كامل صقر:
جسر الشغور ـ ‘القدس العربي’ كان روبرت فورد السفير الأمريكي بدمشق آخر الواصلين إلى أمام مبنى وزارة الخارجية السورية صباح أول أمس، وصل أغلب السفراء والدبلوماسيين والملحقين العسكريين المدعوين لزيارة مدينة جسر الشغور، ووصل قبلهم أيضاً فريق من المراسلين الصحافيين المعتمدين في دمشق. انطلق الجميع في رتل واحد بحماية سيارات تحمل عناصر من قوات النخبة في الجيش السوري، بدت الحراسة الأمنية مشددة لوجود حشد كبير من السفراء والإعلاميين والدبلوماسيين والملحقين العسكريين، أبرز الغائبين كانوا سفراء قطر والسعودية والإمارات فيما حضر نيابة عنهم القائمون بالأعمال.
قبل انطلاقنا نحن الصحافيين كانت لنا دردشة سريعة مع اللواء رياض حداد مدير الإدارة السياسية في القوات السورية، الرجل لا يُجيد التصريحات الدبلوماسية لذلك تبدو إجاباته ذات مصداقية أكثر، سألته ‘القدس العربي’ إذا كانت صنوف الآليات العسكرية السورية الحديثة التي اتجهت شمالاً رسالة ذات معنى للجارة التركية، فنفى وأكد أن العلاقة مع تركيا جيدة وأن زيارة المبعوث السوري حسن تركماني كانت مثمرة وناجحة. وكشف حداد أن السفير الفرنسي بدمشق إيريك شوفالييه والملحق العسكري في السفارة الأمريكية بدمشق ذهبا قبل يوم إلى جسر الشغور وشاهدا إحدى المقابر الجماعية. على الطريق وقبل وصولنا جسر الشغور بحوالى ساعة من الزمن كان الرئيس السوري قد بدأ كلمته من مدرج جامعة دمشق، استمع الصحافيون إليها وهم في السيارات التي تسير بهم، فيما استمع الدبلوماسيون والسفراء وعددهم حوالى سبعين دبلوماسيا وهم داخل الحافلات الثلاث الكبيرة التي تنقلهم وتفصل بين كل حافلة سيارة فيها ست عناصر من الجيش السوري بكل عتادهم، في كل محطة أو وقفة، عيون الصحافيين وكاميرات المصورين كانت تحوم حول السفير الأمريكي فورد والسفير التركي عمر أونهون المعنية بلاده كثيراً بالأزمة السورية الداخلية، كان واضحاً أن السفير أونهون ينأى تماماً بنفسه عن عدسات الكاميرات وبدا منزعجاً من إلحاح بعض المراسلين عليه طلباً للتصريحات، وعبثاً حاول المراسلون الصحافيون استنطاق السفير فورد حول مشاهداته حيال المقبرة الجماعية الجديدة التي كشف النقاب عنها أمام الجميع، سفراء وإعلاميين، لكن وفي طريق العودة وبعد أن تناولنا الطعام في أحد مطاعم مدينة حمص سألت السفير فورد على عجالة عن انطباعاته فاكتفى بالقول باللغة العربية: الله يرحمهم (في إشارة للقتلى من قوى الأمن على يد الجماعات المسلحة)، وأضاف: إنه أمر مؤسف سواء مدنيين أم من قوى الأمن والجيش، سألته عن رأيه بكلمة الأسد فألمح بإيجابية إلى جانب الحوار الوطني الذي شكل جسد كلمة الأسد ولم يُخفِ السفير فورد إيجابية تجاه تضمين الأسد لكلمته عبارة (معارضة) لكنه شدد على وجوب الإسراع بالخطوات الإصلاحية.
في جسر الشغور شاهد الجميع الدمار التام الذي لحق بمفرزة الأمن العسكري هناك إثر هجوم دام 36 ساعة من مئات المسلحين على المفرزة وأودى بحياة العشرات من عناصرها، آثار الرصاص من أسلحة ثقيلة كان من السهل مشاهدتها على الجانب الخارجي لجدران المفرزة، فيما انهمك الملحقون العسكريون في تفحص تلك الآثار للوصول إلى استنتاجات حول نوعية الأسلحة التي استخدمها المسلحون المهاجمون ومستوى تطورها والتقط بعضهم فوارغ الرصاصات المتبقية على الأرض، استمع الكل لما أفاد به أحد القادة الميدانيين في محافظة إدلب وهو برتبة عميد كيف وقع الهجوم على المفرزة مصرحا ‘أن المسلحين استخدموا كل أنواع الأسلحة الفردية المتطورة كالرشاشات والآر بي جي والكلاشينكوف وبراميل الديناميت المصنع محلياً’ وكيف صدهم عناصر المفرزة حتى نفاد ذخيرتهم. سألت الضابط لاحقاً حول ما إذا كانت المفرزة قد تلقت مساعدة لوجستية خلال الساعات الطويلة التي كان عناصرها يصارعون المسلحين فأكد أن عناصر مساعدة اتجهت نحو المفرزة وأن عديد الوحدات التي كانت متجهة لتقديم العون تعرضت لكمين راح خلاله 14 قتيلاً من القوى المساعدة.
في مكان اسمه النهر الأبيض على أطراف جسر الشغور فاحت رائحة الموت لتزكمأنوف الجميع وتبدت المشاهد تباعاً عندما كُشف النقاب عن المقبرة الجماعية الثالثة، واضطر بعض السفراء للابتعاد بعد هول المشهد، بقايا لحوالى 20 جثة من عناصر مفرزة الأمن العسكري الذين دفنهم المسلحون قبل أسابيع، مستعينين بجرافة حفرت حفرة بعرض 4 أمتار وعمق متر واحد، وذلك وفق ما أفادنا به جمال سليمان الذي يملك الجرافة والذي قال انه وتحت تهديد السلاح حفر تلك الحفرة ليلقي فيها المسلحون تلك الجثث التي كانت موضوعة في شاحنة.