فاروق يوسف
(اذا رأيت ذراعي خارجة من الثلج، ذلك يعني أني موجود تحت الثلج)، هذا ما يقوله الفنان الامريكي (من أصل فنلندي) آرنو رافائيل منكينين. جسده هو موضوعه الأثير والوحيد منذ عام 1971. كل صوره تحمل عنوانا واحدا لم يتغير الا ببعض الاضافات (بورتريه شخصي). ومع ذلك فلا صورة من صوره تشبه صورة أخري، لا من جهة ما تطرحه من تساؤلات غامضة وألغاز تزيل عن الجسد غبار الاثارة، فحسب بل وأيضا من جهة بنيتها الشكلية. يؤلف آرنو صورته بخيال العارف بآليات عمل الطبيعة. وهو من خلال ادائه الجسدي انما ينسج علي منوال الطبيعة المفارقة التي تصنع نغما مضافا، صحيح أن ذلك النغم لا يشرخ المشهد الذي ينبثق من أعماقه غير أنه يظهر نوعا من العصيان الذي يجعل اتصاله بالاجزاء المجاورة من المشهد نوعا من الانفصال وبالعكس. يقول (أنا اعالج المادة بالطريقة التي تبدو من خلالها كما لو أنها وجدت هكذا منذ زمن بعيد، كما لو أنني أعثر عليها ملقية فيها في الطريق). ومفهوم المادة هنا لا يقتصر علي جسد الفنان الذي لم يظهر في أية صورة الا مجزءا (جذع، قدمان، أصابع ناقصة ليد غائبة) بل يشمل ذلك المفهوم برعايته مشهدا لا تخفي وحدته العضوية، حيث لا تفاصيل ناتئة أو لافتة للنظر، من جهة تفردها الجمالي. حتي الاجزاء المقتطعة من جسده، والتي تنقل الينا مزاجه التعبيري (لحظة الاداء والتصوير في الوقت نفسه) سعي الفنان الي أن يحقق من خلالها معني المشاركة في الانشاء الطبيعي، ذلك لأن آرنو لا يري عيبا في التوثيق البصري الصريح، طالما أن ذلك الفعل يكون قادرا علي التنقيب في اعماق النفس البشرية، مازجا مشاعرها الداخلية الدفينة (خوف وأمل واضطراب وسعادة وشقاء وحنين وانتظار ورغبات لا حصر لها) بالأشكال التي تنتهي اليها، وهي أشكال مستلهمة من الطبيعة التي حرمته هجرة عائلته الي الولايات المتحدة من الانغماس في لذائذها، (ولد في هلسنكي عام 1945 وهاجرت عائلته عام 1951 ولم يزر بلده الاصلي الا عام 1967). صوره تعيده الي أصله الشمالي، تعلي من شأن جيناته الوراثية، حيث تستمد حواسه بهجتها من الامتزاج بالطبيعة الحية. ليس هناك عرض مزدوج، ما تفكر به تراه وما تراه لا يقع بعيدا عما يجري في ذهنك. لا شيء يحدث فجأة، يمكنك أن تغمض عينيك فتري العالم مثلما خبرته مرآة لحلم لم ينته بعد.
ہہہفي صور منكينين هناك بلاغة مزدوجة: ما نراه من الصنيع الفني يحثنا علي استخراج معان رمزية، وهي معان تتعلق بموقع الانسان من نسيج الطبيعة، وما لا نراه من ذلك الصنيع يقتصر تأثيره علي الفنان وحده، المنتفع الأول من فعل الجمال، فقبل المتلقي يكون الفنان. فمن خلال ضبط ايقاعاته الجسدية تناغما مع ميزان الطبيعة استطاع الفنان أن يسترجع شيئا من طفولته، حيث كان منفاه المبكر نوعا من الاقتلاع بعيدا عن وطن لم يعرفه الا في صفته مزاجا داخليا متمردا يشعره بالمسافة التي تفصله عن المحيط الخارجي الذي صار بمثابة وطن. ولقد شكلت عودته الي فنلندا بعد فراق طويل لحظة اكتشاف لوعيه الشقي، لقد أدرك يومها أن جسده وجد أخيرا الفضاء يتحرك فيه بحرية من غير أن تشكل تلك الحرية نوعا من ارتجال الصخب العام. هناك استخرج صورته الشخصية من عمق الطبيعة بيسر، لقد فتك به حنين غامض، وحين استدرجه ذلك الحنين الي هذه البقعة من الارض، التي يسمونها فنلندا اكتشف ضالته الروحية، ومن يومها لم يكف عن القاء موعظة صوره الشخصية تلك. (طوال ثلاثين سنة وانا مشغول بفكرة واحدة: ان استعمل جسدي كوسيلة للتعبير عن العلاقة بالطبيعة)، يقول آرنو. لذلك فان صوره الفوتوغرافية لا تفصح عن طريقة نادرة في النظر الي الطبيعة، بقدر ما هي تعبير عن الرغبة في العودة مجازا الي البيت، لكن بصيغة يغلب عليها الابتهال والرجاء. والطبيعة بالنسبة لشماليي أوروبا هي دين مضاد لكنه غير مشاغب، دين يكتسب تعاليمه من امتزاج عضوي لا سبيل الي اقتناص مفرداته بين عناصر تجمع ما بينها فكرة الخلق. لقد فجرت عودته تلك في أعماقه نزعة روحية مبهمة، كانت في حقيقتها نوعا من التماس الطريق الي ذلك الدين الذي لا تنكره الاديان السماوية بل غالبا ما تتسلي بمدائحه: الطبيعة وهي تستضيف الجسد البشري. ہہہ القليل من جسده يكفي لصنع ذلك الايقاع المنغم الذي يريد الذهاب اليه. هناك كفاءة خالدة في التعبير لا يمحوها الزمن. (تماما مثل الصخور والاشجار التي لم تتغير طوال الوقت كذلك اجسادنا لم تتغير كثيرا عما كانت عليه قبل خمسة قرون، الايدي، الاصابع، الاقدام، كل هذه الاشياء الجوهرية ظلت كما هي)، يقول أرنو. بالنسبة للكثيرين يبدو آرنو في هيأة الأحمق في كلامه هذا، لكنه يدرك أكثر منا أن الطبيعة التي عاد اليها لا تقيده، بل تفعل العكس تماما، حين تفتح أمامه خزائن خيالها. ولذلك فانه يغامر مطمئنا حين يضع اجزاء من جسده في خدمة توترها الجمالي. فتكون تلك الاجزاء أشبه بالشطحات الصوفية، بالجمل النيتشوية الغاصة بالدهشة، بخفق الأجنحة علي سطح بحيرة ساكنة. يحل جسد أرنو ضيفا علي الطبيعة مثلما يفعل زائر معبد منهمك في التفكير بصلاته، فلا يري من ذلك المعبد الا الفضاء الذي ينقله الي المطلق. وما دام الموضوع متعلقا بصلة الفن بالطبيعة فان هناك خطرا دائما. فالطبيعة وهي مصدر كل جمال محتمل لا بد أن تدعونا الي اليسر، وهو يسر يصدر منه كل كسل جمالي، وهو ما تجنب آرنو الوقوع فيه، حين اختار أن يكون جسده هو القربان الذي تنشأ من حوله الاسطورة. لقد اقترح علي الطبيعة أشكالا مغامرة مستلهمة من جسده لكي تظل كما هي في أحلامه منجما لتوتر خلاق. شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد