لأن الشيطان شاطر ولديه أساليبه وألاعيبه التي يستعملها في إغواء البعض، وتحريض البعض الآخر على الكراهية واقتراف الخطايا في حق اناس لا يستحقون ذلك، وتصويرهم اشرارا ما بعدهم اشرار، أغار يوما من الأيام على اخوين متحابين يعيشان بسعادة منذ اربعين سنة، في مزرعتين متجاورتين وسط منطقة ريفية مليئة بالأشجار والسهول والجداول، تقاسما الادوات وتعاونا بشكل تام، كرس الشيطان كل قواه لتحقيق الخراب بينهما، لأن حياتهما جعلته يشعر بالحزن ويحس بالضعف إزاء كل أواصر المحبة وتكامل الألفة في ما بينهما، الى ان نجح يوما من الايام في احداث خلاف بينهما سرعان ما اججه بطريقته الشيطانية وحوله في دقائق معدودة الى صراع محتدم، حتى تحول الامر الى ازمة حقيقية بين الاخوين لأول مرة منذ 40 سنة، وسرعان ما تلاشى التكاتف والتعاون وتحول الى سوء تفاهم، ثم خلاف لا يمكن حله، واخيرا الى قطيعه وتبادل للاتهامات، الأمر الذي جعل الشيطان يعيش في سعادة غامرة. في صبيحة احد الايام سمع الاخ الاكبر طرقات على باب منزله وعندما فتح الباب وجد شخصا يحمل صندوقا خشبيا فيه ادوات نجارة فقال النجار: انني ابحث عن عمل لربما تحتاج إلي في اعمال هنا او هناك، وانا مستعد لأي عمل يلزمك يا سيدي في مجال النجارة، قال الاخ الاكبر: بالصدفة لدي عمل لك فعلا، انظر ناحية الجدول في طرف المزرعة يقف اخي الصغير هناك، وقبل اسبوع فقط كل ما كان يفصل بين مزرعتينا سهل اخضر ومرعى مشترك، لكنه قام بحفر هذا الجدول بجرافته الضخمة وصنع فاصلا بين المزرعتين، ربما قام بهذا العمل لكي يغضبني، لكنني سأريه من هو الاخ الاكبر، أترى كومة الأخشاب بجانب المخزن؟ إني اريد منك ان تبدأ حالا ببناء جدار من الخشب بارتفاع ثلاثة امتار حتى لا اضطر لرؤيته ومزرعته، قال النجار أعتقد انني فهمت الوضع، ارني اين المسامير والأدوات وسأقوم بالعمل بشكل يرضيك، في نفس اليوم كان الاخ الاكبر قد قرر السفر للمدينة المجاورة لشراء بعض الحاجيات واللوازم والقيام ببعض الترتيبات، لذا ارشد النجار الى مكان المسامير والاخشاب وخرج بدوره للمدينة المجاورة، بدأ النجار يعمل بهمه ونشاط ويقوم بالقياس والنشر والحفر وتثبيت الاخشاب بالمسامير، عند الغروب كان قد انهى عمله، في الوقت الذي عاد فيه الاخ الاكبر من المدينة، الذي نظر وعجز عن الكلام فلم ير الجدار الذي اوصى به، بل جسرا منتصبا مكانه ممتدا بين المزرعتين فوق الجدول وعلى جانبي الجسر حاجزا صنع ببالغ الجمال والاتقان، وبينما هو ينظر ويحدق ويطيل النظر، رأى اخاه الاصغر يقف على الطرف الآخر من الجسر، ويمد يده الى الامام ويقول: انت رجل عظيم يا اخي ببنائك لهذا الجسر بيننا بعد كل ما بدر مني، وقف الاخوان على طرف الجسر لحظة اخرى ثم تقدما حتى التقيا بوسط الجسر، فتصافحا وتعانقا بحرارة، التفتا الى النجار فإذا به يحمل صندوقه ويهم بالرحيل، فقال له الاخ الاصغر انتظر لدي عمل كثير لك ، فقال النجار: يسعدني البقاء لكن انا آسف يا سيدي لدي الكثير من الجسور اود بناءها، من هنا اقول ليتنا نمد جسور التسامح عندما تعلو بيننا جدر الخصام ونشد على يد من يحاول مد تلك الجسور ولا نتكبر عليه ونزهو بأنفسنا ويملأنا الغرور، نتمنى ان يكون لدى العرب والمسلمين من يبنون جسور المحبة ويتمتعون بحس هذا النجار، يتدخلون بالخير والمعروف وليس بدق الاسفين بين هذا العربي والمسلم وذاك، كما يفعل ما يفعل بين فتح وحماس، يعقدون الامور ويضخمونها على طريقة الشيطان، ويوجد من يحذو حذو امير قطر في مد جسور التعاون مع الجمهورية الاسلامية الايرانية، ورئيس وزراء الكويت عندما تعالى على جراح الاحتلال ولم يحمل الشعب العراقي ذنبه في زيارته الاخيرة لبغداد، في موقف اخوي مفعم ببناء الثقة والحرص على المحبة، كذلك قرار تركيا الغاء التأشيرات مع اليمن، كلنا امل في بناء المزيد من هذه الجسور، بما يعمق المحبة في القلوب ويرسخها بالعقول ويوضح ما كان غير مفهوم ومجهولا، وبالتالي تحقيق الامن والاستقرار وصد مكائد الاشرار. مياح غانم العنزي