، كان الأمر يتعلق بزيارة واحد من كبار المسؤولين القادم من العاصمة. وليس كل كبار المسؤولين كانت لهم المقدرة على إقناع التلفزيون بمرافقتهم، بالتالي فالأمر كان حكرا على مسؤولين محظوظين، من أصحاب العلاقات والخيوط مع القائمين على حال التلفزيون الوحيد في البلاد.

وإذا حصل وأن ظهرت المدينة في إحدى زيارات مسؤول، يتحول الأمر إلى قضية رأي عام. وسوف يقضي الناس شهرا وهم يتحدثون عن الدقائق المعدودات، التي رأوا فيها مدينتهم على الشاشة. سوف ينشغل الرجال في المقاهي، والنساء في الحمام العام، أو في حفلات الزفاف، بالحديث حصرا عن اليوم الذي بث فيه التلفزيون صورة عن طريق يُجانبهم أو بناية. كانوا يفرحون، ويجعلون من اللحظة محطة كلام أو نقد، بل إنها تبقى في الذاكرة، فنسمع من يقول إنه اشترى مركبة في اليوم الذي بث فيه التلفزيون تقريرا عن المدينة، أو أن ابنه اجتاز امتحانا في ذلك اليوم. كانت هذه اللحظات نادرة، ففي الغالب لم يكن التلفزيون يولي اهتماما إلى ساكنة المدينة، الذين كان عددهم يتجاوز 60 ألف نسمة. فقد كان يسود بينهم شعور بأن التلفزيون خلق من أجل أغراض لا تعنيهم، من أجل أن يعرض صورا عن بلدان بعيدة، يسمعون عنها، لكنهم يعجزون عن التفكير في زيارتها، يعرض أفلاما غربية أو عربية، لكن لا يهمه أن يعرض شريطا عنهم. مع العلم أن الناس كانوا يدفعون اشتراكا للتلفزيون، يُقتطع من فاتورة الكهرباء، ويذهب إلى خزينة هذه المؤسسة الإعلامية، مع ذلك لم يكن لهم الحق في صورة ولا سماع خبر عما يدور من حولهم.

والأمر الآخر الذي أشعر الناس باغتراب عن هذا التلفزيون، أنه كان يضبط برامجه حسب توقيت الجزائر العاصمة، لاسيما في رمضان. فالمسلسلات والفقرات الفكاهية تضبط حسب توقيت العاصمة، وليس حسب توقيت مدن أخرى. وفي رمضان أيضا كان الناس يشعرون بالهوة، فبينما يكونون قد أتموا الإفطار وحلت ساعة العشاء، يكون التلفزيون في العاصمة قد بدأ في بث برامج مسلية، لأن فرق الساعات بين شرق البلاد وغربها، يجعل التلفزيون يختار توقيتا له حسب جمهور عاصمة البلاد. والشيء الطريف الذي ساد في تلك السنين، أن لهجة العاصمة كانت الأكثر حضورا على الشاشة، ما سهل تعلمها على أهالي مناطق أخرى من البلاد، بل من عامة الناس من صار يظن أن لهجة المثقف، لا بد أن تكون مثل لهجة التلفزيون، أي مثل لهجة ساكنة عاصمة البلاد. رغب أهالي المدينة في الظهور في التلفزيون، لكن لم يتح لهم ما يشاؤون. ظلت الشاشة الصغيرة بعيدة عنهم، وغير مبالية بهمومهم، فسكن قلبهم ضجر من المعاملة التي يتعرضون لها. ثم ابتكروا حيلة من شأنها أن تملأ أوقات فراغهم، وتخفف كبتهم، وكذلك توصل صوتهم إلى التلفزيون. حيلة توصلهم إلى التلفزيون وتجعل من صاحبها شهيرا بضعة أيام؛ فبعدما ظهرت برامج جديدة، تتعلق بمسابقات أو ببث أغانٍ، وباتت إدارة التلفزيون تفتح خط الهاتف لمن يود الاتصال قصد المشاركة في الأسئلة والإجابة عنها، أو من أجل اقتراح أغنية ثم إهدائها إلى قريب له، كان أهل المدينة يسارعون في الاتصال. لم يكن الأمر هينا بطبيعة الحال. لأن مناطق أخرى من البلاد كانت محرومة من التلفزيون، وكان رقم الهاتف يكتظ بالمكالمات، ولم يفلح في الاتصال سوى من تسلح بالصبر وتخلى عن القلق.

وعندما ينجح أحدهم في الاتصال بالمذيع فإن أول شيء يتحدث عنه، هو اسم المدينة، ثم يقدم نفسه، يذكر اسمه ومهنته، فيصير شهيرا بين الجيران ورفاقه. لكن هذه الحيلة لم تستمر طويلا، بحكم أن تلك البرامج لم تعمر طويلا. وفي سنوات لاحقة ظن أهل المدينة أن التلفزيون سوف يرأف بحالهم، وسوف يفكر في تخصيص برامج عنهم، لاسيما بعدما بلغ فريق الكرة المحلي مراتب متقدمة من البطولة الوطنية. ظنوا أن الكرة سوف تشفع لهم وأن الكاميرا سوف تزورهم، لكن التلفزيون اكتفى بتغطيات عاجلة، لم تدم أكثر من دقائق معدودات، وحصرا عندما يزور المدينة فريق من عاصمة البلاد. بالتالي أدرك الناس أن حالهم لا يعني الشاشة، بل يعنيها إفادة ساكنة العاصمة بما يحصل في شؤون الكرة. وبعدما تعود الناس على لهجة العاصمة، صاروا مضطرين كذلك إلى التعرف على طبوغرافية العاصمة، فصاروا يعرفون أسماء الشوارع، وأسماء الأمكنة، من كثرة تكرارها في البرامج ونشرات الأخبار، رغم أنهم لم يزوروها من قبل. توالت سنين ثم تنازل الناس عن انتظار حقهم في الظهور في التلفزيون العمومي، ففكروا بالانتقال إلى الجرائد، لعلها ترأف بهم وتنقل صورتهم، لكن هذه الجرائد اهتمت بأخبار بسيطة، مثل ترميم شارع أو تصليح أرصفة، وفي المرة الوحيدة التي تصدرت فيها هذه المدينة الأخبار، وظهر اسمها في الصفحات الأولى، فالأمر كان يتعلق بأحداث شغب عقبت مباراة في كرة القدم، أسفرت عن اضرام نار في سيارات. من يومها قطع الناس الأمل في التلفزيون، مثلما قطعوا الأمل مع الجرائد، لأن الأول يتجاهلهم والثانية لا تظهر صورة لهم سوى في نقل تصرفات خارجة عن المألوف. وحال هذه المدينة لا يختلف عن حال مدن أخرى، فشلت في إيصال صورتها وصوتها إلى التلفزيون الوحيد في البلاد، وتحولت تلك المدن إلى مجرد أسماء، لا نعلم بوجودها، إلا إذا طالعنا خريطة أو سمعنا مواعيد الإفطار في رمضان.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية