جزار‭ ‬المونوريل‭ ‬وصمة‭ ‬في‭ ‬جبين‭ ‬الجمهورية‭ ‬الجديدة‭… ‬ولا‭ ‬مفر‭ ‬من‭ ‬مقاطعة‭ ‬المنتجات‭ ‬السويدية‭ ‬دفاعا‭ ‬عن‭ ‬المصحف

حسام‭ ‬عبد‭ ‬البصير
حجم الخط
0

القاهرة‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭: ‬بين‭ ‬فرح‭ ‬رسمي‭ ‬إثر‭ ‬ما‭ ‬تردد‭ ‬بشأن‭ ‬تمكن‭ ‬الحكومة‭ ‬من‭ ‬جمع‭ ‬ملياري‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بيع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الوحدات،‭ ‬لتسديد‭ ‬أحد‭ ‬أقساط‭ ‬الدين‭ ‬العام،‭ ‬وحزن‭ ‬شعبي‭ ‬للسبب‭ ‬نفسه،‭ ‬اذ‭ ‬يلازم‭ ‬الجماهير‭ ‬يقين‭ ‬بأن‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬قلاعنا‭ ‬الصناعية‭ ‬والتجارية‭ ‬هو‭ ‬الخراب‭ ‬بعينه،‭ ‬أمضى‭ ‬المصريون‭ ‬إجازة‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬بنكهة‭ ‬سياسية‭ ‬إذ‭ ‬فرض‭ ‬الهم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والديون‭ ‬المتراكمة،‭ ‬التي‭ ‬حان‭ ‬سداد‭ ‬كثير‭ ‬منها‭ ‬تباعا،‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬أحاديث‭ ‬المواطنين‭ ‬خلال‭ ‬تجمعاتهم‭ ‬في‭ ‬العيد‭.‬
ومن‭ ‬أخبار‭ ‬الامتحانات‭: ‬تمكن‭ ‬أعضاء‭ ‬فريق‭ ‬مكافحة‭ ‬الغش‭ ‬الإلكتروني‭ ‬من‭ ‬رصد‭ (‬6‭) ‬حالات‭ ‬غش‭ ‬إلكتروني،‭ ‬حالتين‭ ‬أثناء‭ ‬امتحان‭ ‬مادة‭ ‬الفيزياء‭ ‬في‭ ‬محافظتي‭ (‬بورسعيد،‭ ‬وسوهاج‭)‬،‭ ‬و4‭ ‬حالات‭ ‬في‭ ‬امتحان‭ ‬مادة‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬محافظات‭ (‬القاهرة،‭ ‬والبحيرة،‭ ‬والشرقية،‭ ‬وأسيوط‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬ضبط‭ ‬هؤلاء‭ ‬الطلاب‭ ‬لدى‭ ‬قيامهم‭ ‬بالغش‭ ‬باستخدام‭ ‬الهاتف‭ ‬المحمول،‭ ‬وقد‭ ‬تم‭ ‬التحفظ‭ ‬على‭ ‬أجهزة‭ ‬الهواتف‭ ‬المحمولة‭ ‬المستخدمة،‭ ‬وعملت‭ ‬محاضر‭ ‬إثبات‭ ‬حالة‭ ‬بالوقائع‭ ‬المضبوطة‭. ‬ومن‭ ‬مشاكل‭ ‬الاعلاميين‭: ‬أعلنت‭ ‬مجموعة‭ ‬قنوات‭ “‬سي‭ ‬بي‭ ‬سي‭” ‬تحويل‭ ‬المذيعة‭ ‬رضوى‭ ‬الشربيني‭ ‬للتحقيق؛‭ ‬لما‭ ‬بدر‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬الإساءة‭ ‬للرجل،‭ ‬عبر‭ ‬التدوينة‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬نشرتها‭ ‬على‭ ‬حسابها‭ ‬الرسمي‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬التغريدات‭ ‬القصيرة‭ “‬تويتر‭”‬،‭ ‬وكتبت‭ ‬خلالها‭: “‬مش‭ ‬فاهمة‭ ‬ليه‭ ‬البنات‭ ‬ما‭ ‬بتحبش‭ ‬تاكل‭ ‬لحم‭ ‬الخروف‭ ‬بس‭ ‬بتحب‭ ‬ترتبط‭ ‬بيه‭”‬؛‭ ‬مما‭ ‬اعتبره‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭ ‬بأنه‭ ‬إساءة‭ ‬للرجل‭. ‬ومن‭ ‬أخبار‭ ‬القلعة‭ ‬الحمراء‭: ‬يكثف‭ ‬مسؤولو‭ ‬النادي‭ ‬الأهلي‭ ‬مفاوضاتهم‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭ ‬للتعاقد‭ ‬مع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬لاعب‭ ‬في‭ ‬الخط‭ ‬الهجومي‭ ‬في‭ ‬المبركاتو‭ ‬الصيفي‭ ‬الجاري؛‭ ‬لدعم‭ ‬صفوف‭ ‬الفريق‭.. ‬وكشفت‭ ‬تقارير‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬محمود‭ ‬حسن‭ ‬تريزيجيه‭ ‬لاعب‭ ‬فريق‭ ‬طرابزون‭ ‬سبور‭ ‬التركي،‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬النادي‭ ‬الأهلي‭ ‬للانضمام‭ ‬إليه‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الانتقالات‭ ‬الصيفية‭ ‬المقبلة‭. ‬بعدما‭ ‬تعاقد‭ ‬فريقه‭ ‬طرابزون‭ ‬مع‭ ‬ميسلاف‭ ‬أورسيتش‭ ‬لاعب‭ ‬ساوثهامبتون‭ ‬السابق،‭ ‬خلال‭ ‬الميركاتو‭ ‬الصيفي‭ ‬بقيمة‭ ‬4‭ ‬ملايين‭ ‬يورو،‭ ‬ما‭ ‬جعله‭ ‬يقلص‭ ‬فرص‭ ‬المصري‭ ‬تريزيجيه‭ ‬من‭ ‬البقاء‭ ‬مع‭ ‬فريقه‭..‬
من‭ ‬أجل‭ ‬المصحف

شيء‭ ‬وحيد‭ ‬سوف‭ ‬يوقف‭ ‬هذا‭ ‬السخف‭ ‬الذي‭ ‬يتكرر‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬مع‭ ‬المصحف‭ ‬الشريف‭ ‬في‭ ‬السويد،‭ ‬ثم‭ ‬يتكرر‭ ‬في‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬أوروبا‭.. ‬تابع‭ ‬سليمان‭ ‬جودة‭ ‬في‭ “‬المصري‭ ‬اليوم‭”: ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬على‭ ‬الجريمة‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬متطرف‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬السويدية‭ ‬استوكهولم،‭ ‬فأحرق‭ ‬صفحات‭ ‬من‭ ‬المصحف‭ ‬أمام‭ ‬أكبر‭ ‬مساجدها،‭ ‬كانت‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬مختلفة‭ ‬ومتنوعة،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬اختلافها‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬يدعونا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ننتبه‭ ‬إليه‭. ‬تباينت‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬واختلفت،‭ ‬فقرأنا‭ ‬عن‭ ‬إدانات‭ ‬تخرج‭ ‬عن‭ ‬وزارات‭ ‬الخارجية‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬وكانت‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬المقدمة‭ ‬عندما‭ ‬أصدرت‭ ‬بيانا‭ ‬شديدا،‭ ‬وعندما‭ ‬حذر‭ ‬بيانها‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬السويد‭ ‬من‭ ‬عواقب‭ ‬ارتكاب‭ ‬وتكرار‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭.. ‬وقرأنا‭ ‬عن‭ ‬بيان‭ ‬شديد‭ ‬اللهجة‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬اتحاد‭ ‬الناشرين‭ ‬العرب‭.. ‬وسمعنا‭ ‬عن‭ ‬احتجاجات‭ ‬جماهيرية‭ ‬غاضبة‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وعن‭ ‬اقتحام‭ ‬مقر‭ ‬السفارة‭ ‬السويدية‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬بغداد،‭ ‬وعن‭ ‬غضب‭ ‬متصاعد‭ ‬في‭ ‬عواصم‭ ‬أخرى‭ ‬بخلاف‭ ‬عاصمة‭ ‬الرشيد‭. ‬وتابعنا‭ ‬استدعاء‭ ‬عاصمة‭ ‬عربية‭ ‬سفيرها‭ ‬من‭ ‬السويد،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬الإجراء‭ ‬من‭ ‬جانبها‭ ‬أقوى‭ ‬طبعا‭ ‬من‭ ‬الإدانات،‭ ‬ومن‭ ‬بيانات‭ ‬الشجب‭ ‬والرفض،‭ ‬ليس‭ ‬أبدا‭ ‬لأن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإدانات‭ ‬والبيانات‭ ‬بلا‭ ‬قيمة،‭ ‬ولكن‭ ‬لأن‭ ‬التجربة‭ ‬تقول‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬تكرار‭ ‬الإدانات‭ ‬وبيانات‭ ‬الشجب‭ ‬والرفض‭ ‬لا‭ ‬يوقف‭ ‬تكرار‭ ‬الجريمة‭ ‬التي‭ ‬تتواصل‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬القرآن‭ ‬دون‭ ‬رادع‭.. ‬والأهم‭ ‬أنها‭ ‬تتواصل‭ ‬دون‭ ‬سبب‭ ‬ظاهر،‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬أن‭ ‬أساءت‭ ‬أي‭ ‬حكومة‭ ‬عربية‭ ‬أو‭ ‬إسلامية‭ ‬إلى‭ ‬الحكومة‭ ‬السويدية‭ ‬مثلا،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬شعب‭ ‬السويد‭ ‬في‭ ‬العموم‭.‬

انصتوا‭ ‬له

والشيء‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يقصده‭ ‬ويصر‭ ‬عليه‭ ‬سليمان‭ ‬جودة‭ ‬بشأن‭ ‬منع‭ ‬أي‭ ‬إهانة‭ ‬لكتاب‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬الإمام‭ ‬الأكبر‭ ‬الدكتور‭ ‬أحمد‭ ‬الطيب،‭ ‬عندما‭ ‬خرج‭ ‬معلقا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬السويد‭ ‬عند‭ ‬لحظته‭ ‬الأولى،‭ ‬فدعا‭ ‬إلى‭ ‬مقاطعة‭ ‬أي‭ ‬سلعة‭ ‬سويدية‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬كل‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭. ‬هذا‭ ‬وحده‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬سوف‭ ‬يوقف‭ ‬الجرائم‭ ‬المتكررة‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬كل‭ ‬مسلم،‭ ‬لأن‭ ‬المقاطعة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬موجعة‭ ‬ومؤثرة،‭ ‬لأنها‭ ‬ليست‭ ‬بيانات‭ ‬شجب،‭ ‬أو‭ ‬رفض،‭ ‬أو‭ ‬استنكار،‭ ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬حتى‭ ‬استدعاء‭ ‬للسفراء،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬يصل‭ ‬أثره‭ ‬إلى‭ ‬الحكومات‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬مواطنيها‭ ‬ورعاياها‭ ‬بالدرجة‭ ‬ذاتها‭. ‬كل‭ ‬حكومة‭ ‬عربية‭ ‬مدعوة‭ ‬إلى‭ ‬الإنصات‭ ‬لدعوة‭ ‬شيخ‭ ‬الأزهر،‭ ‬وكل‭ ‬حكومة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬إسلامية‭ ‬مدعوة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تسمع‭ ‬من‭ ‬الرجل،‭ ‬لا‭ ‬لشيء،‭ ‬إلا‭ ‬لأنه‭ ‬يتكلم‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬من‭ ‬الموضوع،‭ ‬ولا‭ ‬يضيع‭ ‬وقته‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يجدي‭ ‬ولا‭ ‬يفيد‭. ‬وليس‭ ‬أغرب‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الشاب‭ ‬سلوان‭ ‬موميكا‭ ‬الذي‭ ‬أحرق‭ ‬المصحف،‭ ‬قد‭ ‬عاد‭ ‬ليقول‭ ‬إنه‭ ‬سيكرر‭ ‬فعلته‭ ‬بعد‭ ‬عشرة‭ ‬أيام،‭ ‬رغم‭ ‬التهديدات‭ ‬التي‭ ‬وصلته،‭ ‬ورغم‭ ‬ردود‭ ‬الفعل،‭ ‬وهذا‭ ‬معناه‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الردود‭ ‬والتهديدات‭ ‬لم‭ ‬تقنعه‭ ‬بخطورة‭ ‬ما‭ ‬فعل‭.. ‬ولكن‭ ‬حكومته‭ ‬سوف‭ ‬تسكته‭ ‬وتضعه‭ ‬حيث‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يوضع،‭ ‬إذا‭ ‬أحست‭ ‬بمقاطعة‭ ‬حقيقية‭ ‬لمنتجاتها‭ ‬في‭ ‬أسواقنا‭.‬

الكذب‭ ‬غير‭ ‬مجد

هناك‭ ‬حالات‭ ‬من‭ ‬الغموض‭ ‬وعدم‭ ‬الوضوح‭ ‬انتبه‭ ‬لها‭ ‬فاروق‭ ‬جويدة‭ ‬في‭ “‬الأهرام‭” ‬تحيط‭ ‬بأحداث‭ ‬كثيرة‭ ‬نشاهدها‭ ‬ونسمع‭ ‬عنها‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬ابتداء‭ ‬بالحوادث‭ ‬وانتهاء‭ ‬بما‭ ‬يجري‭ ‬حولنا،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬كشف‭ ‬الحقائق‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬المدن‭ ‬المفتوحة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يخفي‭ ‬أسرارا،‭ ‬وأبسط‭ ‬الأشياء‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬قرار‭ ‬بحظر‭ ‬النشر‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الفضائيات‭ ‬ومواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لا‭ ‬تخفي‭ ‬الآن‭ ‬سرا‭.. ‬هناك‭ ‬حوادث‭ ‬كثيرة‭ ‬سقط‭ ‬فيها‭ ‬عشرات‭ ‬الضحايا‭ ‬ولم‭ ‬يعرف‭ ‬أحد‭ ‬أسبابها‭ ‬ومنها‭ ‬حوادث‭ ‬القطارات‭ ‬والطرق‭ ‬السريعة‭.. ‬وهناك‭ ‬قصص‭ ‬كثيرة‭ ‬عما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬نقابة‭ ‬المهندسين‭.. ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الخارجي‭ ‬فإن‭ ‬الموقف‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬يتسم‭ ‬بالغموض،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬الصراع‭ ‬تزداد‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬ولا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬الحقائق‭ ‬يخدم‭ ‬أحدا‭.. ‬وما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬يهم‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬سد‭ ‬النهضة‭ ‬وما‭ ‬يجري‭ ‬هناك‭ ‬يمثل‭ ‬لغزا‭.. ‬هناك‭ ‬أحداث‭ ‬لاقت‭ ‬رواجا‭ ‬كبيرا،‭ ‬مثل‭ ‬الانتخابات‭ ‬التركية‭ ‬وفوز‭ ‬الرئيس‭ ‬الطيب‭ ‬أردوغان،‭ ‬وهناك‭ ‬مباراة‭ ‬الأهلي‭ ‬والوداد‭ ‬وهناك‭ ‬زواج‭ ‬الفنانين‭ ‬وطلاقهم،‭ ‬وهناك‭ ‬تعيين‭ ‬آلاف‭ ‬المدرسين‭ ‬والسحابة‭ ‬السوداء‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬سماء‭ ‬مصر‭.. ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬أحداث‭ ‬يومية‭ ‬غابت‭ ‬الحقيقة‭ ‬عن‭ ‬بعضها‭ ‬ولكن‭ ‬بقيت‭ ‬أحداث‭ ‬أخرى‭ ‬اتسمت‭ ‬بالغموض‭.. ‬وفي‭ ‬عصر‭ ‬يطارد‭ ‬الإنسان‭ ‬فيه‭ ‬بفيضان‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬والأخبار‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الحقيقة‭ ‬والمصداقية‭ ‬مسؤولية‭ ‬تراعى‭ ‬حق‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬ولا‭ ‬يخفى‭ ‬عليه‭ ‬شيء،‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬يغيب‭ ‬في‭ ‬وطنه‭ ‬اليوم‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬حديث‭ ‬العالم‭ ‬غدا‭.. ‬في‭ ‬عصر‭ ‬أصبح‭ ‬العالم‭ ‬فيه‭ ‬قرية‭ ‬صغيرة‭ ‬وأصبح‭ ‬حق‭ ‬المعرفة‭ ‬من‭ ‬أولويات‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬يصبح‭ ‬الغموض‭ ‬عودة‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬قديم‭ ‬العالم‭ ‬يرفضه‭.‬

هل‭ ‬اهتز‭ ‬الجبل؟

‭”‬يا‭ ‬جبل‭ ‬ما‭ ‬يهزك‭ ‬ريح‭” ‬كان‭ ‬يرددها‭ ‬دائما‭ ‬الزعيم‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الراحل‭ ‬ياسر‭ ‬عرفات،‭ ‬إيمانا‭ ‬منه‭ ‬كما‭ ‬ترى‭ ‬جيهان‭ ‬فوزي‭ ‬في‭ “‬الوطن‭” ‬بأن‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بتعقيداتها‭ ‬الجسيمة‭ ‬ستنتصر‭ ‬يوما‭ ‬ما،‭ ‬بإرادة‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬الجبار،‭ “‬شعب‭ ‬الجبارين‭” ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يقول،‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الوحدة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الملتفة‭ ‬حول‭ ‬عقيدة‭ ‬المقاومة‭ ‬حتى‭ ‬نيل‭ ‬الحرية‭ ‬والاستقلال‭ ‬هي‭ ‬الأصل،‭ ‬وما‭ ‬دون‭ ‬ذلك‭ ‬غبار‭ ‬تذروه‭ ‬الرياح‭ ‬وهو‭ ‬إلى‭ ‬زوال،‭ ‬كان‭ ‬رمانة‭ ‬الميزان‭ ‬بين‭ ‬خلافات‭ ‬الفصائل‭ ‬السياسية‭ ‬والعقائدية،‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يعدل‭ ‬الكفتين‭ ‬ويوازن‭ ‬بين‭ ‬السياسي‭ ‬والعقائدي،‭ ‬لذا‭ ‬استحق‭ ‬لقب‭ ‬الرمز‭ ‬بامتياز،‭ ‬وكاريزما‭ ‬لن‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬النضال‭ ‬الفلسطيني‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬قررت‭ ‬إسرائيل‭ ‬الخلاص‭ ‬منه،‭ ‬واعتبرت‭ ‬أن‭ ‬زمنه‭ ‬انتهى،‭ ‬وآن‭ ‬له‭ ‬الرحيل‭. ‬وبعد‭ ‬عشرين‭ ‬عاما‭ ‬على‭ ‬خلافته‭ ‬ها‭ ‬هو‭ ‬المشهد‭ ‬يتكرر‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬الحالي‭ ‬للسلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الرئيس‭ ‬محمود‭ ‬عباس،‭ ‬فإسرائيل‭ ‬تستعد‭ ‬لمرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬رئيس‭ ‬السلطة‭ ‬أبو‭ ‬مازن‭. ‬فخلال‭ ‬جلسة‭ ‬مغلقة‭ ‬عقدت‭ ‬في‭ ‬لجنة‭ ‬الشؤون‭ ‬الخارجية‭ ‬والأمن‭ ‬في‭ ‬الكنيست‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سأله‭ ‬أعضاء‭ ‬الكنيست‭ ‬في‭ ‬اللجنة‭ ‬حول‭ ‬علاقات‭ ‬إسرائيل‭ ‬مع‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينة،‭ ‬كان‭ ‬رد‭ ‬نتنياهو‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭: “‬نستعد‭ ‬لليوم‭ ‬التالي‭ ‬لأبو‭ ‬مازن‭.. ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬للسلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ولا‭ ‬يمكننا‭ ‬السماح‭ ‬لها‭ ‬بالانهيار‭. ‬كما‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نريدها‭ ‬أن‭ ‬تنهار‭. ‬إسرائيل‭ ‬تريد‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بمقاييسها‭ ‬وبما‭ ‬يخدم‭ ‬مصالحها‭ ‬ومشاريعها،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬مجرد‭ “‬وكيل‭ ‬إسرائيلي‭”‬،‭ ‬بينما‭ ‬طموح‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬إقامة‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وانهاء‭ ‬الاحتلال،‭ ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬الحسبان‭ ‬ويجب‭ ‬قمعه‭.‬

رحيله‭ ‬مشكلة

تزايد‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬حول‭ ‬وضع‭ ‬رئيس‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬البالغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬87‭ ‬عاما،‭ ‬خاصة،‭ ‬كما‭ ‬ترى‭ ‬جيهان‭ ‬فوزي‭ ‬بعد‭ ‬تصاعد‭ ‬موجة‭ ‬المقاومة‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وزيادة‭ ‬وتيرة‭ ‬عملياتها،‭ ‬وقد‭ ‬أصبح‭ ‬احتمال‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬سلام‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬المفاوضات‭ ‬أصعب‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬فقد‭ ‬تجلى‭ ‬بوضوح‭ ‬مدى‭ ‬هشاشة‭ ‬الوضع‭ ‬الأمني‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وقدرة‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬الأوضاع‭ ‬الأمنية،‭ ‬وسيطرتها‭ ‬على‭ ‬المقاومة‭ ‬المسلحة،‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬المضطربة‭ ‬مثل‭ ‬نابلس‭ ‬وجنين،‭ ‬والآن‭ ‬رام‭ ‬الله‭ ‬التي‭ ‬يوجد‭ ‬فيها‭ ‬مقر‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬فيما‭ ‬يستمر‭ ‬بناء‭ ‬وتوسيع‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬المستوطنات،‭ ‬التى‭ ‬تقضي‭ ‬على‭ ‬آخر‭ ‬أمل‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬دولتهم‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬احتلتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬عام‭ ‬1967‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬شعبية‭ ‬هذه‭ ‬السلطة‭ ‬تترنح‭ ‬بفعل‭ ‬مزاعم‭ ‬الفساد‭ ‬وعدم‭ ‬الكفاءة‭ ‬وترتيبات‭ ‬التعاون‭ ‬الأمن‭ ‬المكروهة‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬بين‭ ‬فئات‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطين،‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭. ‬لقد‭ ‬عبرت‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬عن‭ ‬ضعفها‭ ‬وعجزها‭ ‬بوضوح‭ ‬تام،‭ ‬بعد‭ ‬كلمة‭ ‬مضطربة‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي،‭ ‬طالب‭ ‬فيها‭ ‬الرئيس‭ ‬عباس‭ ‬العالم‭ ‬مرات‭ ‬بحماية‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬قائلا،‭ “‬احمونا‭.. ‬احمونا‭”. ‬وانطلقت‭ ‬السخريات‭ ‬على‭ ‬منصة‭ “‬تيك‭ ‬توك‭”‬،‭ ‬وتناولت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الموضوع‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬هذا‭ ‬الأسبوع‭ ‬حين‭ ‬وقفت‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬التي‭ ‬تمارس‭ ‬حكما‭ ‬ذاتيا‭ ‬محدودا،‭ ‬بلا‭ ‬حول‭ ‬ولا‭ ‬قوة،‭ ‬أمام‭ ‬هجوم‭ ‬المستوطنين‭ ‬اليهود‭ ‬على‭ ‬القرى‭ ‬الفلسطينية‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬المطالبين‭ ‬برحيل‭ ‬الرئيس‭ ‬عباس‭ ‬عن‭ ‬السلطة‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬80%،‭ ‬لكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬رحيله‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬الحرجة‭ ‬غير‭ ‬المستقرة،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬وجود‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬القيادات‭ ‬على‭ ‬خلافته،‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬اضطراب‭ ‬وفوضى‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬برمته‭. ‬ولا‭ ‬يخفى‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬رغم‭ ‬سرية‭ ‬الأمر‭ ‬فإن‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬خلافة‭ ‬الرئيس‭ ‬محمود‭ ‬عباس،‭ ‬بات‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬الغرف‭ ‬المغلقة‭ ‬بشكل‭ ‬ملح،‭ ‬حيث‭ ‬تتنافس‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬قادة‭ ‬فتح‭ ‬على‭ ‬المنصب‭ ‬منذ‭ ‬شهور،‭ ‬في‭ ‬مناورات‭ ‬تجري‭ ‬في‭ ‬الكواليس،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬ستتوقف‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ترغب‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬قبوله‭.‬

كي‭ ‬تنسى‭ ‬فلسطين

ظهر‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1992‭ ‬مصطلح‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬اطلع‭ ‬عليه‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬عبدالمنعم‭ ‬الشاذلي‭ ‬في‭ “‬الشروق‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬كلمة‭ ‬Agnotology‭ ‬صاغه‭ ‬الباحث‭ ‬الأيرلندي‭ ‬Ian‭ ‬Boal‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بيركلي‭ ‬الأمريكية‭ ‬وعرّفه‭ ‬بأنه‭ ‬العلم‭ ‬الذي‭ ‬يبحث‭ ‬في‭ ‬جهد‭ ‬المجتمع‭ ‬لترويج‭ ‬الجهل‭ ‬والشك‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬طرح‭ ‬معلومات‭ ‬مغلوطة‭ ‬وغير‭ ‬دقيقة‭ ‬على‭ ‬الجمهور،‭ ‬كما‭ ‬يدرس‭ ‬أساليب‭ ‬نشر‭ ‬الجهل‭ ‬والشك‭ ‬واستخدام‭ ‬ذلك‭ ‬كأداة‭ ‬سياسية،‭ ‬واشتق‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح،‭ ‬من‭ ‬الكلمة‭ ‬اليونانية‭ ‬القديمة‭ ‬Agnosis‭ ‬أي‭ ‬عدم‭ ‬العلم‭. ‬وأحيا‭ ‬عالم‭ ‬الأحياء‭ ‬والفيلسوف‭ ‬البريطاني‭ ‬توماس‭ ‬هكسلي‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1869‭ ‬عندما‭ ‬طرح‭ ‬كلمة‭ ‬Agnostic‭ ‬كموقف‭ ‬بين‭ ‬الإيمان‭ ‬بالله‭ ‬والإلحاد‭ ‬لمن‭ ‬يظن‭ ‬أنه‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التأكد‭ ‬منه‭ ‬أو‭ ‬معرفته‭. ‬وقد‭ ‬استخدم‭ ‬هذا‭ ‬العلم‭ ‬بشكل‭ ‬خبيث‭ ‬لتضليل‭ ‬الشعوب‭ ‬وإخفاء‭ ‬الحقيقة،‭ ‬واستخدم‭ ‬لترويج‭ ‬مقولة‭ ‬عبء‭ ‬الرجل‭ ‬الأبيض‭ ‬White‭ ‬Man’s‭ ‬Burden‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬استعمار‭ ‬أوروبا‭ ‬لافريقيا‭ ‬وآسيا‭ ‬وإخفاء‭ ‬الفظائع‭ ‬التي‭ ‬ارتكبت،‭ ‬ومنها‭ ‬المذابح‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬ملك‭ ‬بلجيكا‭ ‬ليوبولد‭ ‬الثاني‭ ‬ملك‭ ‬بلجيكا‭ ‬في‭ ‬الكونغو،‭ ‬وما‭ ‬ارتكبه‭ ‬الرجل‭ ‬الأبيض‭ ‬من‭ ‬فظائع‭ ‬في‭ ‬الأمريكتين‭ ‬وأستراليا‭ ‬والهند‭ ‬وآسيا،‭ ‬وتجارة‭ ‬العبيد‭ ‬عبر‭ ‬الأطلنطي،‭ ‬وما‭ ‬أغفلته‭ ‬أدبيات‭ ‬التاريخ‭ ‬والإعلام‭ ‬والدراما‭ ‬للحلفاء‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬ارتكبوها‭. ‬كذلك‭ ‬تسليط‭ ‬الأضواء‭ ‬على‭ ‬جرائم‭ ‬المحور‭ ‬أثناء‭ ‬الحربين‭ ‬العالميتين،‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬جرائم‭ ‬مروعة‭ ‬لكنها‭ ‬تغفل‭ ‬ما‭ ‬ارتكبه‭ ‬الحلفاء‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬لعلها‭ ‬أفدح،‭ ‬منها‭ ‬قصف‭ ‬هيروشيما‭ ‬ونجازاكي‭ ‬بالقنابل‭ ‬الذرية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬قصف‭ ‬طوكيو‭ ‬ودرسدن‭ ‬وهامبورج‭ ‬بالقنابل‭ ‬التي‭ ‬حصدت‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المدنين‭ ‬العزل‭. ‬أيضا‭ ‬تكثيف‭ ‬عرض‭ ‬وقائع‭ ‬المحرقة‭ ‬التي‭ ‬تعرض‭ ‬لها‭ ‬يهود‭ ‬أوروبا‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الحكم‭ ‬النازي،‭ ‬ومنع‭ ‬أي‭ ‬مناقشة‭ ‬موضوعية‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬أبعادها‭ ‬الحقيقية،‭ ‬مع‭ ‬التعتيم‭ ‬التام‭ ‬على‭ ‬نكبة‭ ‬شعب‭ ‬فلسطين‭ ‬وما‭ ‬تعرض‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬تهجير‭ ‬وقهر‭ ‬واضطهاد‭.‬

التفاهة‭ ‬بالأمر

فى‭ ‬سنة‭ ‬2001‭ ‬نشر‭ ‬الكاتب‭ ‬الكندي‭ ‬Alain‭ ‬Denault‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬مقاطعة‭ ‬كويبك‭ ‬الناطقة‭ ‬بالفرنسية‭ ‬كتاب‭ ‬Noir‭ ‬Canada‭ ‬ــpillage‭ ‬corruption‭ ‬et‭ ‬Criminalite‭ ‬En‭ ‬Afrique‭ ‬‮«‬كندا‭ ‬السودا‭ ‬ــ‭ ‬النهب‭ ‬والفساد‭ ‬والإجرام‭ ‬في‭ ‬افريقيا‮»‬‭. ‬يوضح‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬اطلع‭ ‬عليه‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬عبدالمنعم‭ ‬الشاذلي،‭ ‬ممارسات‭ ‬كندا‭ ‬وهي‭ ‬ليست‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الإمبريالية‭ ‬التقليدية‭ ‬مثل‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬وبلجيكا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬واليابان،‭ ‬ولكن‭ ‬الكتاب‭ ‬فتح‭ ‬صفحات‭ ‬مغلقة‭ ‬ساعد‭ ‬في‭ ‬إغلاقها‭ ‬ثقافة‭ ‬الـ‭ ‬Agnotology‭ ‬ونشر‭ ‬الجهل‭ ‬عن‭ ‬النهب‭ ‬والاستغلال،‭ ‬الذي‭ ‬مارسته‭ ‬شركات‭ ‬التعدين‭ ‬الكندية‭ ‬في‭ ‬افريقيا‭ ‬وكيف‭ ‬ساهمت‭ ‬الرشى‭ ‬في‭ ‬إفساد‭ ‬المسؤولين‭ ‬الأفارقة،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬شهادة‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬سياسة‭ ‬نشر‭ ‬الجهل‭ ‬والشك،‭ ‬وكيف‭ ‬تعمد‭ ‬الكيانات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والشركات‭ ‬العملاقة‭ ‬على‭ ‬إخفاء‭ ‬الجانب‭ ‬المظلم‭ ‬من‭ ‬نشاطها‭. ‬وهناك‭ ‬تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬لهذه‭ ‬الممارسات،‭ ‬ففي‭ ‬القرن‭ ‬الـ19‭ ‬عندما‭ ‬بدأ‭ ‬بعض‭ ‬العلماء‭ ‬يحذرون‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬قطع‭ ‬الأشجار‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬الشمالية‭ ‬لصالح‭ ‬صناعات‭ ‬بناء‭ ‬السفن‭ ‬وبناء‭ ‬المنازل،‭ ‬شنت‭ ‬شركات‭ ‬الأخشاب‭ ‬حملات‭ ‬صحافية‭ ‬وسياسية‭ ‬تروج‭ ‬بأن‭ ‬الغابات‭ ‬هي‭ ‬سبب‭ ‬الأمراض‭ ‬وتخرج‭ ‬منها‭ ‬الحشرات‭ ‬والآفات‭ ‬المدمرة‭ ‬للصحة‭ ‬والمحاصيل‭ ‬الزراعية‭. ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬هذه‭ ‬الحملات‭ ‬مستمرة‭ ‬بعد‭ ‬قرابة‭ ‬المئتي‭ ‬عام‭ ‬للتجهيل‭ ‬والتقديم‭ ‬على‭ ‬أنشطة‭ ‬قطع‭ ‬الأشجار‭ ‬في‭ ‬حوض‭ ‬الأمازون‭ ‬وفي‭ ‬افريقيا‭ ‬لصالح‭ ‬الزراعة‭ ‬والرعي‭ ‬وبناء‭ ‬المدن‭ ‬بشكل‭ ‬يهدد‭ ‬التوازن‭ ‬البيئي‭. ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬أنفقت‭ ‬شركات‭ ‬السجائر‭ ‬والدخان‭ ‬مئات‭ ‬الملايين،‭ ‬بل‭ ‬البلايين‭ ‬لتجهيل‭ ‬الجمهور‭ ‬بالمضار‭ ‬الصحية‭ ‬للتدخين‭.‬

منهوب‭ ‬من‭ ‬يومه

نهب‭ ‬ثروات‭ ‬الدول‭ ‬يبدأ‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يرى‭ ‬طارق‭ ‬عباس‭ ‬في‭ “‬المصري‭ ‬اليوم‭” ‬من‭ ‬سرقة‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها،‭ ‬ونشر‭ ‬الفتن‭ ‬والصراعات‭ ‬في‭ ‬ربوعها،‭ ‬وتوسيع‭ ‬هوة‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬أهلها،‭ ‬والسودان‭ ‬المتنوعة‭ ‬تضاريسه‭ ‬وجغرافيته،‭ ‬العظيمة‭ ‬موارده‭ ‬وثرواته،‭ ‬كان‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬ميدانا‭ ‬تتنافس‭ ‬فوقه‭ ‬الدول‭ ‬المستعمرة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬نهب‭ ‬خيراته‭ ‬الظاهرة‭ ‬والباطنة،‭ ‬سواء‭ ‬بالتدخل‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية،‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬عملاء‭ ‬ووكلاء‭ ‬قد‭ ‬يكونون‭ ‬سودانيين‭ ‬بالاسم،‭ ‬لكنهم‭ ‬بالفعل‭ ‬انتهازيون‭ ‬مستعدون‭ ‬لبيع‭ ‬أنفسهم‭ ‬وبلدهم‭ ‬بأثمان‭ ‬زهيدة،‭ ‬لتربح‭ ‬الدول‭ ‬الاستعمارية‭ ‬المليارات،‭ ‬كي‭ ‬يبقى‭ ‬لأهل‭ ‬السودان‭ ‬الفتات‭. ‬إن‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬أبريل‭/‬نيسان‭ ‬الماضي،‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬تتويج‭ ‬لفوضى‭ ‬مصنوعة‭ ‬وأمن‭ ‬مفقود‭ ‬واستقرار‭ ‬غائب،‭ ‬ظهرت‭ ‬ألسنته‭ – ‬في‭ ‬السابق‭ – ‬لتحرق‭ ‬دارفور‭ ‬وتقسم‭ ‬السودان‭ ‬‮«‬شمالي‭ ‬وجنوبي‮»‬‭ ‬وتحول‭ ‬الخرطوم‭ ‬مؤخرا‭ ‬إلى‭ ‬فرع‭ ‬من‭ ‬فروع‭ ‬جهنم،‭ ‬ورغم‭ ‬النداءات‭ ‬الدولية‭ ‬الظاهرة‭ ‬بالاتفاق‭ ‬على‭ ‬هدن‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬المتناحرة،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬فائدة‭ ‬ولا‭ ‬صوت‭ ‬يعلو‭ ‬فوق‭ ‬صوت‭ ‬طلقات‭ ‬الرصاص،‭ ‬لذلك‭ ‬تتسع‭ ‬دائرة‭ ‬الحرب‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬أكثر‭ ‬وأكثر،‭ ‬وتزداد‭ ‬أطرافها‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عجلة‭ ‬الحرب‭ ‬هذه‭ ‬لا‭ ‬يُتَوقع‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تقف‭ ‬قريبا،‭ ‬تحت‭ ‬عناية‭ ‬ورعاية‭ ‬المستفيدين‭ ‬من‭ ‬التدهور‭ ‬الأمني‭ ‬الحاصل،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬صرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬عمليات‭ ‬التهريب‭ ‬والتخريب،‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬تحت‭ ‬أزيز‭ ‬الطائرات‭ ‬وأصوات‭ ‬المدافع‭ ‬والبنادق‭ ‬لإفساح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬الدول‭ ‬الاستعمارية‭ ‬كى‭ ‬تعمق‭ ‬الانقسامات‭ ‬والصراعات‭ ‬وتفوز‭ ‬بالمكاسب‭ ‬المأمولة‭. ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬مستقبلا‭ ‬إلا‭ ‬للطاقة‭ ‬النووية‭ ‬فمن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تسعى‭ ‬لتوفير‭ ‬اليورانيوم،‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬السودان‭ ‬توفيرا‭ ‬لهذا‭ ‬اليورانيوم،‭ ‬إذ‭ ‬يمتلك‭ ‬منه‭ ‬نصيبا‭ ‬ليس‭ ‬بالقليل،‭ ‬فيحتل‭ ‬المركز‭ ‬الثالث‭ ‬عالميا‭ ‬من‭ ‬احتياطي‭ ‬اليورانيوم،‭ ‬وبحسب‭ ‬التقديرات‭ ‬مليون‭ ‬ونصف‭ ‬مليون‭ ‬طن،‭ ‬وفى‭ ‬معرض‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬غنى‭ ‬السودان‭ ‬باليورانيوم،‭ ‬قال‭ ‬مدير‭ ‬الأبحاث‭ ‬الجيولوجية‭ ‬التابع‭ ‬لوزارة‭ ‬المعادن‭ ‬السودانية‭ ‬محمد‭ ‬أبو‭ ‬فاطمة،‭ ‬إن‭ ‬السودان‭ ‬غني‭ ‬باليورانيوم‭ ‬الموجود‭ ‬بوفرة‭ ‬في‭: ‬‮«‬جبال‭ ‬النوبة‭ ‬وشمال‭ ‬كوردفان‭ ‬وغرب‭ ‬دارفور‭ ‬وبيوضة‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬نهر‭ ‬النيل‭ ‬والبطانة‭ ‬وجبال‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‮»‬،‭ ‬ويتميز‭ ‬اليورانيوم‭ ‬المستخرج‭ ‬من‭ ‬السودان‭ ‬بأنه‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬العالي‭ ‬النقاوة‭.‬

ذهب‭ ‬ويورانيوم

بالإضافة‭ ‬لليورانيوم‭ ‬يأتي‭ ‬الذهب،‭ ‬الذي‭ ‬تمتلك‭ ‬منه‭ ‬السودان،‭ ‬كما‭ ‬أكد‭ ‬طارق‭ ‬عباس‭ ‬ثروة‭ ‬ضخمة‭ ‬جعلته‭ ‬يحتل‭ ‬المركز‭ ‬الثالث‭ ‬عشر‭ ‬عالميا‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الذهب،‭ ‬والمركز‭ ‬الثالث‭ ‬افريقيا‭ ‬بعد‭ ‬غانا‭ ‬وجنوب‭ ‬السودان،‭ ‬وجملة‭ ‬ما‭ ‬ينتجه‭ ‬السودان‭ ‬سنويا‭ ‬حوالى‭ ‬‮«‬79‮»‬‭ ‬طنا،‭ ‬بينما‭ ‬الاحتياطي‭ ‬منه‭ ‬قد‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬‮«‬1550‮»‬‭ ‬طنا‭ ‬ويُعتبَر‭ ‬الذهب‭ ‬أهم‭ ‬مصادر‭ ‬توفير‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬كما‭ ‬يلعب‭ ‬دورا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬السلطة،‭ ‬حيث‭ ‬يشكل‭ ‬مصدرا‭ ‬ماليا‭ ‬مهما‭ ‬لقوات‭ ‬الدعم‭ ‬السريع،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬كونه‭ ‬محط‭ ‬أنظار‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬تعزز‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬للسودان‭. ‬أما‭ ‬البترول‭ ‬والغاز‭ ‬فهما‭ ‬موجودان‭ ‬بوفرة‭ ‬تسمح‭ ‬بالتصدير،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬الثروة‭ ‬الزراعية‭ ‬الهائلة‭ ‬التي‭ ‬أتاحتها‭ ‬الأراضي‭ ‬الشاسعة‭ ‬الصالحة‭ ‬للزراعة‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬‮«‬50‮»‬‭ ‬مليون‭ ‬فدان‭ ‬سمحت‭ ‬بوجود‭ ‬مراع‭ ‬ممتدة‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬تغذي‭ ‬العالم‭ ‬باللحوم‭ ‬والألبان‭ ‬والأجبان،‭ ‬هذا‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬النحاس‭ ‬والحديد‭ ‬والفضة‭ ‬والزنك‭ ‬والرمال‭ ‬السوداء‭ ‬والجبس‭ ‬والعقيق‭ ‬والملح‭ ‬وسلكات‭ ‬الألومونيوم‭ ‬والمنغنيز‭ ‬والرخام‭ ‬والمايكا‭ ‬والكبريت،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الخيرات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُعَد‭ ‬ولا‭ ‬تُحصى‭. ‬بسبب‭ ‬هذه‭ ‬النعم‭ – ‬وللأسف‭ ‬الشديد‭- ‬تحول‭ ‬السودان‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬غني‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬فقير،‭ ‬لأنه‭ ‬يُنهَب‭ ‬ويُسلَب‭ ‬ويُسرَق‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬تريده‭ ‬مخزنا‭ ‬للموارد‭ ‬التي‭ ‬تطمح‭ ‬للحصول‭ ‬عليها،‭ ‬تريده‭ ‬بلدا‭ ‬مملوكا‭ ‬لا‭ ‬يملك،‭ ‬مقهورا‭ ‬لا‭ ‬يقدر،‭ ‬الخير‭ ‬فيه‭ ‬لغير‭ ‬أهله،‭ ‬والحكم‭ ‬فيه‭ ‬ممزق‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬هُم‭ ‬على‭ ‬حق،‭ ‬ومن‭ ‬يريدون‭ ‬اغتصاب‭ ‬الحق‭. ‬ولأن‭ ‬الفساد‭ ‬ضرب‭ ‬كل‭ ‬مفاصل‭ ‬الدولة‭ ‬السودانية،‭ ‬غابت‭ ‬التشريعات‭ ‬والقوانين‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬تم‭ ‬تهميشها‭ ‬حماية‭ ‬للمصالح‭ ‬الشخصية‭ ‬قبل‭ ‬العامة،‭ ‬وهي‭ ‬دولة‭ ‬قابلة‭ ‬للهضم‭ ‬بسهولة‭ ‬وصالحة‭ ‬للتفتت‭ ‬والتفكك‭ ‬والانهيار،‭ ‬ولا‭ ‬غرابة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬منهوكة‭ ‬ومنهوبة‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬جنيه‭ ‬في‭ ‬جيوب‭ ‬السودانيين‭.‬
بوتين‭ ‬يربح

يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬روسيا‭ ‬بأنه‭ ‬تمرد،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يرى‭ ‬الدكتور‭ ‬مصطفى‭ ‬السعيد‭ ‬في‭ “‬الأهرام‭” ‬وصفه‭ ‬بمحاولة‭ ‬انقلاب‭ ‬جدية،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬أهلية،‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬واسعة‭ ‬تشمل‭ ‬قيادات‭ ‬سياسية،‭ ‬أو‭ ‬معارضة‭ ‬مدعومة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬معادية‭ ‬كبرى،‭ ‬وعدم‭ ‬حدوث‭ ‬أي‭ ‬اضطرابات،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬التعليمات،‭ ‬وتفكيك‭ ‬فاغنر‭ ‬وتوزيعها‭ ‬بكل‭ ‬هدوء،‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بتلك‭ ‬الخطورة،‭ ‬فهل‭ ‬أصيب‭ ‬مؤسس‭ ‬فاغنر‭ ‬بلوثة‭ ‬صورت‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬الشعب‭ ‬الروسي‭ ‬سيستقبله‭ ‬بالورد،‭ ‬وأن‭ ‬المظاهرات‭ ‬ستندلع‭ ‬مطالبة‭ ‬به‭ ‬قائدا‭ ‬لروسيا؟‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬بريغوجين‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الحالة‭ ‬من‭ ‬اللوثة‭ ‬العقلية،‭ ‬بدليل‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬بيلاروس‭ ‬عرض‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يتولى‭ ‬تدريب‭ ‬قوات،‭ ‬ويكون‭ ‬له‭ ‬ولرجاله‭ ‬معسكر‭ ‬في‭ ‬بلاده،‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬سيتولى‭ ‬مهام‭ ‬جديدة،‭ ‬وعقد‭ ‬قادة‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬اجتماعا‭ ‬لبحث‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬من‭ ‬فاغنر،‭ ‬وتقييم‭ ‬التقديرات،‭ ‬وتعزيز‭ ‬دعم‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬وكانت‭ ‬أهم‭ ‬الخطوات‭ ‬إرسال‭ ‬قوات‭ ‬ألمانية‭ ‬لحماية‭ ‬لاتفيا،‭ ‬ودعم‭ ‬دفاعات‭ ‬بولندا‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬مع‭ ‬بيلاروس،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬نقل‭ ‬قوات‭ ‬أوكرانية‭ ‬إلى‭ ‬الحدود‭ ‬مع‭ ‬بيلاروس،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬مخاوف‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬وحلف‭ ‬الناتو‭ ‬زادت‭ ‬مع‭ ‬نقل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬قوات‭ ‬فاغنر‭ ‬إلى‭ ‬بيلاروس،‭ ‬وراودتها‭ ‬شكوك‭ ‬بأن‭ ‬تقوم‭ ‬بعمليات‭ ‬هجومية‭ ‬مفاجئة‭ ‬على‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬أو‭ ‬لاتفيا‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬بولندا،‭ ‬وهي‭ ‬بذلك‭ ‬قدمت‭ ‬خدمات‭ ‬لروسيا‭ ‬وبيلاروس،‭ ‬وكانت‭ ‬تقديرات‭ ‬روسيا‭ ‬أنه‭ ‬يجري‭ ‬التحضير‭ ‬لثورة‭ ‬ملونة‭ ‬ضد‭ ‬لوكاشينكو‭ ‬يعقبها‭ ‬هجوم‭ ‬مسلح‭ ‬مشابه‭ ‬لما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬سمي‭ ‬‮«‬الثورة‭ ‬البرتقالية‮»‬،‭ ‬ويمكن‭ ‬لفاغنر‭ ‬مع‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية‭ ‬التكتيكية‭ ‬حماية‭ ‬بيلاروس،‭ ‬بل‭ ‬وإزعاج‭ ‬وردع‭ ‬لاتفيا‭ ‬وبولندا‭ ‬وتهديد‭ ‬كييف،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تبعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬250‭ ‬كيلومترا‭ ‬عن‭ ‬بيلاروس‭. ‬إن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬أفاد‭ ‬بوتين،‭ ‬فهو‭ ‬تخلص‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬تجانس‭ ‬فاغنر‭ ‬مع‭ ‬الجيش،‭ ‬واختبر‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية،‭ ‬وكشف‭ ‬الخلايا‭ ‬النائمة،‭ ‬وتعرف‭ ‬على‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬الخارج،‭ ‬وأعاد‭ ‬توزيع‭ ‬قوات‭ ‬فاغنر‭ ‬بما‭ ‬يلائم‭ ‬مصالح‭ ‬روسيا‭.‬

لم‭ ‬ينج‭ ‬بعد

هناك‭ ‬حجج‭ ‬قوية‭ ‬ساقها‭ ‬الدكتور‭ ‬مصطفى‭ ‬محمود‭ ‬في‭ “‬الوفد‭” ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬تمرد‭ ‬بريغوجين‭ ‬المسلح‭ ‬أضعف‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭. ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬23‭ ‬عاما،‭ ‬استيقظ‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الروس‭ ‬صباح‭ ‬يوم‭ ‬السبت‭ ‬متسائلين‭ ‬عما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬رئيسهم‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬السلطة‭. ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬بعد‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬إعلان‭ ‬بوتين‭ ‬أنه‭ ‬سيتم‭ ‬معاقبة‭ ‬الخونة،‭ ‬تم‭ ‬إسقاط‭ ‬التهم‭ ‬الموجهة‭ ‬إلى‭ ‬بريغوجين،‭ ‬ورجاله‭ ‬المسلحين،‭ ‬الذين‭ ‬يُزعم‭ ‬أنهم‭ ‬أسقطوا‭ ‬طائرة‭ ‬نقل‭ ‬وطائرتي‭ ‬هليكوبتر‭ ‬على‭ ‬الأقل‭. ‬تم‭ ‬كسر‭ ‬عقد‭ ‬بوتين‭ ‬غير‭ ‬المعلن‭ ‬مع‭ ‬الشعب‭ ‬الروسي‭ ‬القائم‭ ‬أنه‭ ‬مقابل‭ ‬الحريات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬تحصل‭ ‬الجماهير‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬والأمن‭.. ‬تشير‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬بريغوجين‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يسيطر‭ ‬عليه‭ ‬بوتين‭ ‬مدمر‭ ‬للغاية،‭ ‬ومحمي‭ ‬بشكل‭ ‬جيد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬حلفاء‭ ‬غير‭ ‬مرئيين،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬السماح‭ ‬له‭ ‬بالعيش‭ ‬أكثر‭ ‬أمانا؛‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي‭. ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬تمرد‭ ‬فاغنر،‭ ‬ضاعف‭ ‬بريغوجين‭ ‬خناقه‭ ‬ضد‭ ‬مؤسسة‭ ‬الدفاع،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬حريصا‭ ‬على‭ ‬تجنب‭ ‬بوتين‭. ‬بعد‭ ‬خطاب‭ ‬الرئيس‭ ‬إلى‭ ‬الأمة،‭ ‬الذي‭ ‬نزل‭ ‬فيه‭ ‬بحزم‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الجيش‭. ‬يشير‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬اللحظة‭ ‬الأخيرة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بريغوجين‭ ‬متأكدا‭ ‬من‭ ‬الذي‭ ‬سيلجأ‭ ‬إليه‭ ‬بوتين‭. ‬كان‭ ‬بريغوجين‭ ‬يتوقع‭ ‬دعما‭ ‬سياسيا‭ ‬من‭ ‬القمة‭. ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬هذا‭ ‬أبدا،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬السياسيين‭ ‬أو‭ ‬كبار‭ ‬ضباط‭ ‬الجيش‭. ‬هذه‭ ‬هزيمة‭ ‬لبريغوجين‭. ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يخرج‭ ‬بوتين‭ ‬أقوى‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭.‬

البحث‭ ‬عن‭ ‬كبش

هناك‭ ‬عاملان‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬الدكتور‭ ‬مصطفى‭ ‬محمود‭ ‬سيتعين‭ ‬على‭ ‬بوتين‭ ‬مواجهتهما‭ ‬إذا‭ ‬أراد‭ ‬تعزيز‭ ‬هذا‭ ‬الانتصار‭ ‬الصغير،‭ ‬يجب‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الانقسامات‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬التي‭ ‬كشف‭ ‬عنها‭ ‬هذا‭ ‬التمرد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تشديد‭ ‬القمع‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭. ‬إيجاد‭ ‬كبش‭ ‬فداء‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يختتم‭ ‬الأمور‭ ‬بشكل‭ ‬جيد‭. ‬سيحتاج‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬الإدارة‭ ‬رجال‭ ‬بريغوجين‭ ‬البالغ‭ ‬عددهم‭ ‬25000،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬مستعدين‭ ‬للسير‭ ‬ضد‭ ‬الجيش‭ ‬النظامي‭. ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬هؤلاء‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬32000‭ ‬جندي‭ ‬سابق‭ ‬من‭ ‬فاغنر‭ ‬تم‭ ‬تسريحهم،‭ ‬والذين‭ ‬تم‭ ‬وضعهم‭ ‬على‭ ‬أهبة‭ ‬الاستعداد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شبكات‭ ‬بريغوجين‭ ‬عندما‭ ‬بدأ‭ ‬التمرد،‭ ‬ويتعين‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬الروسية‭ ‬الآن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬ألف‭ ‬رجل‭ ‬غاضب‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الخبرة‭ ‬القتالية،‭ ‬بعضهم‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مسلحا‭ ‬ومعظمهم‭ ‬ممن‭ ‬لديهم‭ ‬خلفيات‭ ‬جنائية،‭ ‬خاصة‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يشعرون‭ ‬بالخيانة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬بريغوجين‭.‬مع‭ ‬الأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬بريغوجين‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة،‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬لديه‭ ‬دور‭ ‬يلعبه‭. ‬في‭ ‬بيلاروسيا،‭ ‬سيكون‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬بوتين‭ ‬بأمان،‭ ‬ولكنه‭ ‬قريب‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬ليكون‭ ‬مفيدا‭. ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أن‭ ‬ألكسندر‭ ‬لوكاشينكو‭ ‬الديكتاتور‭ ‬البيلاروسي،‭ ‬لعب‭ ‬دورا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬الصفقة‭ ‬المبرمة‭ ‬بين‭ ‬بريغوجين‭ ‬وبوتين‭. ‬هناك‭ ‬معلومات‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬أليكسى‭ ‬ديومين،‭ ‬حاكم‭ ‬إقليم‭ ‬تولا،‭ ‬حيث‭ ‬توقف‭ ‬جيش‭ ‬بريغوجين،‭ ‬ونيكولاي‭ ‬باتروشيف،‭ ‬الرئيس‭ ‬القوي‭ ‬لمجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الروسي،‭ ‬كانا‭ ‬المفاوضين‭ ‬الرئيسيين‭. ‬ديومين‭ ‬هو‭ ‬حارس‭ ‬شخصي‭ ‬سابق‭ ‬لبوتين‭ ‬وينظر‭ ‬إليه‭ ‬الكثيرون‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬خليفة‭ ‬محتمل‭ ‬لبوتين‭ ‬الذي‭ ‬يجسد‭ ‬الولاء‭ ‬والشباب‭ ‬والدم‭ ‬الطازج‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬التمرد‭ ‬الناجح‭ ‬كان‭ ‬سيخدم‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير،‭ ‬فمن‭ ‬المرجح‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬بوتين‭ ‬سوف‭ ‬يجدد‭ ‬الهجمات‭ ‬بمزيد‭ ‬من‭ ‬الشدة‭.‬
ولدت‭ ‬لتموت

عوامل‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬كثيرة‭ ‬تحكم‭ ‬خزانة‭ ‬ملابسنا،‭ ‬التي‭ ‬غالبا‭ ‬كما‭ ‬ترى‭ ‬داليا‭ ‬شمس‭ ‬في‭ “‬الشروق‭”: ‬ما‭ ‬تكتظ‭ ‬بأشياء‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نرتديها‭ ‬منذ‭ ‬زمن،‭ ‬كصاحبتنا‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬ترتيب‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬ترتيبه‭ ‬بفرز‭ ‬الأطقم‭ ‬الصيفية‭ ‬والشتوية،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬قديمها‭ ‬الذي‭ ‬صاحب‭ ‬بعض‭ ‬ذكرياتها،‭ ‬وشهد‭ ‬هيئاتها‭ ‬المختلفة،‭ ‬وهي‭ ‬أصغر،‭ ‬وهي‭ ‬مستريحة‭ ‬البال،‭ ‬وهي‭ ‬أخف‭ ‬وزنا‭.. ‬مثلنا‭ ‬جميعا‭ ‬احتفظت‭ ‬ببنطال‭ ‬ضيق‭ ‬لم‭ ‬تضعه‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬بعض‭ ‬كيلوغرامات‭ ‬وتعيد‭ ‬استخدامه،‭ ‬وإلا‭ ‬ستضطر‭ ‬للاعتراف‭ ‬بالأمر‭ ‬الواقع،‭ ‬وأن‭ ‬الزمن‭ ‬لا‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭. ‬هي‭ ‬تقاوم‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يخرج‭ ‬عن‭ ‬نطاق‭ ‬السيطرة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تُكدس‭ ‬الثياب‭ ‬في‭ ‬الخزانة‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الاحتياط،‭ ‬لأي‭ ‬ظرف‭ ‬طارئ‭ ‬أو‭ ‬فعل‭ ‬مباغت‭ ‬من‭ ‬أفعال‭ ‬الدهر،‭ ‬خاصة‭ ‬أنه‭ ‬حاليا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬هناك‭ ‬موضة‭ ‬واحدة‭ ‬طاغية،‭ ‬بل‭ ‬موضات‭ ‬سريعة‭ ‬مؤقتة،‭ ‬صرعات‭ ‬متلاحقة‭ ‬تزول‭ ‬بسرعة‭ ‬وتحل‭ ‬واحدة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى‭. ‬مسايرة‭ ‬الموضة‭ ‬ارتبطت‭ ‬دائما‭ ‬بمزيج‭ ‬متناقض‭ ‬من‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬التفرد‭ ‬والحرية‭ ‬الشخصية‭ ‬وإثبات‭ ‬الذات‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬بمتابعة‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬الآخرون‭ ‬وتقليدهم‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬التجديد،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬أن‭ ‬نظل‭ ‬مقبولين‭ ‬اجتماعيا،‭ ‬فلا‭ ‬نكون‭ ‬غريبي‭ ‬الشكل‭ ‬والمنظر‭. ‬وفي‭ ‬عصر‭ ‬العولمة‭ ‬ازداد‭ ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الميل‭ ‬إلى‭ ‬توحيد‭ ‬الأزياء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الكوكب‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬التشبث‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬لباس‭ ‬تقليدي‭ ‬وأثواب‭ ‬عرقية‭ ‬للإعلان‭ ‬عن‭ ‬هوياتنا‭ ‬أو‭ ‬انتماءاتنا‭ ‬المختلفة،‭ ‬وينتشر‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الأفراد‭ ‬أو‭ ‬المجموعات،‭ ‬ربما‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬التمرد،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬مصمما‭ ‬شهيرا‭ ‬بحجم‭ ‬الراحل‭ ‬كارل‭ ‬لاغرفيلد‭ ‬لأن‭ ‬يصرح‭ ‬عام‭ ‬2013‭: ‬‮«‬لم‭ ‬تعد‭ ‬هناك‭ ‬موضة،‭ ‬بل‭ ‬مجرد‭ ‬أزياء‮»‬‭.‬

عنوان‭ ‬على‭ ‬مأساة

لأن‭ ‬الموضات‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬وتختفي‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬تعكس‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬ترى‭ ‬داليا‭ ‬شمس‭ ‬التشرذم‭ ‬الحالي‭ ‬وتَفَكُك‭ ‬الرابط‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬تفتت‭ ‬إلى‭ ‬مجموعات‭ ‬ثقافية‭ ‬أو‭ ‬إثنية،‭ ‬صغرت‭ ‬أم‭ ‬كبرت،‭ ‬إلى‭ ‬فرق‭ ‬وطوائف‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬التمايز‭. ‬ماتت‭ ‬إذن‭ ‬الموضة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬إرادة‭ ‬قلة‭ ‬قليلة‭ ‬على‭ ‬الأغلبية،‭ ‬وصرنا‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الموضات‭ ‬السريعة‭ ‬المتنوعة،‭ ‬التي‭ ‬يعتبرها‭ ‬البعض‭ ‬امتدادا‭ ‬للتوجه‭ ‬الليبرالي‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الأزياء،‭ ‬ميل‭ ‬إلى‭ ‬التشظي‭ ‬بعد‭ ‬فشل‭ ‬التمحور‭ ‬حول‭ ‬وجوه‭ ‬مركزية‭ ‬بعينها‭ ‬تحتكر‭ ‬مواصفات‭ ‬الجمال‭ ‬والقبح‭. ‬ظهر‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الموضة‭ ‬السريعة‮»‬‭ (‬fast‭ ‬fashion‭) ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬ليصبح‭ ‬المقابل‭ ‬الموضوعي‭ ‬للوجبات‭ ‬السريعة‭ ‬في‭ ‬الطعام‭ (‬fast‭ ‬food‭)‬،‭ ‬بضاعة‭ ‬مصنعة‭ ‬رخيصة‭ ‬الثمن،‭ ‬إذ‭ ‬تقلص‭ ‬سعر‭ ‬تكلفة‭ ‬الملابس‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬بنسبة‭ ‬14%‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2005‭ ‬و2011،‭ ‬وصارت‭ ‬الموضات‭ ‬في‭ ‬متناول‭ ‬عدد‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬البشر،‭ ‬ما‭ ‬صوره‭ ‬البعض‭ ‬كأحد‭ ‬تجليات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والفردانية‭ ‬داخل‭ ‬مجتمعاتنا‭. ‬وبدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬لسنوات‭ ‬طوال‭ ‬أربعة‭ ‬مواسم‭ ‬للموضة،‭ ‬يطرح‭ ‬خلالها‭ ‬المصممون‭ ‬موديلات‭ ‬جديدة،‭ ‬في‭ ‬الشتاء‭ ‬والربيع‭ ‬والصيف‭ ‬والخريف،‭ ‬صار‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬52‭ ‬حدثا‭ ‬أو‭ ‬فاعلية‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬العام‭. ‬يتم‭ ‬خلالها‭ ‬طرح‭ ‬بعض‭ ‬الموديلات‭ ‬ثم‭ ‬تختفي‭ ‬وتظهر‭ ‬أخرى‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬نتاج‭ ‬صناعة‭ ‬الموضة‭ ‬صار‭ ‬يقدر‭ ‬بنحو‭ ‬80‭ ‬مليار‭ ‬قطعة‭ ‬في‭ ‬السنة،‭ ‬وأن‭ ‬فروع‭ ‬محلات‭ ‬ماركة‭ ‬عالمية‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬زارا‮»‬‭ ‬انتشرت‭ ‬في‭ ‬69‭ ‬دولة‭ ‬ليصل‭ ‬عددها‭ ‬إلى‭ ‬4700‭ ‬متجر‭ ‬قبل‭ ‬أزمة‭ ‬كورونا،‭ ‬وأن‭ ‬أرباح‭ ‬سوق‭ ‬الملابس‭ ‬تزايدت‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬2015‭ ‬و2020،‭ ‬ثم‭ ‬بعد‭ ‬انخفاض‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬العوائد‭ ‬بسبب‭ ‬الجائحة،‭ ‬وصلت‭ ‬قيمة‭ ‬المبيعات‭ ‬إلى‭ ‬1‭.‬53‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬أمريكي‭ ‬سنويا،‭ ‬وفقا‭ ‬لتقديرات‭ ‬عام‭ ‬2022‭. ‬حين‭ ‬تحدثت‭ ‬كوكو‭ ‬شانيل‭ ‬عن‭ ‬قصر‭ ‬عمر‭ ‬الموضة،‭ ‬فقالت‭: ‬‮«‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تموت‭ ‬موضة‭ ‬لتأتي‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬الرحب،‭ ‬فتعيش‭ ‬التجارة‭ ‬وتزدهر‮»‬،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تتوقع‭ ‬بالطبع‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬وتيرة‭ ‬التغيير‭ ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬السرعة،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأسماء‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬تاريخ‭ ‬الأزياء‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬رسمت‭ ‬ملامح‭ ‬‮«‬الأناقة‭ ‬الجديدة‮»‬‭ ‬في‭ ‬العشرينيات،‭ ‬ببساطتها‭ ‬المتناهية‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتفصيلات‭ ‬الملابس‭ ‬ونوعية‭ ‬الأقمشة‭. ‬

غصب‭ ‬عني

كشفت‭ ‬التحقيقات‭ ‬الأولية،‭ ‬التي‭ ‬تجريها‭ ‬النيابة‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المواقع‭ ‬والصحف‭ ‬ومنها‭ “‬المصري‭ ‬اليوم‭”‬،‭ ‬أن‭ ‬جزار‭ ‬المونوريل‭ ‬استغل‭ ‬امتلاكه‭ ‬محل‭ ‬جزارة‭ ‬في‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة‭ ‬لعمود‭ ‬المونوريل،‭ ‬وعلق‭ ‬لحوم‭ ‬الأضاحي‭ ‬عليه‭. ‬وأضاف‭ ‬جزار‭ ‬المونوريل‭ ‬الذي‭ ‬اصبح‭ ‬حديث‭ ‬الكثيرين‭ ‬أمام‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬مكنش‭ ‬قصدي‭ ‬أعمل‭ ‬كده‭ ‬واستعنت‭ ‬باثنين‭ ‬متجولين‭ ‬ومعهم‭ ‬سيدة‭ ‬واستغلت‭ ‬ده‭ ‬موسم‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬المبارك،‭ ‬لمساعدتي‭ ‬في‭ ‬ذبح‭ ‬الأضاحي‭ ‬مقابل‭ ‬مبالغ‭ ‬مالية‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الأضاحي،‭ ‬بصفته‭ ‬موسم‭ ‬الذبح‭ ‬والربح‭. ‬وكان‭ ‬رواد‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬قد‭ ‬تداولوا‭ ‬منشورا‭ ‬عبر‭ ‬صفحاتهم‭ ‬الشخصية‭ ‬ساخرين‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬الأشخاص،‭ ‬هو‭ ‬جزار‭ ‬المونوريل‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬تعليق‭ ‬لحوم‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬الأعمدة‭ ‬الخاصة‭ ‬بالمونوريل‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬نصر‭. ‬وبإجراء‭ ‬التحريات‭ ‬وجمع‭ ‬المعلومات‭ ‬والاستعانة‭ ‬بالتقنيات‭ ‬الفنية‭ ‬الحديثة،‭ ‬ألقت‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬المتهم‭ ‬جزار‭ ‬المونوريل‭ ‬و3‭ ‬أشخاص‭ ‬من‭ ‬مساعديه‭ ‬بينهم‭ ‬سيدة،‭ ‬وبمواجهتهم‭ ‬اعترفوا‭ ‬بارتكاب‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬المشار‭ ‬إليه،‭ ‬وقيامهم‭ ‬باستغلال‭ ‬فترة‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬المبارك‭ ‬للعمل‭ ‬كجزارين‭ ‬متجولين‭ ‬واتخاذهم‭ ‬من‭ ‬محل‭ ‬الواقعة‭ ‬مكان‭ ‬لممارسةعملهم‭. ‬كما‭ ‬تمّ‭ ‬ضبط‭ ‬الأدوات‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬الجزارة،‭ ‬وتحرر‭ ‬المحضر‭ ‬اللازم‭ ‬وجرى‭ ‬اتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬القانونية‭ ‬وتولت‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬التحقيق‭ ‬في‭ ‬الواقعة‭. ‬وفرضت‭ ‬الأجهزة‭ ‬المختصة‭ ‬عقوبة‭ ‬تقدر‭ ‬بـ112‭ ‬ألف‭ ‬جنيه‭ ‬على‭ ‬الجزار‭ ‬نتيجة‭ ‬التلفيات‭ ‬التي‭ ‬أحدثها‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬تعتبره‭ ‬الحكومة‭ ‬درة‭ ‬الجمهورية‭ ‬الجديدة،‭ ‬ودفع‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬خصوم‭ ‬السلطة‭ ‬لاستغلال‭ ‬حادث‭ ‬الجزار‭ ‬لمواصلة‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬المشروعات‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬الدولة‭ ‬والتشكيك‭ ‬في‭ ‬سلامتها‭ ‬وجدواها‭.‬

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية